يمكن تعريف السادية إجمالًا بأنها الاستمتاع بتعذيب وذل الآخرين، وهناك مرض اضطراب الشخصية السادية وهو مرض نفسي يجد متعته في تعذيب الآخرين، لكن في روما القديمة ضربت السادية في نفوس عدة أباطرة، وربما وصل أفعال بعضهم المتوحشة حد الجنون الذي لا يمكن تفسيره بالعقل.

تيبيريوس.. «جزيرة التعذيب»

معجون بالدماء، هذا ما قاله أحد معلمي تيبيريوس (42 ق.م– 37 م) عنه، حين كان طفلًا طلقت والداته من والده وتزوجت من إمبراطور روما أوغسطس، وأجبر على الزواج من ابنة أوغسطس الوحيدة جوليا، وبعد وفاة أوغسطس عام 14م، تولى تيبيريوس حكم روما، ليصبح الإمبراطور الثاني، وفي أيامه الأولى كإمبراطور، كان تيبيريوس حذرًا، فقد استشار مجلس الشيوخ في كل أمر، وكانت قوانينه وسياساته معتدلة إلى حد كبير

روما القديمة

تيبيريوس

ما أن استقرت الأمور في روما حتى انعزل تيبيريوس في جزيرة كابري، وهناك مارس السادية، وفقًا لـ«بيرنهاردت ج. هروود» في كتابه «التعذيب عبر العصور» فإن تيبيريوس كان مغرمًا بمشاهدة أعدائه وهم يعذبون، حتى أنه كثيرًا ما كان يشرف على عمليات التعذيب بنفسه، وذات مرة زاره صديق بناء على دعوة خاصة، وصادف وجوده حفلة تعذيب، وفي لحظة غياب العقل أمر بتعذيب صديقه، ثم تذكر؛ فأمر بقتله حتى لا يفسد سمعته.

مارس تيبيريوس كل أنواع الوحشية علي الجميع دون رحمة، الأقارب والمعارف ولأتفه الأسباب، وأحيانًا بدون مناسبة، ولم يكن يمر يوم عليه دون أن يعدم أحدهم، وذات مرة كان يتفقد السجن فتوسل له رجل بقتله بدلًا عن تعذيبه، فقال له تيبيريوس: «لست صديقك بعد»، وكان تيبيريوس يبتكر في التعذيب، إلى درجة أنه أغرى رجلًا لشرب كميات كبيرة من النبيذ، ثم ربط عضوه الذكري، حتى انفجرت مثانته.

الجنس كان حاضرًا بصور شتى في جزيرة تيبيريوس، كانت جميع الخادمات يخدمنه عرايا، وأما العبيد فكان يجبرهم على ممارسة المثلية، وكان يأمر العبيد بأن يجلبوا له أطفالًا ليعتدي عليهم جنسيًا، وكان العبيد يختطفون الأطفال ليلبوا رغبة الإمبراطور، وفي إحدى الحفلات أعجبه موسيقي وأخوه، فاغتصبهما، وحين اشتكوا من الاعتداء قام بكسر أرجلهما.

دوميتيان.. إمبراطور نصب نفسه إلهًا

هو الإمبراطور الروماني الحادي عشر لروما، دوميتيان (51م – 96م)، تقلد الحكم عام 81م ودام حكمه 15 عامًا؛ عزز فيه دوميتيان الاقتصاد من خلال إعادة تقييم العملة الرومانية، ووسع الدفاعات الحدودية للإمبراطورية، وبدأ في برنامج بناء ضخم لاستعادة مدينة روما المتضررة، لكنه كان حاكمًا مستبدًا، وسعى للسيطرة على الأخلاق العامة والخاصة لدى الشعب، واعتبره مجلس الشيوخ الروماني طاغية، واغتيل في نهاية المطاف.

أصر دوميتيان على أنه إله، وأمر بأن يسمى «الرب» في الحديث عنه وفي الوثائق المكتوبة، وحاكم الكثير من الرجال والنساء بتهمة الزنا، بعض هؤلاء النساء أقمن معه علاقات جنسية، بل وصل بساديته أنه قتل امرأة لأنها تجرأت وخلعت ملابسها أمام صورته، وأعدم رجلًا لأنه تردد على منجمين، ومن الصعب حصر عدد الذين قتلهم لأنه منع ذكرى أسمائهم أو حتى وجودهم في السجلات كموتى.

في كتاب «دوميتيان: مأساة طاغية» روت المؤرخة باتريشيا سوثرن أن دوميتيان اعتزم إعدام زوجته بسبب الزنا، غير أنه تراجع عن القرار وطلقها، لكنه قتل عشيقها الممثل في منتصف الشارع، وحين وضع الكثير من الأشخاص الزهور على مكان مقتله، أمر بقتلهم، وبعد ذلك أقام علاقة جنسية مع ابنة أخته جوليا، ولم يبذل جهدًا يذكر في إخفاء ذلك.

كاليجولا.. «السادي المعتوه»

الإمبراطور الروماني الثالث، كاليجولا (12م – 41م) هو ابن الجنرال الروماني الشهير جرمانيكوس وأجريبينا حفيدة الإمبراطور الروماني الأول أوغسطس، دام حكمه أربع سنوات فقط، ووصف خلال الأشهر الستة الأولى من حكمه بأنه إمبراطور نبيل ومعتدل، بعد ذلك ركزت المصادر على وحشيته وبذخه وعلاقاته الجنسية، وقدمته كطاغية مجنون، لكن في النهاية اغتيل كاليجولا نتيجة مؤامرة نفذها ضباط بمعاونة أعضاء مجلس الشيوخ ورجال الحاشية.

كاليجولا

قتل كاليجولا عددًا كبيرًا من الرجال في مسابقات المصارعة التي أجبرهم عليها؛ منهم فرسان جيشه، وكانت المصارعة تنتهي بموت أحد الطرفين، وكمنت ساديته في سعادته المفرطة بموتهم، ورغبته التي لا تشبع في رؤية الدماء، أيضا كان يلقي المدانون في جرائم إلى الوحوش البرية، وحين كان هناك نقص في المجرمين قبض على أشخاص عاديين؛ ولمنع صراخهم أو شتائمهم قطع ألسنتهم أولًا، وحين أوشكت خزانة الدولة على النفاد، اتهم أثرياء بتهم مختلفة وعلى إثرها أعدمهم، وأخذ ممتلكاتهم.

قال بيرنهاردت ج. هروود في كتابه «التعذيب عبر العصور» عن كاليجولا: «قد لا يكفي فصل واحد لتقديم سجل بأعماله الوحشية، كان مهووسًا هوسًا كاملًا وكان يجد في ممارسة التعذيب أفضل وسيلة لقضاء الوقت، وكان من المألوف عن هذا الحاكم المعتوه أن يجلب السجناء أو العبيد ليعذبوا إلى جانب مائدة العشاء حيث يقوم بتسلية ضيوفه».

كان كاليجولا يغرق في البذخ، يستحم في زيوت معطرة، ويشرب لآلئ باهظة الثمن مذابة في الخل، ويضع أمام ضيوفه رغيفًا ولحومًا من الذهب، أما الجنس فكان مولعًا به أيضًا، وقيل إنه انخرط في علاقات جنسية مع أخواته، وكان يدعو النبلاء وأزواجهن إلى العشاء، ثم يتفحصهم كأنه يشتري عبيدًا، ثم يأخذ إحداهن إلى الغرفة، ويعود لينتقدها أو يمدحها لزوجها علنًا أمام الجميع، بل إنه انخرط أيضًا في علاقات جنسية مع رجال، وإجمالًا فقد وصفه بعض المؤرخين أنه من أسوأ الطغاة في التاريخ.

نيرون.. «المسيحيون مصابيح بشرية»

الإمبراطور الروماني الخامس، نيرون (37م – 68م)، جده الإمبراطور أوغسطس، وأمه أخت الإمبراطور الثالث كاليجولا، وقد تبناه عمه الأكبر كلوديوس الإمبراطور الرابع، وبعد موت الأخير تولى العرش عام 54 م، وقيل إن أمه متورطة في قتل كلوديوس لتنصيب ابنها على العرش، وبالأخص أنها سيطرت على حياة نيرون المبكرة وقراراته حتى طردها بعد خمس سنوات من حكمه.

كان ثمة حريق كبير شب في روما لعدة أيام عام 64م؛ مما أدى إلى تدمير 70% من المدينة؛ وترك نصف سكانها بلا مأوى، كان نيرون في فيلته على بعد حوالي 35 ميلًا من روما وقت الحريق؛ ورغم أنه عاد فورًا وبدأ إجراءات الإغاثة، إلا أن الناس لم يثقوا به، بل اعتقد البعض أنه من أشعل الحريق، وبالأخص أنه لاحقًا استخدم الأرض المحروقة؛ لبناء قصره المذهب، لكن لتهدئة شعبه ألقى نيرون باللوم على المسيحيين الأوائل، وقد كانت المسيحية آنذاك لا تزال في مهدها.

سادية نيرون ظهرت على أشدها حين طارد المسيحيين، يروي بيرنهاردت ج. هروود؛ في كتابه «التعذيب عبر العصور» أن نيرون اعتقلهم، وغطى بعضهم بجلود الوحوش وألقى بهم إلى الكلاب لتمزيقهم أربًا، بينما صُلب آخرون، وأحرقت مجموعات منهم ليضيئوا المدينة في الليل، وكأنهم مصابيح بشرية، يقول هروود: «وجدت السلطة الرومانية مادة بشرية جاهزة لحفلات الترفيه الوحشية التي كانت تحول بها انتباه الناس عن الجوانب المزعجة للحياة اليومية».

فنان «دموي» ضل طريقه للسلطة.. هل أحرق نيرون روما على أنغام القيثارة؟ 

كومودوس.. «كابوس» للإنسان والحيوان

أوريليوس كومودوس (161م – 192م)، كان الإمبراطور الروماني مع والده ماركوس أوريليوس من 177 إلى وفاة والده في عام 180، وخلال فترة حكمه لروما سيطر على القيادة بشكل ديكتاتوري منفرد، وقد كان يؤمن أنه الإله هرقل، لكن عاشت الإمبراطورية فترة من الصراع العسكري المنخفض مقارنة بعهد والده، وحاكت ضده مؤامرات كثيرة بسبب تسلطه، انتهت باغتياله عام 192م.

كان يحب المصارعة، لذا قضى أوقاتًا طويلة في القتال الجنوني، كان هوايته أن يطلق السهام والرماح علي الحيوانات كل صباح، وفي العصر يشارك في القتال، وكان يذبح خصومه بعد المصارعة، بل زاد أوامره سوءًا حين أمر بقتل جنوده الجرحى ومبتوري الأطراف، بل قتل المدنيين المبتورين أيضًا، وحتى المصابين بالشلل، وكان يحب ذبح الحيوانات الكبيرة، كالأسود والفيلة والزرافات وأفراس النهر.

تجلّت أعماله السادية في لحظات دعابته، في يوم وضع طائر الزرزور على رأس رجل لديه خصلات شعر بيضاء بين شعره الأسود، فظل الطائر ينقر رأس الرجل معتقدًا أن لديه ديدان؛ وقطع بطن رجل سمين ليشاهد خروج أمعائه منه، ورجال آخرون اقتلع أحد أعينهم أو قطع أحد أرجلهم، ليتمكن من مناداتهم بصاحب العين الواحدة أو الرجل الواحدة، إلى جانب هذا كان يحب النساء فجمع 300 محظية؛ كان كل ما يهمه جمال الجسد، والباقي يمكن تدبره.

مترجم: انهيار الإمبراطورية الرومانية: 6 حروب أهلية غيرت وجه روما

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد