يقول عالم النفس، ديفيد ديستينو، إن كل فرد منا، حتى الأكثر احترامًا بيننا، لديه القدرة على التصرف خارج نطاق شخصيته التي نعرفها.

يتورط السياسي المحترم في قضايا فساد، والأزواج يخونون، والحكام الذي نظنَّ أنهم منقذو الشعوب قد يتحولون في النهاية إلى جلادين، حتى نفقد القدرة في النهاية على توقع تصرفات المقربين منا، ولا نستطيع الإجابة عن سؤال: ما الذي قد يفعله «فلان» تاليًا؟ يرى ديستينو أن الجميع تتأرجح شخصياتهم بين «القديس» و«العاصي»، كأننا نحمل بداخلنا الاثنين معًا.

فكيف يرى علم النفس «الخروج عن الشخصية»؟

«الكذب الأبيض» و«النفاق».. البوابة الأولى للفهم

في التجربة الأولى التي اعتمد عليها ديستينو، طلب من المشاركين الاقتراع باستخدام عملة معدنية، ببساطة: لعبة «ملك وكتابة» قديمة وبدائية، إلا أنها كانت للاختيار ما بين أداء مهمتين، إحداهما ممتعة وبسيطة، والأخرى مملة وتستغرق الكثير من الوقت. وتُركوا بمفردهم أثناء إجراء التجربة.

تستخدم التجربة لقياس قدرة الأشخاص على الغش والنفاق، وكانت النتيجة أن 90% من الأفراد يلجؤون لخداع النظام لاختيار المهمة التي يحبِّذونها. ولكن عندما طلب منهم الباحثون أن يراقبوا مشاركًا آخر، من فريق البحث، يكرر فعلَ المشاركين بالتلاعب ويختار المهمة الأسهل، سارع جميع المشاركين لإدانته.

Embed from Getty Images

النفاق لا يعود هنا، بحسب ديستينو، لتحقيق هدف طويل الأمد، بل للإفلات من العقاب بشكلٍ مؤقت، بخداع أذهاننا لتبرير «الفعل الخاطئ». ولكن عندما طلب من المشاركين إصدار حكم على أفعالهم خلال التجربة، كانت النتائج أكثر إثارة للاهتمام… إذ أدانوا أنفسهم بقسوة إدانتهم للآخرين نفسها.

وهذا الاختلاف الحاد في ردود الأفعال يرجعه ديستينو إلى كون شخصياتنا في حقيقتها ليست ثابتة، بل هي أكثر مرونة وديناميكية من ذلك، وتحمل داخلها الكثير من الدرجات الرمادية، وليس الأسود والأبيض فقط.

«لا يمكن النظر إلى السلوك الأخلاقي للأفراد، كونه خيرًا مطلقًا أو شرًا مطلقًا… لأننا في الحقيقة أكثر تقلبًا مما نتوقع».

* ديفيد ديستينو – كتاب الخروج عن الشخصية

هذا ما يسمى في علم النفس «سيكولوجية الخير والشر»، وفيه ندرك أن الانقسام بين الخير والشر قديم قدم العالم، ومن مقاييسه تتحدد أفكارنا الشخصية ومبادئنا، ولكن من قال إننا لا يمكننا «الخروج عن النص» أو خارج الإطار الذي وضعناه لأنفسنا؟ ربما لهذا تتملكنا الدهشة حين نرى شخصًا نظنه «جيدًا» يتصرف خارج إطار شخصيته المعروفة لنا، إلا أن ذلك ليس غريبًا على علم النفس.

ديفيد ديستينو وبييركارلو فالديسولو، باحثان في علم النفس ومؤلفا كتاب «الخروج عن الشخصية»، يشيران إلى أن داخل كلٍ منا قديسًا وعاصيًا يسيران جنبًا إلى جنب، وقد توصلا لهذه النتائج من أبحاثهما وتجاربهما في مجال العواطف الاجتماعية بجامعة «نورث إيسترن» البحثية، بولاية بوسطن الأمريكية.

القدرة المذهلة على محاكاة المشاعر

يدعونا الباحثان في كتابهما إلى أن نعيد قراءة تصوراتنا الشخصية عن ذواتنا وذوات الآخرين من أجل فهمٍ أعمق للطبيعة الإنسانية، وذلك حتى تصبح وجهات نظرنا الأخلاقية أكثر توازنًا عند الحكم على أنفسنا والآخرين، وأقرب إلى الواقع منها إلى المثالية.

وعلى الرغم من أن كلمة «شخصية» مصطلح يوناني قديم يشير إلى العلامات الثابتة المحفورة على العملات المعدنية، فإن علم النفس الحديث أثبت أن السلوك الأخلاقي للـ«شخصية الإنسانية» أكثر تقلبًا مما نتوقعه. وهو ما يشبهه الباحثان بنظرية الألوان؛ إذ نعتقد خطأً أن الألوان ثابتة في جوهرها، الأحمر يحمل احمراره داخل ذاته، والأزرق كذلك وهكذا، إلا أن الألوان في الحقيقة ناتجة من اختلاف ترددات موجات الضوء التي تصل إلى أعيننا، وهو ما يعني أنها ممتزجة مع بعضها بعضًا بطريقة أو بأخرى، تمامًا كما الشخصيات.

يرى المؤلفان أن تقسيم الشخصيات إلى فئات والحكم عليها بأحكامٍ ثابتة مثل جيد وسيئ، هو في حد ذاته فكرة خادعة نتاج مفاهيمنا المسبقة الجاهزة والمُعلبة عن النظرية الأرسطية القديمة للـ«رذيلة» و«الفضيلة»، إلا أن الطباع البشرية في حقيقتها أكثر امتزاجًا وتداخلًا.

غلاف كتاب الخروج عن الشخصية

غلاف كتاب كتاب «الخروج عن الشخصية».

وترى الطبيبة إيما سيبالا في تقريرها لموقع «سيكولوجي توداي» المختص بعلمِ النفس، أن بداخل كلٍ منا ملاكًا يمكن أن يتحول إلى شيطان، والعكس صحيح، والخبر الجيد هو أن الخير بداخلنا يمكن أن ينتصر على الشر. إذ يحمل البشر والحيوانات في داخلهم «غريزة التعاطف»، وهو ما يصنفه الباحثون بوصفه استجابةً طبيعية وتلقائية تضمن تطورنا وبقاءنا. ومن منظور العلم الحديث، لقد تطورنا بفضل ذلك.

البشر – بحسب سيبالا – مهووسون بالتعاطف. وهو ما يعني القدرة على مشاركة المشاعر والمتعة والألم مع شخصٍ آخر خارج نطاق ذواتنا. طبعًا باستثناء «الحالات السيكوباثية»، والتي تصنف حالات مرضية قصوى. وهذا ما يجعل الدموع تترقرق بأعيننا عند رؤية أحد الأصدقاء باكيًا، وكما يكون البكاء معديًا، يمكن للضحك أيضًا أن يصيبنا بالعدوى ويُضحكنا لمجرد رؤيتنا لشخص ضاحك.

التعاطف بحسب الباحثين أمر فطري وتلقائي داخل كل منا، ومن الممكن أيضًا أن نعمل على تعزيزه، لنحفز الملاك الذي بداخلنا لينتصر على شيطانه. لأن نقطة ضعفنا وقوتنا في دماغنا، الذي بإمكانه بالتخيُّل محاكاة شعور شخص آخر. وهو ما تظهره تجارب تصوير الدماغ بالرنين المغناطيسي، فمثلًا في حال رؤية شخص يتألم، تنشط مناطق الألم العصبي في الدماغ.

فقدان التعاطف

يشير الباحثون إلى أن سعينا لمساعدة الآخرين أصيل داخل أنفسنا. وهو رد فعل غريزي لدينا سواء كنا أطفالًا أم كبارًا، وهو ما يحفزنا لنكون عادلين ومنصفين، ويجعلنا في سعي دائم نحو المشاركة. وهو ما يجعل التصرف بنزاهة اختيارنا الأول إذا لم نتعرض لضغوط خارجية.

وبحسب سيبالا، يمثل «الضغط العصبي» أول أسباب الحياد عن النزاهة، إذ يخلق هذا الضغط نوعًا من الخوف الذي يسيطر على حياتنا اليومية، ويجعلنا أكثر اهتمامًا بالذات.

Embed from Getty Images

وهو أمر غريزي آخر يرجع لتطورنا؛ إذ تكيفنا منذ عشرات الآلاف من السنين للعيش مع الخطر، والهروب من أجل البقاء والنجاة، وهي المناطق نفسها التي يحفزها خوفنا العصري من الألم، حتى وإن كانت الأسباب مختلفة. مثل عراك مع الشريك، أو التأخر على مواعيد العمل، حينها نبدأ في التعرق أو يسيطر علينا التوتر والقلق، وينتج من ذلك تركيز مزمن مع الذات نفقد معه تعاطفنا مع الآخر.

في هذه الحالة، لن يكون خيارك الأول مساعدة صديق، فأنت منغمس في ذاتك ومخاوفك الخاصة. وتزيد حياة المدن الحضارية من معدلات التوتر والقلق، بل تحفز ما يعرف بـ«تأثير المتفرج»، وهي ظاهرة نفسية تطلق على الشخص غير المكترث واللامبالي، وهو ما يمكن أن نراه في الحوادث اليومية في الشارع لأشخاص مصابين أو يتعرضون لأذى دون أن يتوقف أي من المارة أو شهود العيان للمساعدة.

«التطهير الأخلاقي».. حين نسعى لنسيان أخطائنا

وتشير دراسة جامعة «نورث ويسترن» الأمريكية التي تناقش «الخروج عن الشخصية»، إلى أننا نسعى في أحيانٍ كثير إلى «التطهير الأخلاقي» لتحقيق التوازن بين الخير والشر في رؤيتنا لذواتنا. إذ نسعى لتغطية أفعالنا الخاطئة بأخرى جيدة، عن طريق القيام بسلوك معاكس في مجالاتٍ أخرى، وذلك حتى نحقق قدرًا ولو يسيرًا من احترام الذات.

لذا عادةً ما يلجأ الأشخاص الذين ينخرطون في سلوكيات غير أخلاقية إلى تطهير أنفسهم بأعمالٍ جيدة، وذلك لاستعادة القيمة الأخلاقية للذات، والوصول إلى نقطة ضبط داخلية، لتحقيق التوازن والوصول لمستوى معين من تقدير الذات.

هذا إلى جانب «التكلفة الباهظة» التي يفرضها الأشخاص الصالحون على أنفسهم؛ إذ يكون للتصرف بطريقة لائقة ضريبته أحيانًا، ويخلق داخل أنفسنا الحافز للقيام بالمزيد من الأعمال الجيدة؛ خوفًا من العواقب المكلفة للسلوك غير الأخلاقي. ورغم ذلك، يسعى البعض أيضًا للموازنة بالقيام بهفوات غير أخلاقية، أو بالامتناع عن القيام بالأعمال الصالحة.

كيف تُسخر «ملاكك الداخلي» ليعمل لصالحك؟

يكمن الحل الأول في التحول من التركيز على الذات إلى تركيزٍ آخر. إذ يمكن لمساعدة شخص آخر أن تغنيك عن التفكير في مخاوفك الذاتية، بل تمنحك شعورًا جيدًا لأنك، بحسب مقاييسك، اقتطعت من وقتك الخاص جزءًا للقيام بعمل جيد ورحيم، وهو ما يمكن عده مكافأة ذاتية أيضًا. هنا قد تتحسن حالتك المزاجية، ومن الممكن أن تبدأ في رؤية مشكلاتك من منظور جديد.

النظر إلى سعادتنا الشخصية على أنها نوع من الأنانية، قد ينتج منه الكثير من المشاعر السلبية؛ ولذا يجب أن ننظر إلى السعادة الشخصية بوصفها حقًّا إنسانيًّا.

ورغم ذلك، لا يجب أن ترهق نفسك بالسعي المضني لمساعدة الآخرين، إذ يمثل هذا نوعًا آخر من الضغط العصبي، يجعلنا أكثر عرضة للهروب من المساعدة بدلًا من تقديمها. فقط افعل ما تستطيع فعله في الوقت الحالي، ومهما حاولنا لن نستطيع أبدًا مساعدة الجميع.

علوم

منذ 4 شهور
من وجهة نظر علم النفس.. هل يوجد شيء اسمه «طبيعتي الشخصية»؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد