إن البشر نوع مزاجي جدًا من الكائنات الحية، لا يمكن للإنسان البقاء في مزاج واحد ثابت طوال الوقت، لكنه يتأرجح بين الحزن والفرح والغضب والإحباط والنشوة وغيرها من المشاعر العديدة والمتناقضة، بل قد يصل الأمر بالإنسان لأن يشعر بإحساسين مختلفين في نفس الوقت، وعلى الرغم من أن الحزن والمزاج السيئ كانا دائمًا جزءًا من التجربة الإنسانية، إلا إننا نعيش الآن في عصر يتجاهل أو يقلل من قيمة هذه المشاعر.

في ثقافتنا، المشاعر الإنسانية العادية – مثل الحزن المؤقت – غالبًا ما تعامل على أنها اضطرابات أو خلل مرضي معين وليست حالة طبيعية يمكن أن يمر بها الإنسان، ونلاحظ أنه في هذا العصر الذي انتشرت فيه بحسب الأبحاث الإعلانات المتلاعبة بالمشاعر والتسويق والصناعات الخاصة بالمساعدة الذاتية والتنمية البشرية، فإنها كلها كانت سببًا في توجيه العقل البشري نحو البحث عن شيء واحد فقط لاغير: السعادة.

لكن مع ذلك يبقى المزاج السيئ جزءًا أساسيًا من التنوع الطبيعي للمزاج الذي نعيشه بانتظام، هذا أمر واقع لا مفر منه، لا أحد يستطيع أن يبقى سعيدًا مبتهجًا كل الوقت وطوال الوقت إلى الأبد، وعلى الرغم من أن غالبية البشر حاليًا أصبحوا يعبدون السعادة والثروة المادية غير المسبوقة بصورة شبه مطلقة، إلا إن السعادة والرضا عن الحياة في المجتمعات الغربية لم يشهد أي تحسن لعقود.

وربما يكون قد حان الوقت لإعادة تقييم دور الحزن والمزاج السيئ في حياتنا. يجب أن ندرك أن هذه الحالات أو المشاعر طبيعية، بل إنها ربما تكون حتى جزءًا مفيدًا ومتكيفًا يتعلق بكوننا بشرًا، ومساعدتنا على التعامل مع العديد من المواقف والتحديات اليومية.

السعادة والإعلانات

قال الممثل «دون درابر» في واحدة من الحلقات الشهيرة للمسلسل الأجنبي الشهير «Mad Men» إن «الإعلانات تستند إلى شيء واحد – السعادة». هذه الملاحظة ظهرت عندما كان يعرض هذا المسلسل في ستينيات القرن الماضي، وليست أمرًا حديثًا جدًا كما يظن البعض.

وبينما لا نزال نرى الكثير من صور السعادة في الإعلانات العربية حاليًا، فإن البعض يتساءل عما إذا كان هذا المفهوم لا يزال مفيدًا كما كان في الماضي.

لكن بعض الناس يرون أمرًا مخالفًا، فقد ذكر رمزي رعد، رئيس مجلس إدارة وكالة «TBWA\RAAD» للإعلان، التي يقع مقرها الرئيسي في دبي، إنه يتمنى لو أن السعادة كانت أكثر استخدامًا في منطقة الشرق الأوسط، وأضاف «نحن لا نتعرض لذلك في إعلاناتنا. هناك مجال لأن يتجلى مفهوم السعادة في الدعاية العربية بصورة أكثر من ذلك بكثير، خاصة مع وضعنا الحالي – مع الحزن والبؤس والناس الذين يهربون من بلادهم».

هناك تاريخ طويل من الإعلانات العربية التي تستخدم السعادة من أجل دفع الناس إلى الشراء، مثال على ذلك الفكاهة والرقص في الإعلانات المصرية خلال فترة السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، وتشمل الأمثلة الأحدث، حملة شركة نيسان تيدا عام 2013، التي كان لها شعارها «كل اللحظات العظيمة في الحياة – هذه هي تيدا».

فكرة السعادة شهدت تطورًا هامًا في السنوات الماضية خصوصًا في منطقة الخليج العربي، فأنشأت الإمارات العربية وزارة مخصوصة للسعادة من أجل تحسين وضع المواطنين، كما أنشأت المملكة العربية المتحدة هيئة مخصوصة للترفيه من أجل زيادة الأنشطة الترفيهية لسعادة مواطنيها.

بحسب الأوراق البحثية، فإن عبادة السعادة تجعلنا بائسين. السعادة التي هي هاجس كبير بين البشر الآن، هي مجرد مكافأة قصيرة من هرمون الدوبامين في مخنا للأحداث والسلوكيات المنشودة، مثل أن تعطي طفلًا حلوى أو تعالج حيوانًا مصابًا. بطريقة أو بأخرى كانت العقول الضعيفة الخاصة بعامة الناس مقتنعة من خلال ثقافة المساعدة والتنمية الذاتية والعقلية التكنولوجية بأن السعادة البشرية هي نوع من قمة الجبل التي يمكن لنا جميعًا الوصول إليها واستعمارها بمجرد أن نكتشف كيفية البقاء هناك دون أن نسقط.

هذا المفهوم هو أبعد ما يكون عن الواقع، السعادة هي قمة نصل إليها، ذورة، وهذا يعني أنها ديناميكية (متحركة وغير ثابتة). السعادة تعتمد على تراكم الأحداث السابقة، والتي يجب ألا تكون نفس الأحداث التي تؤدي إلى انفجار الشعور بالسعادة.

عدم اليقين حول صحة الطفل حديث الولادة يؤدي إلى فترة من السعادة والشعور بالارتياح عندما يجد الأبوين أن صحة الطفل أصبحت على ما يرام. إذا كنت تنتظر هاتفًا من رئيسك في العمل ليخبرك بحصولك على ترقية أو مكافأة، فهذه فترة من عدم اليقين التي ستقودك إلى السعادة عندما يأتي الهاتف بالخبر الذي كنت تنتظره، وبالتالي فإن الأحداث التي تقود إلى السعادة لا تتكرر بنفس الشكل دائمًا.

الحزن كان معترفًا به في الثقافات القديمة

في العصور التاريخية السابقة، كان يجري قبول النوبات القصيرة من الشعور بالحزن أو المزاج السيء دائمًا باعتباره جزءًا طبيعيًّا من الحياة اليومية. في الواقع، فإن واحدة من أهم الإنجازات والمحاولات البشرية هي التدرب على التعامل مع المشاعر السلبية، بل ربما حتى القدرة على زرعها داخلنا.

وقد تمكنت المآسي اليونانية من الكشف عنها وتدريب الجماهير على قبولها والتعامل مع المصيبة التي لا مفر منها باعتبارها جزءًا طبيعيًا من حياة الإنسان، وتعد مآسي شكسبير من كلاسيكيات الأدب الهامة في التاريخ، لأنها تكرر هذا الموضوع وتؤكد عليه، وأعمال العديد من الفنانين الكبار – مثل بيتهوفن وتشوبين في الموسيقى، أو تشيخوف وإبسن في الأدب – كانت تقوم بعملية استكشاف داخل الحزن، وهو ما كان يعترف به لفترة طويلة بأنه أمر مفيد وقيم.

وقد اعتقد الفلاسفة القدماء أيضًا أن قبول المزاج السيئ هو أمر ضروري للعيش حياة كاملة، حتى الفلاسفة المتحمسين مثل «أبيقور» اعترف بأن عيش حياة جيدة ينطوي على ممارسة الحكم الرشيد وضبط النفس وقبول المحنة التي لا مفر منها، كما سلط الفلاسفة الآخرون الضوء على أهمية تعلم استباق وقبول المصائب، مثل الخسارة أو الحزن أو الظلم.

ما الهدف من الحزن؟

لاحظ علماء النفس الذين يدرسون كيف تطورت مشاعرنا وسلوكياتنا على مر الزمن، أن جميع حالاتنا العاطفية (مثل المزاج والعواطف) لها دور مفيد، فهي تنبهنا إلى حالة في العالم من حولنا التي نحتاج إلى الاستجابة لها.

في الواقع، فإن مجموعة المشاعر الإنسانية التي تصيب الإنسان تشمل العديد من المشاعر السلبية أكثر من المشاعر الإيجابية. المشاعر السلبية مثل الخوف والغضب والعار والاشمئزاز هي مفيدة، لأنها تساعدنا على الاعتراف، وعلى تجنب التهديد أو الحالات الخطيرة والتغلب عليها.

الحزن الشديد والدائم، مثل الاكتئاب، من الواضح أنه اضطراب خطير يجب التعامل معه بيقظة وانتباه خصوصًا من الأطباء النفسيين. ومع ذلك، فإن المزاج السيئ المعتدل المؤقت قد يخدم غرضاً تكيفياً هامًا ومفيدًا، من خلال مساعدتنا على مواجهة التحديات اليومية والمواقف الصعبة.

كما أن الحزن بمثابة إشارة اجتماعية تشير إلى فك الارتباط، والانسحاب من المنافسة، وتوفر غطاء وقائي. عندما نبدو حزينين أو في مزاج سيئ، فإن الناس غالبًا ما تكون مهتمة وتميل إلى المساعدة. قد يكون بعض المزاج السلبي، مثل السوداوية والحنين (الشوق للماضي)، ممتعًا حتى ويبدو أنه يوفر معلومات مفيدة لتوجيه الخطط المستقبلية وشحن الدافع.

الحزن يمكنه أيضًا تعزيز التعاطف والرحمة والترابط والحساسية الأخلاقية والجمالية، وكان الحزن منذ فترة طويلة حافزًا للإبداع الفني، بل إن أعظم الإبداعات الفنية كانت ناجمة عن شعور الفنان بالحزن، وتوثق التجارب العلمية الحديثة فوائد المزاج السيئ المعتدل، والتي غالبًا ما تعمل إشارات إنذار أوتوماتيكية، غير واعية، وتروج لأسلوب تفكير أكثر تفصيلًا وأكثر انتباهًا.

بعبارة أخرى، يساعدنا المزاج السيئ على أن نكون أكثر انتباهًا وتركيزًا في المواقف الصعبة. في المقابل، فإن المزاج الإيجابي (مثل الشعور بالسعادة) عادة ما يكون بمثابة إشارة تشير إلى أوضاع مألوفة وآمنة ويؤدي إلى أسلوب معالجة أقل تفصيلًا واهتمامًا.

هل شاهدت فيلم الأنيميشن «Inside Out»؟ هذا الفيلم أظهر لنا كيف أن الحل في نهاية المطاف لهذه الطفلة البائسة هو أن تبتعد على السعادة وتجعل الحزن يهيمن عليها، هنا بدأت ترى الأمور بشكل واضح وعرفت أن الحزن أظهر لها أمورًا جيدة بالفعل.

الحزن وعلم النفس

هناك الآن أدلة متزايدة على أن المزاج السلبي، مثل الحزن، له فوائد نفسية واضحة وليس فوائد اجتماعية فقط، ولإثبات ذلك، قام باحثون أولًا بالتلاعب بمزاج الناس (من خلال عرض أفلام سعيدة أو حزينة، على سبيل المثال)، ثم قاموا بقياس التغيرات في الأداء في مختلف المهام المعرفية والسلوكية.

هذه الأمر أظهرت أن الشعور بالحزن أو المزاج السيئ له عدة فوائد:

1- ذاكرة أفضل

في إحدى الدراسات، أدى المزاج السيئ (الناجم عن سوء الأحوال الجوية) إلى أن يتذكر الناس بشكل أفضل تفاصيل متجر قاموا بمغادرته للتو. المزاج السيئ يمكنه أيضًا تحسين ذكريات شهود العيان عن طريق الحد من آثار مختلف الانحرافات، مثل المعلومات غير ذات الصلة، أو الكاذبة أو المضللة.

2- أحكام أكثر دقة

يقلل المزاج السيئ المعتدل أيضًا بعض التحيزات والتشوهات في كيفية انطباع الناس. على سبيل المثال، فإن القضاة الحزينون قليلًا يكونون أكثر دقة وموثوقية عن الآخرين لأنهم يعالجون التفاصيل بشكل أكثر فعالية، ووجدت الدراسات أن المزاج السيئ يقلل أيضًا من الخداع ويزيد من التشكك عند تقييم الأساطير والشائعات، بل ويحسن قدرة الناس على الكشف بدقة عن الخداع.

الناس في مزاج سيئ معتدل هم أيضًا أقل عرضة للاعتماد على القوالب النمطية المبسطة.

3- الدافع

وجدت تجارب أخرى أنه عندما طلب من المشاركين السعداء والحزينين أداء مهمة عقلية صعبة، كان أولئك الأشخاص في مزاج سيئ يحاولون بصورة أكثر جدية ومثابرة. هؤلاء قضوا مزيدًا من الوقت من أجل الوصول للحل، وحاولوا الإجابة على المزيد من الأسئلة وأنتجوا إجابات أكثر صحة.

4- تواصل أفضل

أسلوب التفكير الأكثر انتباهًا وتفصيلًا الذي يهيئنا له المزاج السيئ، يمكنه أيضًا تحسين التواصل. وجد الباحثون أن الناس في مزاج حزين استخدموا حججاً مقنعة أكثر فاعلية لإقناع الآخرين، وكانوا أفضل في فهم الجمل الغامضة والتواصل بشكل أفضل عند الحديث،

وحتى نكون عادلين في هذه النقطة الأخيرة، فقد وجدت تجارب أخرى أن المزاج السيئ المعتدل دفع الناس إلى إيلاء المزيد من الاهتمام للتوقعات الاجتماعية والمعايير، وأنهم كانوا يعاملون الآخرين بصورة أقل أنانية وأكثر عدلًا.

مكافحة عبادة السعادة

من خلال تأجيجنا للسعادة وإنكار فضائل الحزن، وضعنا نحن لأنفسنا بالتالي هدفًا لا يمكن تحقيقه. قد نكون أيضًا تسببنا في المزيد من خيبة الأمل، وربما نصل بأنفسنا دون أن نشعر نحو الاكتئاب. ومن المسلم به أيضًا على نحو متزايد أن وجود مزاج جيد، رغم بعض المزايا، أمر ليس مرغوبًا فيه عالميًا بين الناس.

الشعور بالحزن أو أن نكون في مزاج سيئ يساعدنا على التركيز بشكل أفضل على الوضع الذي يمكن أن نجد أنفسنا فيه، وبالتالي يزيد من قدرتنا على الرصد والاستجابة بنجاح للحالات الأكثر تطلبًا، وتشير هذه النتائج إلى أن السعي الحثيث للسعادة غالبًا ما يؤدي إلى هزيمة ذاتية.

الخلاصة هنا هو أنه لا يمكنك أن تضع لنفسك هدفًا وحيدًا يسمى السعادة، وإلا ستكون كل لحظة لا يتحقق فيها ما كنت تريده إلى آلام كبيرة، والسعادة المستمرة يمكن أن تعميك عن الموقف الحقيقي الذي تتواجد فيه.

المصادر

تحميل المزيد