30,823

تعتبر الإنجازات التكنولوجية هي السمات الأبرز للعصر الذي نعيشه، يشهد بذلك سطوع نجم مؤسسي شركات التكنولوجيا العملاقة مثل ستيف جوبز وبيل جيتس ومارك زوكربيرج وغيرهم الكثير من رواد الأعمال الذين تصدروا مجالات صناعة التكنولوجيا، فضمن ذلك لهم شهرة عالمية وبريق لا يخفت. في المقابل، هناك رائد أعمال عربي، قدم بالفعل، الكثير من الإسهامات الرائعة للمستخدم العربي في مجال التكنولوجيا، لكن لا يكاد أحد يعرفه، هل تعرف أنت من هو محمد الشارخ؟

«الشارخ».. صاحب الفضل في كل ما كُتب بالعربية على حاسوبك!

ولد محمد الشارخ في مدينة الكويت عام 1942، وحصل الشارخ على درجة البكالوريوس في الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة، كما حصل على درجة الماجستير في التنمية الاقتصادية في كلية وليامز بولاية ماساتشوسيتس الأمريكية. تملك الشارخ، منذ طفولته الأولى، اهتمام كبير بالعلوم والبحث والمطالعة، ليؤثر هذا الاهتمام بشكل واضح على أنشطته التي سوف تكتب تاريخًا جديدًا لسوق التكنولوجيا العربية.

تقلد الشارخ العديد من المناصب في مسيرته المهنية باعتباره رجل اقتصاد وخبيرًا في ريادة الأعمال، منها تعيينه نائبًا لمدير صندوق الكويت للتنمية الاقتصادية في الفترة بين عامي 1969 و1973. عين أيضًا الشارخ نائب مدير تنفيذي للبنك الدولي لإعادة البناء والتنمية بواشنطن في الفترة بين عامي 1973 و1975، وبعد ذلك تقلد منصب رئيس مجلس إدارة البنك الصناعي الكويتي في الفترة بين عامي 1975 و1979.

مشروع «صخر».. أول حاسوب يتحدث العربية

أسس الشارخ شركة «صخر» لبرامج «الحاسوب» وترأس مجلس إدارتها عام 1982، وهي شركة تابعة لمجموعة شركات «العالمية» بينما كانت جهوده الجادة لتحقيق هذا الهدف قد سبقت هذا التاريخ بعامين على الأقل. بدأ الشارخ في توجيه الاستثمارات الخاصة التي جذبها من خلال شركته إلى تطوير برامج يحتاجها المستخدم العربي، إضافةً إلى تعريب الألعاب الإلكترونية، والتي كانت تعرف آنذاك باسم «أتاري»، نسبة إلى الشركة اليابانية التي تحمل نفس الاسم. بعد ذلك، اتجه الشارخ نحو مشروع إصدار البرامج التعليمية الخاصة بالأطفال على الحاسوب، وكان المشروع قد سمي وقتها «صخر MSX»، وهو المشروع الذي حقق نجاحًا كبيرًا، وانتشارًا واسعًا في أنحاء الوطن العربي، وخاصة في الدول الخليجية.

اعتمد الشارخ في بناء مشروعه الحلم على العقول العربية الشابة التي كان يؤمن بها ويراهن عليها، فقام باستقطاب الموهوبين من الشباب العربي في مجالات التقنية والبرمجيات من أنحاء الوطن العربي، ونجح بذلك الشارخ في إنشاء واحدة من أهم الشركات العربية في مجال الحواسيب والبرمجيات في الوطن العربي على الأراضي الكويتية. حققت الشركة الكثير من النجاحات التي لم يكن الشارخ يتوقعها، وباعت الشركة من حاسب صخر حوالي 2 مليون جهاز في الدول العربية، كذلك باعت الشركة أكثر من خمسة ملايين برنامج (Software).

هناك قصة مختلفة يحب أن يرويها الشارخ وراء فكرة إنشاء مشروعه وتسميته باسم «صخر».  يقول الشارخ أنه في أوائل السبعينيات كان عضوًا في مجلس إدارة البنك الدولي للإنشاء والتعمير ممثلًا لدول الخليج، وكان في زيارة للعاصمة الأمريكية واشنطن دي سي، وقد أُدخل إلى مكتبه حينها الحاسب الآلي الشخصي لأول مرة في حياته. لاحظ الشارخ خلال استخدامه لهذا الجهاز الثوري إمكاناته الهائلة في إدخال واسترجاع المعلومات مقارنة بالطابعة التي كانت مستخدمة شعبيًا لهذا الغرض في ذلك الوقت. كذلك، لاحظ استخدام صناع الجهاز للحروف الكبرى والصغرى في اللغة الإنجليزية (Lower & Upper cases) وهي غير موجودة في اللغة العربية. حينها، تمنى الشارخ لو أن مطور هذا الجهاز قد وضع في اعتباره وضع اللغة العربية وقواعدها أثناء تصميمه لهذا الجهاز العظيم.

الطريق غير الممهدة لإنشاء شركة صخر

أدرك الشارخ وقتها أن هناك متطلبات عديدة يحتاجها الأمر لإنتاج تقنية جديدة تمكن المستخدم العربي من استخدام الحاسب الآلي بلغته الأصلية. أول وأصعب تلك التحديات كان تعريف الحاسب الآلي بالحركات التي تختص بها اللغة العربية، وهي: الفتحة والضمة والكسرة والسكون والمد. بدأت في هذا الوقت، الكثير من النقاشات بين الشارخ وأصدقائه من المهتمين بالعلوم والتقنية، وغيرهم من المتخصصين ورواد الأعمال، لتتبلور حينها فكرة الشركة التي ستُمكن فيما بعد المجتمعات العربية جميعًا من استخدام الحاسب الآلي باللغة العربية.

لم يكن التنفيذ المنتظر لهذه الفكرة، وتحويلها إلى شركة حقيقية أمرًا ممهدًا وبسيطًا، وكان الشارخ يدرك هذه الحقيقة جيدًا. يبرر الشارخ هذا الأمر بثلاثة أشياء كان يعتقد بها أثناء مرحلة إنشائه لشركته الجديدة. يحكي الشارخ هذه الأسباب في لقائه في برنامج بالمختصر فيقول: «كنت أدرك آنذاك ثلاثة أشياء: أولًا، الجامعات العربية لن تعمل على تطويع الكمبيوتر للغة العربية، وأن الأثرياء العرب لن يستثمروا في هذا المجال لأنه جديد، وأن الشركات الدولية لن تعمل على هذا المشروع لأن السوق العربية بالنسبة لهم صغيرة مقارنة بالصين مثلًا. هذه الأسباب جعلتني أعتقد أن أحدًا يجب أن يخوض هذا المضمار».

بالنسبة للاسم الذي اختاره لشركته، يروي الشارخ استعانته بشركة يابانية متخصصة في اختيار أسماء الشركات الكبرى (Branding)، وقد نصحته الشركة بمجموعة من المعايير منها أن يكون الاسم مكونًا من عدد قليل من الحروف مثل أن يكون ثلاثة أحرف، وهو نفس عدد حروف النظام الذي يعتمد عليه الحاسوب الخاص بالشركة وهو نظام MSX. كذلك اقترحت الشركة أن يبتعد عن الأسماء القديمة وغير الشائعة والمشينة، وأن يكون الاسم متصل (أن لا يكون فيه حرف «و» أو «د») فتم عمل قائمة من الأسماء، وتم اختيار صخر منها، وهو اسم يدل على القوة، كذلك طبقًا لخلفيته الأدبية يذكر الشارخ قول الخنساء: «وإن صخرا لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار» الذي كان له دور كبير في حسم اختياره للاسم.

ماذا قدم مشروع صخر؟

من بين أبرز ما قدمته شركة صخر كان تطويرها لجيل جديد من تقنيات المعالجة الطبيعية للغة العربية (NLP) وهي التقنية المعنية بالتفاعلات بين الحاسوب واللغات الطبيعية للبشر، وقد استعانت الشركة بهذه التقنية في عملية تعريب لغات الحاسوب؛ بجعل اللغة العربية من بين اللغات التي يستطيع الحاسب الآلي معالجتها. كذلك قدمت الشركة مجموعة من البرامج التي اشتهرت بشكل كبير في ثمانينيات القرن الماضي، منها برنامج القرآن وترجمة الألعاب وبرنامج جغرافيا الوطن العربي، وبرامج تعليم الدين والحج والعمرة، وبرنامج التاريخ العربي.

كان محرك الترجمة الذي طورته صخر كذلك من أهم الإنجازات العربية في مجال تقنية الحاسوب؛ فقد ساهم هذا المحرك بشكل كبير في تطوير أهم تطبيقات المعالجة الطبيعية للغة العربية.

يحكي الشارخ كذلك قصة لقائه مع بيل جيتس، مؤسس شركة مايكروسوفت، في مدينة طوكيو اليابانية، للاتفاق حول استخدام الشركة لنظام تشغيل MSX الذي كانت مايكروسوفت صاحبة حقوقه الحصرية في كل دول العالم، وكان السبب وراء ذلك اللقاء هو رغبة الشركة في إنتاج برامج للمستخدم العربي، ولم يكن هناك أنظمة تسمح بتطوير هذا النوع من البرامج، وتتمتع بالحماية الكافية، فكان الاقتراح هو استخدام النظام الخاص بشركة مايكروسوفت، ومن هنا كانت فكرة اللقاء الذي حدث بعدها لتحصل الشركة على حقوق استخدام نظام MSX في إصدار برامج الشركة.

كذلك، طورت الشركة المحلل الصرفي عام 1982 والمدقق الإملائي عام 1990، ثم برنامج التعرف الضوئي على الحروف (OCR) عام 1994، والتشكيل الآلي عام 1996، وأيضًا النطق الآلي والقراءة الآلية للنصوص بالعربية الفصحى عام 1998، والترجمة الخاصة بالتخاطب الآلي (Person To Person Translation) عام 2010. في ذلك الوقت، بدأت الشركة تطوير برامج جديدة مثل المُشّكل الآلي الذي نراه اليوم، والمعجم الحديث الذي استمر تطويره لفترة استمرت 10 سنوات.

لقد تمكنت الشركة من تطوير كل هذه البرامج بفضل بناء ذخيرة لغوية واسعة يزيد عدد مفرداتها على مليار مفردة، وقد تم تصنيف هذه الذخيرة إلى تصنيفات خاصة، تم تجميعها من مجلات ومواقع إلكترونية عربية متنوعة، وكذلك محطات فضائية، وصلت إلى 250 محطة وموقعًا. أسفر كل هذا الجهد عن حصول الشركة على ثلاث براءات اختراع في التعرف الضوئي على الحروف، والترجمة الآلية، والنطق العربي من هيئة الاختراعات بالولايات المتحدة.

البيروقراطية العربية.. نهاية متوقعة لحلم واعد

يؤمن الشارخ أن البيروقراطية العربية متمثلة في الحكومات العربية قد ساهمت بشكل رئيس في توقف المشروع الذي كان من الممكن أن يكون رهان العرب وتحديهم للشركات العالمية في مجال التكنولوجيا وتقنية الحاسوب. يقول الشارخ في أحد لقاءاته المتلفزة: «صخر كان متقدمًا زمنيًا عن حاجة المجتمعات العربية. ما كان الناس يقبلون أن تكون هناك تقنية عربية، ومثال ذلك هو السؤال الذي كان يسأله الكثيرون حول حقيقة انتمائنا لشركة يابانية أم أننا شركة عربية بالأساس. كان الجميع يقابلوننا بالتشكك، فالعقلية البيروقراطية لها طريقة معينة للتفكير. لا ينظرون كما تفكر أنت بأن هذا في مصلحة البلد، فتعريفهم لمصلحة البلاد مختلف. هو يفضل شراء خدمات شركة معروفة مثل IBM، لأنها ماركة دولية، لكن عندما تقول له صخر شركة عربية كويتية، فيعتقد أنها لا يمكن أن تكون بنفس الجودة. ذات مرة، أحد المسئولين الكبار في إحدى الدول العربية قال لي ما يلي: هل ما لا نستطيع نحن أن نفعله، تستطيع أنت أن تفعله؟»

رغم كل النجاحات التي قدمتها الشركة، لم تحظ يومًا بأي شكل من أشكال الدعم الحكومي الذي كان ليسمح للشركة بالتوسع بشكل أكثر كثافة في الأسواق العربية وربما العالمية. هذا الأمر دفع الشركة للاعتماد على الاستثمارات الخاصة في مرحلة بدء برنامجها الخاص للبحث والتطوير الذي استغرق أكثر من مليوني ساعة عمل لفريق الشركة.

لم يشفع في النهاية للشارخ وشركته الواعدة كل هذا الجهد، وكل تلك الإنجازات في الحصول على دعم الحكومات العربية التي رأت في صخر منافس لها يجب إقصاؤه، بدلًا عن رؤيتها باعتبارها فرصة للنهوض لسوق التكنولوجيا العربية للمستوى الذي قد يسمح بمنافسة كبرى الشركات العالمية التي تغرق الأسواق العربية الآن بمنتجاتها واستثماراتها العملاقة.