ترى ورقة فئة 200 جنيه ملقاة على الطريق، تنحني لتلتقطها فتجدها تفر منك جارية، يظهر شخص يضحك ويشير لك إلى كاميرا  خفية لا تراها فتضحك ويضحك الرجل وغالبًا ما يضحك المشاهدون أيضًا؛ تلك هي برامج الكاميرا الخفية التي تعود الجمهور العربي على مشاهدتها منذ عقود، خاصةً الكاميرا الخفية التي كان يقدمها الفنان المصري فؤاد المهندس في فترة الثمانينيات. ولكن وضع برامج الكاميرا الخفية و«المقالب» اختلف كثيرًا في وقتنا الحالي، وشهد تطورًا أكبر منذ انضم الممثل المصري رامز جلال لتقديم هذه النوعية من البرامج على شاشات التلفزيون العربية.

وعلى الرغم من النقد الذي يتعرض له كل عام سواء من متابعيه أنفسهم، أو المشاهد العادي الذي يصادف البرنامج في طريقه أثناء البحث عن مسلسلات في شهر رمضان؛ إلا أن برامج رامز جلال، تلقى دائمًا نجاحًا ونسب مشاهدة مرتفعة للغاية.

في شهر رمضان الحالي اختلف الأمر قليلًا في برنامج «رامز جلال مجنون رسمي» والذي اختار فيه الممثل نمطًا جديدًا في «المقالب» وهو الذي أثار الجدل أكثر من المعتاد، فلماذا برنامج رامز جلال هذا العام 2020 مختلف؟ ولماذا -رغم الانتقاد- لا يزال يحصل على مشاهدات عالية؟ هذا ما نحاول فهمه في هذا التقرير.

تعذيب سادي أم مقلب مضحك؟

في كل برنامج من برامج رامز جلال في الأعوام السابقة، كانت هناك عادة خدعة محبوكة لخداع الضيف النجم وتخويفه ولا يدرك الضيف أن من وراء تلك الأحداث هو رامز جلال إلا في نهاية الحلقة، ولكن هذا العام الأمر مختلف كليًا، فبعد دقائق معدودة من بداية الحلقة يكون النجم بحيلة ما قد قُيد إلى كرسي يمكنه التحرك في جميع الاتجاهات من خلال حامل، ويجد أمامه رامز جلال والذي يبدأ -حرفيًا- في تعذيبه بغرض إضحاك المشاهدين.

بعد عرض الحلقة الأولى في أول يوم رمضان على شاشة قناة «إم بي سي»؛ بدأت الانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي، موضحين أن ما يحدث في البرنامج ليس له علاقة بالمقالب أو خفة الظل ولكنه تعذيب واضح للضيف دون حتى بذل عناء التفكير في حبكة تضحك الجمهور المحب لبرامج لكاميرا الخفية والمقالب، ولكن على الرغم من التعذيب الواضح للضيوف في الحلقات التي عرضت لرامز جلال حتى الآن، إلا أن البرنامج يحصد نسب مشاهدة عالية.

احتل البرنامج المركز الأول في عدد المشاهدات غير مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة في السعودية، والبحرين، والعراق، والكويت، وليبيا، وقطر، وحصل على المركز الثالث في الإمارات والجزائر، والمركز الرابع في المغرب، وأوضحت شبكة قنوات «إم بي سي» أن الارقام الرسمية لمقاطع المشاهدة خلال اليومين الأول والثاني من رمضان في البلدان العربية وصل إلى 44 مليون مشاهدة على موقع «يوتيوب»، و53 مليون مشاهدة على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، و20 مليون مشاهدة عبر تطبيق «سناب شات»، و912 ألف مشاهدة على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، و37 ألف مشاهدة على موقع «إنستجرام»، بإجمالي مشاهدة 118 مليون مشاهدة في يومين فقط، بينما حصد الإعلان الترويجي للبرنامج على شبكات التواصل الاجتماعي مجتمعة إلى 34 مليون مشاهدة حتى اليوم الثاني من رمضان.

والسؤال المطروح هُنا، لماذا يحصد برنامج يعتمد على تعذيب ضيوفه؛ على هذا الكم من المشاهدات اليومية، حتى الأشخاص الذين ينتقدون البرنامج، يستمرون في مشاهدته دون توقف؟ 

«السادية اليومية».. المشاهد يشعر بالسيطرة

في لحظة القيام بأي مقلب سادي، يتحول الشخص المستهدف إلى مجرد هدف، يسعى صاحب الخدعة المخيفة لتحقيقها، والهدف الأكبر يكون الشعور بالسيطرة والتحكم بالآخرين، ويخبرنا علم النفس أن مشاهدة تلك النوعية من البرامج تخلق نوعًا من أنواع التوحد بين المشاهد وصانع الخدعة المخيفة، وكأنه بمشاهدته لهذا الطقس هو شريك في السيطرة والتحكم في الضيف الواقع في فخ الخدعة.

ومشاهدة تلك النوعية من البرامج، والاستمتاع بالتعذيب الذي يتعرض له الضيف واعتباره شيئًا مضحكًا، يُعرف في علم النفس باسم «السادية اليومية»، وهي المشاعر السادية الني يختبرها الإنسان على مدار يومه وبدرجات ضئيلة ومتفاوته مثل التنافس الشرس في ألعاب الفيديو العنيفة، أو التلاعب بأحدهم وسرقته بغرض إيذائه نفسيًا، أو أي فعل آخر يمنح صاحبه متعة مبنية على معاناة الآخرين، ويؤكد الطب النفسي أن برامج الكاميرا الخفية والمقالب التي تعتمد على تعذيب الضيوف، هي من أشكال السادية اليومية، خاصًة لدى مشاهد هذا البرامج الذي يعتبرها مضحكة.

مجتمع

منذ 3 سنوات
في فهم السادية.. رحلة في عقل «الماركيز دي ساد»

في عام 2012؛ أجريت دراسة تحت إشراف الطبيبة النفسية إيرين باكليس، والتي سعت من خلالها إلى اكتشاف مدى قدرة الإنسان العادي على ارتكاب أفعال سادية، وتطوع لهذه الدراسة 78 شخصًا، وأخبرهم باكليس أن الدراسة التي سيجريها تدور حول مدى تقبلهم للوظائف الصعبة أو السارة، وكانت الاختيارات ما بين قتل الحشرات، أو المساعدة في قتل الحشرات، أو تنظيف المراحيض، أو غمر أيديهم في ماء مثلج، وكانت النتيجة أن 53% من المتطوعين اختاروا قتل الحشرات.

ولاحظت إيرين أن المتطوعين كلما قتلوا الحشرات، وطحنوها بالأدوات المتاحة للعمل، زاد استمتاعهم بالأمر، وهو الأمر الذي يندرج تحت بند السادية اليومية، مثل مشاهدة برامج الكاميرا الخفية، والتي يوضح الطب النفسي أنها تعزز تلك الظاهرة النفسية في المشاهدين، الأمر الذي قد يدفع أحدهم لتجريب واحدة من الخدع على أفراد أسرته أو اصدقائه بغرض الوصول للمزيد من المتعة.

«السعادة في معاناة الآخرين»

برنامج رامز جلال مجنون رسمي، ليس البرنامج الوحيد الذي أثار الجدل حول طريقة تعذيب ضيوفه، فجاء البرنامج الجزائري «أنا وراجلي» في المرتبة الثانية في إثارة غضب المشاهد العربي، وهذا البرنامج يختلف بعض الشيء عن برنامج رامز جلال، فضيوف رامز جلال جميعهم من المشاهير أبناء  الطبقة الميسورة في المجتمع، ما يفسر بعضًا من استمتاع المشاهدين محدودي الدخل برؤيتهم في مواقف حرجة.

ولكن برنامج «أنا وراجلي» ضحيته من الشباب الفقراء البسطاء، وقد ظهر هدف البرنامج بالنسبة للبعض وكأنه السخرية من أحلام هؤلاء الشباب وفقرهم وضيق حالهم، والحلقة التي أغضبت المشاهد العربي خاصة الجزائريين منهم، هي الحلقة التي كان ضيفها شابًا فقيرًا وبسيطًا عمره 39 عامًا ولم يتزوج بعد، وأوهمه مقدم البرنامج أنه فاز بزوجة أحلامه، امرأة جميلة وثرية ومستعدة أن تتزوج في أي لحظة، وكانت فرحة الشاب عارمة، ثم بعد ذلك يرى المشاهد صدمة هذا الشاب البسيط، والبعض يجد تلك النوعية من المقالب مضحكة للغاية.

ما يوضحه علم النفس أن تلك النوعية من البرامج تعزز رغبة المشاهد في الشعور بالمزيد من السادية اليومية التي اختبرها في بعض الضحكات على مشاهير يمرون بالتعذيب، ومع تطور هذا الشعور داخل المشاهد، لن تعد الأمور التي تضحكه بالضرورة بسيطة، بل تصبح متعته بشكل أساسي ترتكز على معاناة الآخرين خاصة الأبرياء منهم، وبذلك تكون القسوة ممتعة ومثيرة، بل ومحفزة جنسيًا أيضًا.

تربية

منذ سنة واحدة
«يوتيوب فيه سم قاتل».. لا تدع طفلك فريسة لـ«فيديوهات المقالب»

ربما أكبر دليل على كون برامج الكاميرا الخفية التي يمكن أن نطلق عليها سادية، لها الدور في تعزيز السادية اليومية لدى المشاهد، هو الانتشار الكبير لبرامج المقالب بين المراهقين على قنوات اليوتيوب، والتي يحصدون من خلالها ملايين المشاهدات، تلك البرامج التي يعتبر الأطفال من أهم متابعيها، لنرى أن هناك برامج قد نراها مضحكة وغير مؤذية، ولكنها تأخذ الأجيال الصغيرة إلى مرحلة أكثر خطورة في السادية اليومية.

الصدمة.. يمكننا إذا أردنا تعزيز التعاطف بلد السادية

شاشة التلفزيون مثلها مثل مائدة الطعام، ما تضعه على سطحها يتغذى عليه العقول وفي النهاية ينتج عنه تصرفات وأمزجة بعينها لدى المشاهد، ولذلك يؤكد علم النفس أن تلك النوعية من البرامج السادية ليست صحية؛ لأنها تعزز جانبًا مظلمًا في شخصية المشاهد، والذي هو على الجانب الآخر مستعد تمامًا لمشاهدة البرامج التي تعزز الجانب التعاطفي والإنساني بداخله.

يعتبر برنامج الصدمة الذي كان يعرض خلال السنوات القليلة الماضية بشهر رمضان، من أكثر الأمثلة التي تدل على قبول المشاهد لبرامج تعزز التعاطف بين البشر، والبرنامج – الذي يعد بمثابة تجربة اجتماعية- كان يختار شخصًا عشوائيًا في مكان عام، ويختبر إنسانيته من خلال -مثلًا- إهانة شخص مشرد أمامه، أو السخرية من شخص من ذوي الاحتياجات الخاصة، ليتفاجأ صناع البرامج برد فعل الضيف العشوائي عندما يدافع عن الشخص المشرد أو ذوي الاحتياجات الخاصة ويمنع صناع البرنامج من إيذائه نفسيًا.

الأشخاص الذين يعانون من ظاهرة «السادية اليومية» في شخصيتهم، هم موجودن وبكثرة، وربما يكون هذا هو سبب نسب المشاهدات العالية لبرامج المقالب السادية، وما يخبرك به علم النفس أن الاستمتاع بتلك النوعية من البرامج والضحك عليها، قد يكون مؤشرًا واضحًا أن شخصيتك تعاني من ظاهرة السادية اليومية، وبهذا الشكل تكون تلك البرامج بمثابة تغذية واضحة للجانب السادي بداخلك، في المقابل هناك الكثير من البرامج تغذي جانبًا أكثر تراحمية في شخصيتك، إذ يكون دومًا الاختيار في النهاية للمشاهد.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد