يصدر العدد الأخير من جريدة «السفير» اللبنانية في الثالث من يناير (كانون الثاني) 2017، بعد مسيرة صحفية امتدت لأكثر من 42 عامًا، حيث أعلنت إدارة تحرير الجريدة لموظفيها خلال اجتماع معهم أول أمس الجمعة التوقف عن الصدور نهائيًا وإلكترونيًا.

«السفير»: الجريدة الوحيدة التي لم تتوقف خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان

شكلت جريدة السفير اللبنانية علامة فارقة في تاريخ الصحافة العربية، إذ صارت علامة فارقة في حياة المواطن العربي الذي وجد عبر صفحاتها مادة صحافية ثرية ومُعمقة بمساعدة صحافييها ومراسليها الموزعين في مختلف عواصم العالم، فضلاً عن سلسلة من الملاحق التي شكّلت إضافة نوعية للصحافة اللبنانية والعربية.

تأسست الجريدة عام 1973، والتي صدر العدد الأول منها في 26 مارس (آذار) 1974، مستقطبة في أعدادها الأولى علامات فارقة في تطوير الفكر العربي السياسي والثقافي كان أبرزها عبد الرحمن منيف، سعد الله ونوس، حسين العودات، ميشال كيلو، رفعت السعيد، صلاح الدين حافظ، سليم الحص، جورج قرم وكثيرين غيرهم، وأيضاً الشهيد ناجي العلي.

وحفلت الجريدة، التي تماهت مواقفها السياسية مع دول الممانعة في العالم العربي، بتأثير واسع منذ صدورها منذ أكثر من 42 عامًا، إذ يُحسب لها كونها الصحيفة الوحيدة التي لم تتوقف يومًا واحدًا عن الصدور خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، على الرغم من أن توزيعها كان محصورًا بفعل الحصار في العاصمة بيروت.

كما تعرضت السفير لمحاولات ترهيب عدة أبرزها نسف مطابعها في سنة 1980 وأكثر من محاولة لنسف منزل صاحبها ورئيس تحريرها طلال سلمان ثم محاولة اغتياله في سنة 1984. هذا عدا استهداف مبناها بكثير من الصواريخ والعبوات الناسفة خلال الحرب الأهلية.

الجريدة توقف إصدارها الورقي والإلكتروني معًا

توقف جريدة «السفير» وموقعها الإلكتروني، نهاية الشهر الحالي، عن الصدور، حسم الشكوك التي روج لها رئيس تحريرها الشهور الماضية عن حصوله على تمويل يمكّنه من البقاء لعامين. فالتوقف عن صدور النسخة الورقية من «السفير» جاء انعكاسًا للظروف والتحديات الصعبة التي تواجهها بسبب الظروف السياسية والاقتصادية وانعكاسها على الدخل الإعلاني والاشتراكات وانخفاض نسبة بيعها، دفعت بالجريدة الكُبرى لهذا القرار الاضطراري.

السفير

يشرح ربيع بركات، مسؤول صفحة الرأي بالجريدة، تفاصيل الأزمة الأخيرة: «قبل سبعة أشهر، دخلت جريدة «السفير» نفقًا على خلفية قرار بالإقفال لم يتمّ. ما حصل كان تأخيرًا لإعلان القرار، بعد محاولات إنعاش لم تفلح».

يضيف بركات، في منشور له عبر حسابه على فيس بوك: «اليوم، في اجتماع تم ظهرًا مع إدارة التحرير، أُبلغنا بأن «السفير» لم تتمكن من تجاوز عثراتها المالية، وبأنها ستتوقف عن الصدور نهائيًا مع ختام هذا العام. ليست هذه صدمة تمامًا، لكن هضمها يحتاج إلى بعض الوقت».

في عدد الجريدة الأخير قبل رأس السنة، سيكتب ربيع مع كامل الهيئة التحريرية وبعض الكتّاب المنتظمين – السابقين والحاليين – عن تجاربهم في هذا العدد، الذي يسترجع كذلك عبر 48 صفحة أرشيفًا كاملًا من 42 عامًا من عمر الصحيفة التي صارت منبرًا من منابر الصحافة العربية.

توقف جريدة السفير عن الصدور الورقي، سيشمل كذلك إغلاق الموقع الإلكتروني للصحيفة، حسب بركات، الذي برر هذا الأمر: «لأن الإصدار الإلكتروني، على ما يبدو، لا ينتج بدلًا في ظل ظروف السوق الحالية وكلفته تكاد تكون مماثلة. هذا أقلّه وفق المعطيات الراهنة».

في عدد الجريدة المطبوعة أول أمس، ألمحت الهيئة التحريرية لأمر الإغلاق دون إعلان ذلك بشكلٍ علنيّ، إذ تصدرت الصفحة الأولى افتتاحية تحت عنوان «كلمة من السفير» . الافتتاحية التي واست عبرها الجريدة قراءها علي هذا القرار، ذكرت فيها: «أنه
كان لا بد أن تنتهي الرحلة في قلب الصعب، فالأزمة الخطيرة التي تهدد الصحافة في العالم أجمع، وفي الوطن العربي عمومًا، تعصف بالصحف المحلية، محدودة الموارد وضيقة السوق… وهي أزمة تمتد من أرقام التوزيع إلى الدخل الإعلاني (وهو الأساس) إلى إقفال الأسواق العربية عمومًا في وجه الصحافة اللبنانية».

واحتفت الافتتاحية بمواقف الجريدة السياسية على مر تاريخها، وكذلك صمودها الدائم أمام حملات التشويه التي نالتها في مراحل سابقة. توضح الافتتاحية ذلك: «ولقد اجتهدنا ما وسعنا الاجتهاد، وبذلنا من عرق التعب، وأحيانًا من الدم، فضلًا عن مطاردتنا بالتفجيرات، وصمدنا للاجتياح الإسرائيلي وللإقفال الظالم، بالقهر أو باستغلال القضاء لأغراض لا تتصل بدوره أو برسالته.. وصمدنا مع المقاومة المجاهدة، وإلى جانبها على امتداد مسيرتها حتى التحرير، ثم واكبناها وهي تواجه «حرب تموز» وتنتصر».

الكواليس: جهات التمويل تتخلى عن الجريدة.. وصراعات بين المالك والعاملين

بدأت أزمة جريدة السفير تخرج إلى العلن، بعد الرسالة التي وجهها طلال سلمان، رئيس التحرير في مارس (آذار) الماضي إلى أسرة جريدته، والتي لوّح فيها بإمكانية التوقف عن صدور النسخة الورقية من «السفير» إثر الظروف والتحديات الصعبة. الرسالة التي تركت أثرًا عميقًا في نفوس العامليين بها، والقراء الذين يواظبون على تصفحها، سرعان ما انجلت آثارها بعد تراجع سلمان عن هذا القرار دون الكشف عن مصدر التمويل الذي توصل له سلمان لعبور الجريدة محنتها المالية.

السفير

يبدو أن مصدر التمويل الذي استند إليه سلمان كي تتجاوز جريدته المحنة التي تعيشها، تراجع عن الدعم المالي، لأسباب يفسرها البعض بخلاف واشتراطات بتغيير السياسة التحريرية للجريدة، وشروط مجحفة تعصف بتاريخ الجريدة التي صنعت تاريخها من مواقفها السياسية الداعمة لقضايا الوطن العربي.

تتابع أزمات الجريدة المالية تزامن كذلك مع خلافات تحريرية بين رئيس التحرير ومالكها والعاملين في الجريدة وعدم قدرة الجريدة على تجديد دمها وخلاياها. وكانت أخبار تسربت بوسائل الإعلام اللبنانية تزعم توجه رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي لشراء جريدة لسفير، والتي ثُبت بعذ ذلك أنها «غير صحيحة» بحسب ما قال مقربون من ميقاتي.

وكان مُعمر القذافي، الرئيس الليبي الراحل، أحد أبرز المُساهمين ماليًا في استمرار الجريدة على مدار العشرين سنة الأخيرة، بينما تُشكل العلاقة المتوترة بين رئيس التحرير مع السعودية وإيران، الممولين الرئيسيين للوسائل الإعلامية بلبنان، سببًا رئيسيًا في اتخاذ قرار الإغلاق.

«النهار» و«اللواء» على وشك الإغلاق: بيروت بلا صحافة

لا تختلف أوضاع الصحف اللبنانية المطبوعة عن «السفير»، إذ تشهد جريدة «النهار»، التي شهدت سنواتها الأخيرة تراجعًا ملحوظًا على مستوى المواد والمحتوى، أزمة مالية راهنة دفعت إدارة الجريدة لتسريح مئات العاملين فيها، فضلًا عن عدم القدرة على التوازن بين المستوى المهني وعصرنة الأداء.

السفير

ينطبق الحال ذاته على جريدة «اللواء» التي خفضت عدد صفحات الجريدة ليصل إلى 12 صفحة مع السير بترشيد النفقات، وفصل مئات العاملين، فضلًا عن إرسال رئيس تحرير «اللواء» صلاح سلام المذكرة الإدارية إلى الموظفين، والتي يعلن فيها أن الجريدة «فتحت باب الاستقالة أمام من لا يستطيع الاستمرار في العمل في هذه الظروف القاسية وفي ظل إجراءات شد الحزام وخطوات التقشف الأخيرة».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد