لم تكن وفاة كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات ظهر هذا اليوم مفاجئة للكثير من الفلسطينيين المتابعين لحالته الصحية المتدهورة منذ 2017، حين خضع لعملية زراعة رئة في الولايات المتحدة انتهت بدخوله لمستشفى هداسا الإسرائيلي، وكانت نجاته بعد الإصابة بفيروس كورونا صعبةً نظرًا لتاريخه الصحي وكبر سنه.

ندد عريقات حتى آخر أيامه بالسياسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، وكان «عراب» المفاوضات الفلسطينية مع إسرائيل، يلومه الفلسطينيون على نتائج مؤتمر مدريد للسلام واتفاقية أوسلو، وما تركته هذه المفاوضات من إرث ثقيل على القضية الفلسطينية.

حياة صائب عريقات «البراجماتي»

ولد صائب عريقات عام 1955 لأسرة عريقة تسكن في بلدة «أبو ديس» في القدس، يرأسها والده محمد، رجل الأعمال الذي عاش طويلًا في الولايات المتحدة الأمريكية. وترعرع صائب بين سبعة إخوة وأخوات، ولم تكن نشأته تلك لتبعده عن حياة المعاناة مع الاحتلال الإسرائيلي، إذ اعتقل لأول مرة في سن 13 عامًا لكتابته لشعارات مناهضة للاحتلال ورمي الحجارة.

حصل عريقات على درجتي البكالوريوس والماجستير من جامعة «سان فرانسيسكو» في الولايات المتحدة عام 1978، ثم حصل على الدكتوراه في دراسات السلام عام 1983 من جامعة «برادفورد» في بريطانيا، وبعد تخرجه عمل محاضرًا في جامعة النجاح الوطنية في مدينة نابلس.

Embed from Getty Images

السياسي الفلسطيني صائب عريقات (يمين)، وتسيبي ليفني، وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة

وعمل صحافيًا في صحيفة القدس الفلسطينية لمدة 12 عامًا، وألف عريقات عدة كتب، تحدث في بعضها عن تجربته في المفاوضات مع إسرائيل، وخصص كتابه «الحياة مفاوضات» لطلاب الجامعات، والمهتمين بالدبلوماسية، والمفاوضات.

وفي السنوات الأخيرة أصبح عريقات من دعاة إيقاف التنسيق الأمني مع إسرائيل، وندّد بالتطبيع الخليجي مع إسرائيل، وكان ناقدًا حادًا لسياسات إدارة ترامب وخاصة مقترحها للسلام المعروف باسم «صفقة القرن».

وتعقيبًا على رحيله قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس: «خسارة كبيرة لفلسطين وشعبنا، ونشعر بحزن عميق لخسارته، خاصة في ظل هذه الظروف الصعبة التي تواجه القضية الفلسطينية»، وقال إنه «سيُذكر على أنه ابن فلسطين الصالح الذي وقف في طليعة الدفاع عن قضايا وطنه وشعبه».

«عراب» المفاوضات مع إسرائيل

يعد عريقات «عراب» المفاوضات الفلسطينية مع إسرائيل، فقد كان من أوائل من اعتقدوا أن المفاوضات هي السبيل الوحيد لإنهاء الصراع مع إسرائيل، وأن حل الدولتين هو الأمثل لتجنب البديل الواقعي الوحيد، في نظره، وهو وجود كيان واحد تسيطر عليه إسرائيل في جميع الأراضي الفلسطينية، مخضعةً الفلسطينيين لنظام الفصل العنصري.

وسعى عريقات لتنفيذ رؤيته في حياته العملية، ففي العام 1983 أسس برنامجًا للتبادل الأكاديمي، ودعا إلى الحوار بين الأكاديميين الفلسطينيين والإسرائيليين، ودعا الطلاب لحضور محاضراته في جامعة النجاح أواخر الثمانينات.

وبالرغم من هذا التوجه لدى عريقات إلا أن محكمة عسكرية إسرائيلية أدانته عام 1987، بعد أن داهمت قوات الاحتلال الجامعة ووجدت نشرة إخبارية باللغة الإنجليزية، كتب عريقات فيها: «يجب أن يتعلم الفلسطينيون كيف يتحملون، ويرفضون، ويقاومون جميع أشكال الاحتلال».

وحكم على أثر ذلك بالسجن ثمانية مع وقف التنفيذ، وغرم 6250 ألف دولار، وفي تعليقه على هذه التجربة قال: «إذا وصلوا لحد تغريم شخص مثلي 6250 دولارًا مقابل ثلاث كلمات مكتوبة باللغة الإنجليزية وإرسالها إلى الخارج، فهذا يعني أن الاحتلال لا يعمل، وهم بالفعل يتوترون».

الخطوة الأكثر أهمية في مسيرته التفاوضية بدأت عام 1991، حين أصبح نائبًا لرئيس الوفد الفلسطيني في «مؤتمر مدريد»، ذلك المؤتمر الذي كان حدثًا علنيًا غير مسبوق بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وفي 1993 كان لعريقات دور بارز في اتفاقية أوسلو التي منحت الفلسطينيين حكمًا ذاتيًا محدودًا وضيقًا في الضفة الغربية وقطاع غزة، لأول مرة منذ احتلال القدس والضفة الغربية عام 1967.

وفيما بعد وتحديدًا في عام 1994، أصبح عريقات رئيسًا للوفد الفلسطيني المفاوض مع الإسرائيليين، ونال لقب «كبير المفاوضين الفلسطينيين» عام 1996.

عريقات، أو «شيطان أريحا»، كما لقبه الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، عيّن ممثلًا عن دائرة محافظة أريحا في الانتخابات العامة عام 1996، ومضى نحو جهوده لـ«احلال السلام مع إسرائيل» في قمة «كامب ديفيد»، ثم بعدها في مفاوضات طابا عام 2001، وواصل عريقات العمل في دائرة المفاوضات في حكومة محمود عباس التي شكلت عام 2003، وعمل فيها بمنصب وزير دولة لشؤون المفاوضات حتى عام 2005.

وقد كان العام 2011 مفصليًا في رحلة عريقات التفاوضية الطويلة، ففي هذا العام سربت وثائق من مكتبه لقناة «الجزيرة».

تسريب يحوي أكثر من 1600 وثيقة سرية تكشف تفاصيل مناورات السلام مع إسرائيل، وكشفت الوثائق أن عريقات كان مستعدًا لتقديم تنازلات كبيرة في مسائل جوهرية بالقضية الفلسطينية وذات أثر بعيد المدى، منها: وضع المسجد الأقصى ومدينة القدس. وعلى أثر التسريبات استقال عريقات من منصبه، ثم تراجع عن استقالته ونفى صحّة الوثائق.

ولم تكن تلك الاستقالة الأولى، إذ كرّرها عدة مرات احتجاجًا على موقف ما، أو لإثبات وجهة نظره، ولكن سرعان ما كان يعود إلى عالم المفاوضات ليواصل حديثه مع العالم باللغة الإنجليزية.

الساحة الفلسطينية بعد رحيل عريقات

طوال العقد الماضي كان عريقات عضوًا بارزًا في المؤسستين الرئيستين لصنع القرار الفلسطيني: اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والمجلس المركزي لحركة فتح.

لكن اسمه ظل حاضرًا دائمًا في سياق الحديث عن المفاوضات التي أوصلت الفلسطينيين لشعور عام بالإحباط من تأزم الوضع السياسي الداخلي وفشل المفاوضات في تحقيق أهدافها. ويحمّل الكثير من الفلسطينيين المسؤولية على قادة السلطة، ومن أولهم: صائب عريقات. يأتي هذا الإحباط في وقت تتضاءل فيه آفاق إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وتبدو فيه جهود عريقات بلا جدوى، فمعظم المشاكل الجوهرية لم تُحل، مثل مسألة عودة اللاجئين، والوضع النهائي للحدود، ووضع مدينة القدس.

أعلن في 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2020 عن إصابة عريقات بفيروس كورونا، ولكنها لم تكن الوعكة الصحية الجسيمة الأولى في حياته، ففي عام 2012 تعرض لنوبة قلبية، وفي 2017 خضع لعملية زراعة رئة في الولايات المتحدة كادت تودي بحياته.

وبالرغم من تراجع الدور السياسي لعريقات بسبب حالته الصحية، وتراجع أسهمه في سباق خلافة محمود عباس، إلا أن الفلسطينيين تابعوا باهتمام حالته الصحية، وأثار دخوله لمستشفى «هداسا» الإسرائيلي تنديدًا من الفلسطينيين لتفضيلهم أن يعالج في مشفى فلسطيني أو على الأقل في مستشفى لا يتبع لإسرائيل.

وفي مفارقة لافتة للنظر، احتجّ مواطنون إسرائيليون على إدخال عريقات، إذ كيف يعالج «عدو» لإسرائيل في مشافيها.

ولعريقات معجبون إسرائيليون، منهم جويل سينجر، أحد نظرائه الإسرائيليين في مفاوضات أوسلو، الذي قال: «أراه فلسطينيًا شجاعًا كرس حياته للوصول لسلام مع إسرائيل، بشروط يقبلها الشعب الفلسطيني، على عكس بعض الجماعات الفلسطينية الأخرى التي لا تريد الوصول لسلام… لقد أراد بصدق الوصول للسلام، ولم يستسلم أبدًا».

على كل حال من غير المحتمل أن يخلق غياب عريقات فجوةً سياسية في الساحة الداخلية الفلسطينية، ولا أن يحدث تغيرًا في صراع الأقطاب داخل منظمة التحرير الفلسطينية، وبالطبع لن يتغير موقف المنظمة تجاه إسرائيل، إلا أن رحيله يفقد الفلسطينيين مفاوضًا واسع الخبرة، تزامنت وفاته مع وصول رئيس أمريكي يمكن أن يدفع لاستئناف محادثات السلام بين إسرائيل والفلسطينيين.

عام

منذ سنتين
«واشنطن بوست»: بعد 25 عامًا على إبرامها.. ماذا قدمت اتفاقية أوسلو للفلسطينيين؟

المصادر

تحميل المزيد