بعد تسع سنواتٍ مضت على اندلاع الثورة الليبية التي أطاحت بعرش الرئيس معمّر القذافي وقتلته، ما زال ابنه سيف الإسلام، ذو الـ48 عامًا، الوحيد في عائلته الذي يحتفظ بالنفوذ والطموح السياسي للعودة من جديد إلى واجهة السُلطة، في ظل احتدام المعارك بين قوات حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا، وبين اللواء المتقاعد خليفة حفتر، وكلاهما يجمعهما موقفٌ واحد بالعداء المُطلق لنجل العقيد؛ فبينما يصفه حفتر بالمسكين الذي يُراهن عليه عددٌ من السُذج، يرى فائز السراج بأنه مطلوبٌ يجب تسلميه لدى محكمة الجنايات الدولية التي تتهمه بارتكاب جرائم حرب على خلفية تهم بقتل الثوار.

عاد اسم سيف الإسلام القذافي مؤخرًا بعدما أعلنت قبيلة القذاذفة أكبر القبائل الليبية وأكثرها تسليحًا، والتي ينتمي لها الرئيس الراحل، انشقاقها عن القتال في صفوف حفتر، كما طالب المجلس الاجتماعي للقبيلة بإطلاق سراح كل المعتقلين من أبناء المدينة، مُعتبرًا أن عدم الاستجابة لمطالبهم يعني وصف «عملية الكرامة» بالعدو الواجب قتاله، وهي أحدث أزمة يواجهها الجنرال الليبي، كونهم أكبر حلفائه داخل مدينة سرت التي تُحاصرها حكومة الوفاق منذ أكثر من 100 يوم.

سيف الإسلام القذافي.. أقوى خصوم حفتر والسراج

من بين أبناء الرئيس الليبي الراحل مُعمر القذافي الثمانية، قُتل ثلاثة خلال الثورة الليبية إلى جانب أبيهم في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2011؛ لكنّ عين الثوار كانت تبحث عن سيف الإسلام، أكثر أبناء القذافي انخراطًا في الشأن العام، ليظهر بعد أيامٍ من مقتلِ أبيه مُكبّل اليدين بلحيةٍ كثّة أسيرًا لدى كتائب «أبي بكر الصديق» المسلحة في مدينة الزنتان، جنوب غرب طرابلس، بعدما فشلت محاولته في التسلل إلى النيجر.

رفضت الكتيبة المتحالفة مع حفتر في البداية تسليم سيف الإسلام، وأبقت عليه رهن الاحتجاز بعد بتر ثلاثة من أصابع يده اليمني التي كان يُهدد بها الثوار، إلى جانب كسر أسنانه، ليقبع داخل سجون مدينة الزنتان نحو ست سنوات، قبل أن تُقرر الحكومة الموازية في شرق ليبيا المدعومة من برلمان طبرق إطلاق سراحه في يونيو (حزيران) عام 2017 بموجب قانون العفو، بعدما كان قد صدر في حقه حُكمًا بالإعدام.

انتقل نجل القذافي بعدها إلى شرق ليبيا، وسط تكتمٍ على جهة انتقاله لأسباب أمنية؛ قبل أن يبدأ في التنقل بين عدد من الدول، دون الكشف عن هذه الجهات التي يتنقل بينها، لكنّ الدور الناجح له تمثل في تمكين قبيلته «القذاذفة» من استعادة نفوذها على المنطقة الجنوبية بأكملها، إلى جانب فتح قنوات اتصالٍ من القبائل الليبية في الشرق، التي مثّل أبناؤها خزانًا بشريًا لمعارك حفتر، وأبرزها قبيلة «البراعصة» التي تتكفل حاليًا بتأمين تحركات سيف الإسلام، كون والدته تنحدر منها.

على الجانب الآخر عمدت حكومة الوفاق على تعقّب أثر نجل القذافي الذي لم يظهر علنًا خلال السنوات الأخيرة، عبر ميلشيا قوة الردع الخاصة التابعة لوزارة الداخلية والتي اقتحمت قبل أشهرٍ مدينة الزنتان في عملية نوعيةٍ فشلت في تحديد مكانه قبل أن يتدخل جهاز المخابرات التركية الذي قاد حملة تفتيش في منطقة الجبل الغربي، جنوب غربي العاصمة الليبية، بحسب ما كشفت وكالة «بوابة أفريقيا الإخبارية» نقلًا عن مصادر ليبية لم تسمّها.

ظهور سيف الإسلام كقوة سياسية تزامن مع الترتيبات الليبية لإجراء انتخاباتٍ رئاسية وبرلمانية، والتي أفرزها اللقاء الذي جمع طرفي النزاع في يوليو (تموز) عام 2017 برعاية فرنسية، وبعد فشل إجراء انتخابات، دعت فرنسا مُجددًا الأطراف الأربعة الرئيسة في الأزمة الليبية: (السراج، وحفتر، وعقيلة صالح، ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري)، وتم الاتفاق على إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في ديسمبر (كانون الأول) عام 2018.

في تلك الأثناء أعلن المتحدث باسم سيف الإسلام القذافي من العاصمة التونسية ترشح نجل القذافي للانتخابات الرئاسية المقبلة، تزامنًا مع تحركات روسية لتمكينه من إعادته مُجددًا للحياة السياسية، واعتبار أن له دورًا مستقبليًا في قيادة ليبيا، وهي نفسها وجهة النظر الإيطالية التي فاجأت الجميع بأنها لا تُمانع وصول نجل القذافي إلى رئاسة ليبيا عبر انتخابات، في وقتٍ اعترفت فيه حكومة الوفاق على لسان وزير دفاعها، بأنه ليس هناك ما يمنع ترشحه.

اتساع دائرة نفوذ سيف الإسلام وصلت إلى موسكو عبر الوفد الذي أرسله لبحث تسوية سياسية للخروج من الأزمة، وهو الذي روجت له روسيا عبر استضافة الوفد على شاشات قناة «روسيا اليوم» باعتبارهم يمثلون نجل القذافي، أحد أطراف المصالحة الليبية، كما قدمتهم.

وتكمن أزمة سيف الإسلام لدى طرفي الصراع في أنّ حكومة الوفاق لا تستطيعُ الوصول له شرق ليبيا، كما تخشى من فوزه حال تفعيل العملية السياسية وإجراء انتخاباتٍ رئاسية بهدف الانقسام الذي تشهده البلاد، كما أنّ حفتر نفسه الذي وصفه بـ«المسكين الذي يُراهن عليه عددٌ من السُذج»، تراجع في تصريحاته العام الماضي، واعتبر أن من حق سيف الإسلام الترشح للانتخابات، إذا توفرت فيه الشروط القانونية؛ لأنه مواطن ليبي، وهو تحوّل اضطر له الجنرال الليبي؛ لأنّ المساس بنجل القذافي يعني فعليًا سقوط قلعته شرق ليبيا بحكم امتداده القبلي داخلها.

عربي

منذ شهرين
الحل والعقدة.. لماذا يسعى الجميع للسيطرة على سرت؟

لذا بدا الحل من وجهةٍ نظرٍ عسكرية لتأجيل العملية السياسية، هو القيام بتحركاتٍ عسكريةٍ صوب العاصمة الليبية طرابلس، بهدف إسقاط حكومة الوفاق، والتي يعني سقوطها، تعزيز فرص الجنرال الليبي أمام غريمه في الشرق، الذي يمتلك هو الآخر شبكة علاقاتٍ ممتدة مع أبرز حلفائه على المستويين الإقليمي والدولي.

كيف أثرت هزائم حفتر على صعود نجم سيف الإسلام؟

في أبريل (نيسان) من العام الماضي أطلق الجنرال الليبي المتقاعد خليفة حفتر معركة إسقاط العاصمة الليبية طرابلس، آخر مدينة من عدة مدن متبقية تسيطر عليها حكومة الوفاق، لكنّ على نحوٍ مُفاجئ انقلبت المعادلة رأسًا على عقب، فبدلًا عن أن تستمر الحرب أسبوعين، وهي المدة التي كانت مقررة لها، امتدت المواجهة 14 شهرًا ليخسر حفتر معها الغرب الليبي بأكمله، بما فيها قاعدة الوطية الإستراتيجية، ومدينة ترهونة الحصينة، مركز عملياته في الغرب الليبي.

ووفق المستجدات العسكرية الأخيرة لا يتبقى لحفتر في وسط ليبيا سوى مدينة سرت وقاعدة الجفرة الجوية الإستراتيجية، وسقوطهما يعني تلقائيًا سقوط الجنوب، وحينها ستكون المنطقة الغربية والوسطى والجنوبية في قبضة حكومة الوفاق؛ مما يعني أنّ النفوذ السياسي لحفتر سيصبح كما كان قبل صعوده في شهر سبتمبر (أيلول) عام 2016، وهو تاريخ استحواذه على الهلال النفطي الذي يضم 80% من النفط الليبي، وتسعى حاليًا الوفاق لاستعادته عبر معركة سرت إذا تمت، وهو ما تحاول منعه الدول الداعمة لحفتر.

بالنسبة لروسيا الداعمة لحفتر، ظل دعمها مرهونًا بتحقيق الانتصارات على الأرض، بما يحفظ مصالح موسكو، وفي مايو (أيار) عام 2019 اعتقلت حكومة الوفاق في طرابلس روسيين بتهمة ترتيب لقاء مع سيف الإسلام القذافي، إضافة إلى جمع معلومات عن توجهات الرأي العام للتأثير في نتائج الانتخابات الليبية.

بحسب الوثائق التي توصل لها مركز الأبحاث السيبرانية في جامعة «ستانفورد» الأمريكية، فشركة فاجنر التي يعمل لديها الجاسوسان الروسيان، والتي قاتلت مع حفتر في معركة طرابلس، خططت لإعادة تسويق سيف الإسلام القذافي، واشتملت الخُطة على تمويل قناة «الجماهيرية الليبية» التي تبث من القاهرة.

روسيا أيضًا حاولت التفاوض مع حكومة الوفاق للإفراج عن الجاسوسين، وبحسب البيان الرسمي الذي حمل دلالة واضحة، فالخارجية الروسية اعتبرت أنَّ استمرار احتجازهما «يشكل حاليًا أكبر عائق أمام تطوير التعاون ذي المنفعة المتبادلة تدريجيًّا بين الطرفين»، تزامنًا مع تقارير استخباراتية أخرى تحدثت عن اتصال روسيا بسيف الإسلام القذافي والتفاوض مع حكومة الوفاق في صفقة مفادها تخلي الأولى عن حفتر، في مقابل موافقة الثانية بنجل القذافي في المشهد الليبي.

وقبل شهرين كشفت صحيفة «العربي الجديد» أنّ مسؤولين مصريين رفيعي المستوى بجهاز المخابرات العامة تواصلوا مع سيف الإسلام ضمن اقتناع المسئولين بجاهزية سيف الإسلام للقيام بدور قيادي في ليبيا مستقبلًا، خاصة أنّ مصر تستضيف منذ سنوات أحمد قذاف الدم، ابن عم معمر القذافي، والواجهة المالية لسيف الإسلام في مشروعه السياسي، إضافة إلى أنه يتولى حاليًا منصب المسؤول السياسي الذي يعتبر حلقة الوصل بين نجل القذافي والدول العربية، بعدما بدأ الجميع بتقييم موقفه داخل ليبيا إثر التطورات الأخيرة.

وبالرغم من أنّ سيف الإسلام مطلوب لدى الجنائية الدولية، إلا أنّ محاميه يدافع بأنّ موكله حوكم أمام محكمة ليبية، ولا يجوز أن يحاكم أمام محكمة أخرى في الصفة ذاتها، إضافة إلى أنه تمتع بقانون العفو العام من أعلى سلطة تشريعية في الدولة الليبية – مجلس النواب – وبالتالي لا يمكن محاكمته، أو إقصاؤه من ممارسة حقوقه السياسية، وهي التصريحات التي وافقت عليها ضمنيًا حكومة الوفاق.

 كيف يؤثر انقلاب القذاذفة في المشهد الليبي؟

تبدأ أزمة قبيلة القذاذفة مع حفتر في 20 أغسطس (آب) الماضي، وهي الذكرى التاسعة لسقوط النظام الجماهيري، وبعدما حاول أنصار القذافي تنظيم مظاهراتٍ في كامل عموم البلاد، كانت سرت هي المحطة الأعنف للمواجهات، باعتبارها مسقط رأس معمر القذافي، والمكان الذي قتل فيه أيضًا، إلى جانب كونها معقل قبيلة القذاذفة التي ينتمي إليها.

وبداية الانشقاق حدثت بعد حملات الاعتقالات الواسعة التي جرت بصفوف القذاذفة إلى جانب حملة مداهمات للمنازل، والعنف الذي قُوبلوا به أثناء اعتراضهم على مقتل ذويهم، ليصدر المجلس القبلي لاحقًا بيانًا دعا فيه جميع أبنائه إلى الانسحاب الفوري من قوات الجنرال الليبي، وهي الأحداث التي تزامنت مع إعلان كلٍّ من حكومة الوفاق وبرلمان طبرق الوقف الفوري لإطلاق النار، وهو القرار الذي رفضه حفتر بشكل ضمني.

ومع تعقيدات الوضع سياسيًا داخل سرت بعد الاشتباكات المسلحة مع قبيلة القذاذفة، لم يلتزم حفتر بقرار وقف إطلاق النار، وسدد نحو 12 صاروخ جراد باتجاه قوات حكومة الوفاق، غرب مدينة سرت، ليحدث مزيدًا من الفجوة التي بينه وبين رئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح، على إثر تقارب الأخير مع غريمه في الغرب الليبي بهدف إنهاء القتال، وطرح تسوية شاملة لم يكن حفتر حاضرًا فيها حاضرًا أو مُستقبلًا، وهو السبب الرئيس للعودة إلى مربع الحرب.

وحاليًا يعقد حفتر في شرق ليبيا تحالفات هشة انقسم على إثرها معسكره إلى ثلاث قوى تُهدد مشروعه السياسي المستقبلي أكثر مما تهدده العملية العسكرية التي تستعد لها الوفاق لدخول مدينة سرت، فإلى جانب معسكر عقيلة صالح الذي يحظى بشرعية دولية إلى جانب دعم مصري وروسي لافت، لا تقل قوة المعسكر الثالث الجديد الممثلة في قبيلة القذاذفة التي تحالفت سابقًا مع الجنرال الليبي ضد الثوار الليبين، وكانت أحد أسباب تغيير المعادلة السياسية لصالح حفتر في الماضي.

عربي

منذ شهر
بعد تقارب السراج وعقيلة صالح.. لأي مدى يستطيع حفتر تغيير المشهد لصالحه؟

ويخشى حفتر من انضمام القذاذفة إلى معكسر عقيلة صالح، كون الأخير لا يحظى بقوةٍ عسكريةٍ على الأرض، إلى جانب أن معسكر القذافي لازال يمتلك المال لشراء الولاءات إلى جانب نفوذه القبلي الواسع، وهي المعادلة التي من الممكن أن تُعيد أبناء القذافي إلى الحُكم مرةً أخرى، خاصة أنّ نجل العقيد لازال يحتفظ بدعمٍ دولي وقبلي واسع، وتضغط الدول الكبرى لإسقاط التهمة التي تلاحقه لدى محكمة الجنايات الدولية، على اعتبار أنه قد يُعيد الاستقرار إلى ليبيا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد