أطلقت السلطات السودانية الأحد الماضي الزعيم المعارض الصادق المهدي، بعد شهر من اعتقاله وتضييق الخناق علي عائلته، حيث تمّ اعتقال أربعة من بنات المهدي، إضافة إلى عشرة من قيادات الحزب المعارض الأهم في السودان، حزب الأمة، والذي يتزعمه المهدي منذ عام 1964.

رحبت العديد من الهيئات السودانية والدولية بإطلاق سراحه، حيث زار سفراء دول الاتحاد الاوروبي في السودان الصادق المهدي في بيته فور خروجه، إضافةً إلى العديد من قيادات المعارضة السياسية في السودان الذين أكدوا أن الإفراج عن الصادق المهدي، ربما يكون خطوة أخرى لبدء حوار مع السلطات، التي تقبع على كرسي الحكم منذ 25 عامًا.

المهدي مع البشير في وقتٍ سابق هذا العام

الاعتقال: وجهٌ آخر للقانون؟

قبل أقل من شهر على اعتقاله في 17 مايو كان الصادق المهدي يحضّ على تلبية دعوة الحوار التي وجّهها الرئيس السوداني عمر البشير محاولًا إقناع سائر المعارضين بذلك وإنْ على سبيل تجربة ما سبق تجريبه مع النظام قبل ذلك مرات عديدة.

الصادق المهدي

كان اعتقال المهدي من جانب الجهاز الوطني للاستخبارات والأمن بعدما اتهم المهدي قوات الدعم السريع بارتكاب اعمال اغتصاب وعنف بحق مدنيين في إقليم دارفور المضطرب بغرب البلاد، وفق الجهاز.

إلا أنَّ تهمًا أخرى ـ تصل عقوبتها للإعدام ـ كانت في انتظار الصادق المهدي، حيث وجه إليه اتهام “بتقويض النظام الدستوري” و”التحريض ضد القوات الحكومية” إضافة إلى عدة استجوابات أخرى.

عمر البشير

حسب الرواية الرسمية ـ على لسان وزير الدولة للإعلام ياسر يوسف ـ جاء إطلاق سراح المهدي في “إطار قانوني”، لكنه تحفظ على إعطاء أية تفاصيل أخرى، بينما تشير تقارير أنَّ إطلاق المهدي جاءَ بعد لقاء الزعيم السياسي حسن الترابي في السجن.

وفق رواية “لجنة الوساطة” التي تألفت من عدة شخصيات سياسية ودينية رفيعة ـ بعد عقد اللجنة عدة لقاءات مع قيادات في الحكومة ومع الرئيس البشير نفسه، كما التقت بالمهدي في سجنه ـ تمخضت هذه اللقاءات عن إطلاق سراح المهدي بـ “عفو رئاسي” من قبل البشير، ما يعني أنَّ ادعاء السلطة أن الاعتقال كان قانونيًا ادعاءٌ لا أساس له.

مشكلة دارفور التي اعتقل بسببها المهدي

أحد المخيمات في دارفور

بدأ النزاع بشكل مباشر في عام 2003 بعدما أعلن بعض الزعماء في دارفور أن الحكومة تنحاز للعرب على حساب القوميات الأخرى في الإقليم، وبدأ المتمردون حراكهم السياسي والعسكري. وحسب إحصائيات الأمم المتحدة، والتي ترفضها الحكومة السودانية، تسببت الحرب الأهلية في دارفور بمقتل حوالي مائتي ألف شخص ونزوح حوالى 1.2 مليون، وحسب بعض الإحصاءات الأخرى فقد أدى الصراع إلى مقتل ثلاثمائة ألف وتشرد ما يقارب 2.7 مليون سوداني.

“تشير تقارير عديدة أن قوات الدعم السريع ـ التي اتهمها المهدي ـ ارتكبت أعمال اغتصاب وعنف تجاه مواطنين مدنيين في الإقليم”

الصادق المهدي: قيادة سياسية وزعامة روحية

يعتبر العديد من السياسيين في السودان أن الرجل قد ولد وفي فمه “ملعقة من ذهب” كما يقال، على اعتبار أنَّ الرجل قد ورثَ حزبًا سياسيًا عريضَ الجماهير عن أسرته، الأسرة المهدية، هو حزب الأمة، الذي تولى زعامته منذ عام 1964. يضاف إلى رئاسته الحزب الأكثر بروزًا في السودان، وراثته الزعامة لطائفة “الأنصار” التي جعلت منه زعيمًا روحيًا للحركة المهدية في السودان، التي تنسب إلى جده الأكبر محمد أحمد المهدي، والذي كان مفجرًا للثورة المهدية في السودان في أواخر القرن التاسع عشر.

جمع المهدي بين القيادة السياسية والروحية

تولى الصادق المهدي رئاسة الوزراء في السودان بشكل ديموقراطي مرتين، أطيح به في الفترة الأولى (1966: 1967) بائتلاف ثلاثي، بينما كان انقلابًا عسكريًا هو الذي أطاح به في فترته الثانية (1986: 1989) حين تمَّ الانقلاب على حكومته من قبل الرئيس الحالي عمر البشير، بتخطيط ومباركة صهره حسن الترابي (الترابي متزوج من أخت المهدي السيدة وصال).

سجن الصادق المهدي كثيرًا خلال مسيرته السياسية، وبعد الانقلاب تمّ سجنه، ثم العفو عنه، واستطاع السفر سرًا إلى إريتريا لينضم للمعارضة في الخارج، عاد للسودان عام 2000 بعد وساطات للتفاوض بينه وبين النظام من جديد، تمت إعادة انتخابه رئيسًا للحزب عام 2003.

المعارضة في السودان

رغم أنَّ سياسات الرئيس عمر البشير قادت السودان إلى حروب أهلية في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وتنذر بحرب أهلية شاملة ـ حسب المعارضة ـ إضافةً إلى انفصال جنوب السودان عن شماله، إلا أنه لا زال في السلطة، ورغم وجود معارضة قوية لحكمه إلا أنها لا تبدو قوية بما يكفي لإسقاط الرئيس.

مؤتمر لقادة المعارضة في السودان

في أغسطس الماضي دعا تحالف المعارضة السودانية والذي يضم نحو عشرين حزبًا أبرزها حزب الأمة الذي يرأسه المهدي، إلى إسقاط النظام بشكلٍ سلمي خلال مائة يوم، ودعا المواطنين للنزول للشوارع، إلا أن التحالف فيما يبدو لم يستطع أن يأخذ المغامرة إلى آخرها.

بدأ الرئيس البشير بداية العام الحالي حوارًا مع قوى المعارضة ـ توقفَ بعد اعتقال المهدي ـ إلا أنَّ البعض يؤكد أن الحوار سيستأنف بعد العفو عنه. ويبدو أن المعارضة السودانية هشّه في مقابل حكم البشير.

حسب بعض التحليلات يمثل الصادق المهدي بديلًا حقيقيًا حال الإطاحة بالرئيس البشير ـ ولا يوجد سبيل للإطاحة به حيث تشهد الانتخابات خروقات عديدة ـ . الجدير بالذكر أنَّ الحوار مع المعارضة بدأ هذا العام، بينما ستعقد الانتخابات الرئاسية عام 2015 ما يفتح الباب للحديث عن محاولة البشير تهدئة المعارضة لحين العبور من هذه الانتخابات بسلام، خصوصاً أنَّ النظام قد بدأ بالفعل هذه السياسة الحوارية أكثر من مرة في الأوقات المتوترة ثمَّ هجرها بعد ذلك.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد