تعود بدايات ظهور السلفية في لبنان إلى أربعينات القرن الماضي، على يد رجل الدين الطرابلسي سهال، لكنها لم تبدأ في النمو والتوسع إلا بعد ذلك بنصف قرن؛ بسبب تدفق المساعدات المالية من دول الخليج، كان النشاط السلفي في لبنان يتسم بالطابع السلمي، وفي أكثر الأحيان «تطرفًا» عمد بعض السلفيين إلى نقل الأسلحة والرجال إلى أراضي «الجهاد» الأخرى كالعراق، ولم تصمد طويلًا دعوات الجهاد في البلد الأم (لبنان).

لكن دراسة أجراها «رافييل لوفيفر» ونشرها «مركز كارنيجي للشرق الأوسط» بعنوان: «الجذور السياسية – الاجتماعية للتطرف السلفي في لبنان» تشير إلى تنامي جاذبية التشدد السلفي في لبنان منذ العام 2008، وتحيل ذلك إلى أسباب متنوعة عززت صعود السلفية الجهادية في ذلك البلد الصغير، يحيل البعض ذلك إلى لحظة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السني، رفيق الحريري، وما تبعه من صعود نجم حزب الله، ومع مركزية العداء للشيعة في الخطاب السلفي يصير من المفهوم لماذا حظيت الخطابات المتطرفة لبعض رجال الدين السلفيين بشعبية لدى بعض القطاعات السنية، كما يشير محللون آخرون إلى الدعم السعودي للجمعيات الخيرية والمساجد السلفية، وحتى لبعض الميليشيات اللبنانية لمجابهة نفوذ إيران وحزب الله في البلاد.

لكن العوامل الأكثر أهمية التي تبرزها الدراسة هي العوامل المحلية المتعلقة برغبة المجتمعات السنية المهمشة سياسيًا واجتماعيًا في التمرد على ظروفها القاسية، فتكون «العباءة السلفية» التي يرتديها هذا التمرد في الغالب وسيلة لأهداف أخرى، مثل الاستفادة من التمويل الخليجي السخي، أو ادعاء العناية الإلهية في الصراعات المحلية مع العصابات في الأحياء المجاورة، أو غير ذلك من المآرب الأخرى، والتي تنفصل عن الجاذبية الأيديولوجية للتشدد.

«القبضاي السلفي».. «فتوة» الحي يُطلق لحيته

تشير الدراسة إلى فئة «القبضايات» في المناطق المهمشة، وهم «الفتوات» الذين يحصلون على ولاء السكان في مقابل توفير الخدمات الاجتماعية والحماية لهم، وينظمون العلاقات الاجتماعية في مناطقهم. تنتشر هذه الظاهرة في المناطق المحرومة، مثل مدينة طرابلس السنية، وهي ثاني أكبر المدن اللبنانية، التي يعتبر 57% من سكانها فقراء – المتوسط الوطني للفقر في لبنان 28% – يعاني أغلب السكان في تلك المناطق من العوز، ومن فقر الرعاية الصحية والمدارس إلى آخر ذلك من الخدمات الضرورية، لذلك وفي ظل الغياب شبه التام للدولة عن تلك المناطق، فإن هؤلاء «القبضايات» الذين ملأوا الفراغ يعدون بين سكانها أبطالًا.

تذكر الدراسة أنه بعد أن كان الكثير من هؤلاء القبضايات في السابق يلتحفون بالشعارات اليسارية، صار الكثير منهم اليوم ميالًا إلى الخطاب السلفي، حيث يستفيدون من الروابط مع هيئات خليجية غنية في خدمة مناطقهم، فتفتح المدارس وتُدار الجمعيات الخيرية وتمول دور الأيتام ويتم مساعدة اللاجئين، كما يستفيد «قبضاي الحي» من صورة الناشط الملتزم، وكما يذكر أحدهم: «السلفية تُلبّي حاجة شباننا شديدي الحماس للكرامة. السلفيون يرفضون المسامحة، ولا يكتفون بالقول، بل يرفقونه بالعمل».

الجيش اللبناني في طرابلس القديمة بعد اشتباكات كان السوريون أحد أطرافها

تؤكد الدراسة على أن «قبضايات الأحياء» هم أقرب إلى زعماء عصابات محليين ذوي قشرة دينية يزعمون أنهم حائزون على عناية السماء منهم إلى مثقفين سلفيين مؤدلجين، معظم هؤلاء ليسوا على دراية بالكثير من مجالات العقيدة السلفية، أو النقاشات الفقهية الواسعة، ويميلون عادةً إلى التماهي مع عادات السكان المحليين، والتي تتعارض أحيانًا مع «التابوهات» السلفية، وتنقل الدراسة على لسان أحد القبضايات افتخاره بأنه يسمح لسلفييه بالاستماع إلى الموسيقى، ومشاهدة برامج التلفزيون، وحتى التدخين، وكل هذه الأمور محظورة في العقيدة السلفية، وبالتالي تذهب الدراسة إلى أن سلفية هؤلاء تقتصر على الاسم وحسب، وهي خاضعة إلى السياقات الاجتماعية المحلية.

لماذا لبى السلفيون اللبنانيون «نداء الجهاد»؟

تتطرق الدراسة إلى سفر بعض اللبنانيين «السنة» للقتال في سوريا، وانخراطهم في أحيان كثيرة ضمن صفوف الجماعات السلفية المقاتلة هناك، وتسلط الضوء على السياقات الاجتماعية لتلك «الهجرة»، تذكر شهادات أن معظم الجهاديين اللبنانيين كانوا ينحدرون من المناطق السنية المحرومة، وأن الإذلال والتهميش الاجتماعي الذي تعرضوا له هناك كان دافعهم الرئيسي للانخراط في الحرب، حيث يكون بوسعهم «التفريغ عن كبتهم وغضبهم».

يشار كذلك إلى روابط القرابة التي تصل بين المجتمعين اللبناني والسوري (بين حمص وطرابلس من جهة وبين بيروت وصيدا ودمشق من جهة أخرى)، يذكر أحد السلفيين اللبنانيين: «في البداية، انضممنا إلى الجيش السوري الحر لأن العديد منا كانت له علاقات عائلية مع مقاتليه. آنذاك، لم يكن المُتشدّدون بيننا يُعتبرون حتى مقاتلين أجانب».

الشيخ السلفي اللبناني (أحمد الأسير) مع المطرب اللبناني المعتزل (فضل شاكر)

وفي حين انضم الكثير من هؤلاء في البداية إلى «الجيش السوري الحر»، فقد تحولت جماعات كثيرة منهم لاحقًا إلى دعم الجماعات السلفية، إما بسبب «عجز» الجيش الحر، أو بسبب الفساد المستشري فيه، ولاحقًا – ومع إضفاء «حزب الله» الطابع الرسمي على تدخله المسلح، ومعاركه العنيفة مع المعارضة في القصير؛ الأمر الذي أدى إلى استنهاض المكون الطائفي من الخطاب السلفي همم الكثيرين «للدفاع عن القرى السنية»، خاصة مع فتاوى رجال دين سلفيين لبنانيين، مثل أحمد الأسير، جعلوا من انضمام السنة إلى الجهاد في سوريا بمثابة فرض عين.

تشير الدراسة كذلك إلى مصير اللبنانيين الذين عادوا من القتال في سوريا، فبعكس الاعتقاد السائد أن كل هؤلاء السلفيين عادوا إلى لبنان أكثر تطرفًا، ثمة شواهد على العكس؛ إذ أصيب البعض بصدمات جراء الحرب، التي «رملت النساء ويتمت الأطفال ودمرت العائلات»، واشتكى البعض من «حماقة» تلك الحرب، كما خرجت أصوات من داخل التيار السلفي المتشدد تنتقد فتاوى الجهاد التي صدرت عن غراز انفعالية، وليس عن حسابات استراتيجية سليمة.

اللاجئون السوريون في لبنان «ليسوا موضع اتهام»

تشير الدراسة إلى وضع اللاجئين السنة في لبنان، وتسرد الظروف الصعبة التي يعيشون فيها على الأراضي اللبنانية فنحو 74% منهم لا يحوزون على سكن قانوني، و91% يعانون من نقص الأمن الغذائي، و87% منهم غارقون في الديون، و25% منهم يشعرون بانعدام الأمان، فضلًا عن صعوبة عثور اللاجئين السوريين في لبنان على عمل أو إلحاق أبنائهم بالمدارس المحلية، أو تعسف شروط تجديد الإقامة، وهو ما دفع أعدادًا متزايدة منهم إلى الإقامة غير الشرعية.

ترصد الدراسة كذلك الدعم الذي يقدمه به السلفيون اللبنانيون لهؤلاء اللاجئين، وتنقل عن رئيس منظمة سلفية في شمال لبنان قوله: «نحن ندفع بدلات الإيجار للاجئين، ونؤمّن لهم الغذاء والمازوت»، ويأمل الرجل أن تساهم تلك الأنشطة في تجنيد المزيد من الأعضاء لصالح الجماعات السلفية، «إننا نقدّم مساعدات غير مشروطة، لكننا نفتح أيضًا صفوفًا للتعليم الديني، ونأمل أن تقنع رسالتنا بعض اللاجئين». وإن كانت تلك الجهود لا تتوج بنتائج كبيرة – وأحيانًا ما تقود إلى تأثيرات عسكية – لاسيما مع العدد الكبير للاجئين، وتوزعهم على مناطق البلاد المختلفة، بالإضافة إلى المنافسة التي قد يلقاها الجانب السلفي من رجال دين آخرين، صوفيين غالبًا، يكون خطابهم أقرب إلى عادات المجتمع السوري وتقاليده المحلية.

معسكر للاجئين السوريين في لبنان

وفي حين يُنظر إلى اللاجئين السوريين في لبنان على نطاق واسع باعتبارهم «مشكلة أمنية» بالدرجة الأولى، إلى حد تحذير وزير الشؤون الاجتماعية اللبناني أن نحو 100 ألف لاجئ سوري قد «تلقوا تدريبات عسكرية»، فإن الدراسة تشير إلى أن التطرف الأيديولوجي لا يحظى بجاذبية بين أوساط اللاجئين، رغم ظروفهم الاجتماعية القاسية، والتي قد توفر بيئة حاضنة للتطرف، كما أن جماعات مثل «الدولة الإسلامية (داعش)» و«جبهة تحرير الشام» لا تحظى بدعم وازن بين اللاجئين.

تستشهد الدراسة كذلك بأحد اللاجئين السوريين كان على وشك العودة للقتال في بلده «ثأرًا» لحلب التي دمرتها قوات النظام والميليشيات الداعمة له، لكنه عدل عن رأيه بمجرد أن عرضت عليه وظيفة في لبنان وبدأت أوضاعه تتحسن، وهو ما يستدل به للتأكيد على أن العلاقة التي قد تدفع بعض اللاجئين للانخراط في صفوف الجماعات السلفية المسلحة غير متعلقة بالجاذبية الأيديولوجية، وإنما هي علاقة ذرائعية ومتقلبة، وأن الكثير من هؤلاء يمكن أن يغيروا طريقهم، إذا وجدوا الرعاية الاجتماعية اللازمة.

لبنان ليس أرضًا خصبة للتطرف

تشير الدراسة إلى أن ثمة حواجز عديدة تحول دون تزايد نمو المد السلفي في صورته الأكثر تشددًا في لبنان ، فالمجتمع السني اللبناني يتسم تقليديًا بالطابع العلماني، حتى مدينة طرابلس التي توصف بأنها «معقل الإسلاموية » لا يوافق أغلب شبابها «الملتزم» على ارتداء المرأة للنقاب، كما يفتخرون بالتعايش مع المسيحيين، ويحتفلون بمولد النبي، وهي كلها محظورات سلفية.

كما أن العديد من سلفيي لبنان أنفسهم باتوا ينظرون إلى «تنظيم للدولة» بوصفه «مجرمًا» و«إرهابيًا»؛ لسفكه دماء المدنيين، وإذا كان البعض يتحدث بإيجابية عن هيئة تحرير الشام، فهذا من منطلق بلائها بلاء حسنًا في القتال ضد الأسد، وليس بسبب مبادئها السلفية وطريقة حكمها في المناطق التي تقع تحت سيطرتها، ورغم ذلك فإن الكثيرين لا ينظرون إلى الجماعتين إلا باعتبارهم «وجهين لعملة واحدة».

أضف إلى ذلك الانقسامات الحادة التي تعصف بالتيار السلفي في لبنان، فككل تجمع سلفي في المنطقة، يفضل البعض الابتعاد على السياسة والتركيز على النشاط الدعوي، فيما يطالب آخرون بالانخراط في المجال السياسي، بعض السلفيين مناوئون لحزب الله، وآخرون مقربون منه،  فضلاً عن «النزاعات الأيديولوجية والسياسية العداوات الشخصية المريرة والخلافات المالية بين رجال الدين المتعطّشين لجذب الاهتمام»، حسب وصف الدراسة.

وتذهب الدراسة إلى أنه حتى رجال الدين السلفيين المتشديين الذين يدعمون «القاعدة» أو «داعش» قد يكون لديهم الاستعداد لمد يد العون إلى  تلك التنظيمات خارج الحدود، إلا أنهم يرفضون تحويل لبنان من أرض دعم إلى أرض جهاد، إما بسبب إدراكهم أن لبنان بلد يتسم بالتنوع الديني، ولا تجدي معه طريقة «ابيض أو أسود»، أو بسبب قراءتهم لتوازن القوى القائم حاليًا، والذي سيتيح حزب الله والقوى الأمنية اللبنانية الانتصار الحاسم في أية مواجهة قادمة، وما تجربة الشيخ السلفي، أحمد الأسير، عنهم ببعيد.

فشل «الحل الأمني»

تلفت الدراسة النظر كذلك إلى فشل «الحل الأمني» في مواجهة التمدد اليمني في لبنان، بل إنه يفاقم الأمور ويزيد الأوضاع سوءًا، فالسجن اللبنانية – التي باتت تستضيف أضعاف طاقتها الاستيعابية – باتت اليوم «مصانع للتطرف»، بحسب وصف الدراسة، حيث يقود تردي الأوضاع الإنسانية وغياب العدالة في كثير من الأحيان العديد من السجناء إلى تبني خطاب الكراهية في مواجهة الدولة، لاسيما بين السجناء السنة الذين يشكلون النسبة الأكبر من المعتقلين، والذين يميلون للاعتقاد بأنهم يعانون من التمييز أكثر من غيرهم، كما أن غياب تصنيف واضح للسجناء في لبنان، حيث يوضع تجار المخدرات واللصوص مع الجهاديين، يؤدي إلى «غسيل دماغ» أعداد كبيرة منهم؛ فيتحولون داخل السجن إلى سلفيين متطرفين.

قوى الأمن اللبناني

وتستشهد الدراسة هنا بقصة شادي المولوي الذي كان أحد «قبضايات السلفيين» في القبة أفقر أحياء طرابلس، فلم يكن في البداية «متزمتًا» بأية حال؛ إذ كان يدخن الحشيش ويتعاطى الحبوب ويغازل الفتيات، ولكن قادته تجربة اعتقال قصيرة من قبل الأمن اللبناني للتطرف، بعد أن تأثر بـ«القمع» الذي يعاني منه السجناء في المعتقل، وفق رواية أحد المقربين منه، فزاد اهتمامه بالقضايا العامة، وسافر إلى سوريا للقتال، قبل أن يعود إلى لبنان ساعيًا إلى «ثورة» تطيح بالنظام اللبناني، غير أن جهوده باءت بالفشل ففر مجددًا إلى سوريا.

كما تتحدث الدراسة عن الدور غير الفعال لدار الفتوى في مواجهة التطرف داخل السجون، وتسلط الضوء على بعض أسباب ذلك، أبرزها النقص الحاد في التمويل، في مقابل الروابط السلفية التي بإمكانها أن تدفع لرجال الدين رواتب أكثر سخاء، فضلًا عن دورها في «تسييس الخطاب الديني»؛ إذ ينظر إلى المفتي بأنه «صديق لتيار المستقبل»، وهو ما يضعف من مصداقية الدار ويبطئ من أي خطط لإصلاحها.

وتنفذ الدراسة إلى بعض التوصيات والمقترحات، والمتمثلة في التصدي للعزلة والتهميش الخدمي والاجتماعي، وتطوير البنية التحتية وتوفير الأمن والاستثمار في التعليم والصحة، فضلًا عن إعادة هيكلة نظام السجون في لبنان، والحفاظ على حقوق الإنسان، وإصلاح وتمكين دار الفتوى وزيادة مخصصاتها المالية، مع الامتناع عن وصف اللاجئين السوريين بأنهم خطر أمني، والتركيز على تحسين سبل عيشهم وطرق معيشتهم.

عرض التعليقات
تحميل المزيد