دخلت الاحتجاجات السودانية أسبوعها الثالث منذ اندلعت في 19 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ورغم أنّ الصورة القاتمة على التلفاز تلوّح بقوة إلى أنّ ما يحدث في البلاد هو ثورة غضب تستهدف إسقاط النظام، من ناحية اتساع دائرة التظاهرات في عدة مُدن أبرزها العاصمة، وإحراق المباني الحكومية، ومقرات الحزب الحاكم، وتعطيل وسائل التواصل الاجتماعي، ونزول الجيش للشوارع وفرض حظر التجوّل، إلا أنّ أحدًا حتى الآن لم يقترب من وصف ما يحدث بـ«الثورة»، لا وسائل الإعلام ولا حتى المعارضة نفسها، والقصة رغم تكرار فشلها على مدار العام، إلا أنّ الذي يكتب نهايتها دومًا هو الرجل الثاني في الدولة.

في بداية عام 2018، شهد السودان انتفاضة عارمة ضد الجوع والغلاء، بسبب زيادة أسعار الخبز، تزامنًا مع فشل الحكومة في الخطط الاقتصادية، وفي ظل الفوضى التي ضربت البلاد، اضطر الرئيس السوداني عُمر البشير الذي فقد كل أسلحته إلى الاستعانة بعدوه القديم صلاح قوش الذي كاد أن ينقلب عليه، وعيّنه مديرًا لجهاز الأمن والمخابرات السوداني، وهو المنصب الذي عُزل منه عام 2009، واللافت أنّ النظام السوداني في غيابه عام 2013 كاد أن يتعرّض لهزّاتٍ قويّة لولا العنف الذي أودى بحياة 200 من المعارضين، لكنّ عدو البشير «التائب» مكّن البشير -باعتراف خصومه- من إخماد كل الانتفاضات، حتى إن الاحتجاجات الأخيرة التي تصدى لها «قوش» منذ البداية لم تعد تثير قلق الأنظمة العربية والأجنبية رغم حِدّتها.

«سيد البقاء» ومهندس الإطاحة بأستاذه

يصف المقرّبون من مدير جهاز الأمن والمخابرات السوداني المهندس صلاح عبد الله، بأنه شديد الطموح يُجيد مهمة الرجل الثاني الذي يتوارى في منطقة الظل، وبخلاف نبوغه الذي أظهره أثناء دراسته للهندسة في جامعة الخُرطوم، فإنّ لقب «قوش» الذي أُطلق عليه منذ أيام الجامعة –نسبة إلى عالم رياضي هندي- ما زال يُطارده إلى اليوم بعدما بات يُعرف به اختصارًا.

Embed from Getty Images

صلاح قوش

انتمى قوش إلى الحركة الإسلامية السودانية، أحد روافد جماعة الإخوان المُسلمين، وكان مسئولًا عن جهاز المعلومات الخاص بالتنظيم في الجامعة التي تخرج فيها عام 1982، وتزامنت تلك الفترة في التظاهرات الشعبية التي قادتها الجماعة ضد حُكم جعفر النميري الذي وصل إلى السُلطة عبر انقلابٍ بمشاركة من الحزب الشيوعي السوداني عام 1969، وبدأ يرسم طريقًا علمانيًا متوافقًا مع أغلب الأنظمة العربية الحاكمة في تلك الفترة.

إلا أنّ «انتفاضة أبريل» عام 1985 أطاحت به وأتت بالإسلاميين إلى الحُكم في عهد رئيس الحكومة الصادق المهدي، قبل أن ينقلب عليه عُمر البشير عام 1989 بدعمٍ من الجبهة الإسلامية القومية –الإخوان المسلمون– التي رأسها حسن الترابي، مؤسّس حزب المؤتمر الحاكم.

التحق قوش بجهاز الأمن الداخلي للحزب منذ تأسيسه، ثم أصبح ضابطًا في جهاز المخابرات الوطني، حتى وصل إلى منصب مدير إدارة العمليات، ويُتهم بتأسيس ما عُرف في التسعينيات باسم «بيوت الأشباح» وهي السجون السرية التي استقبلت المئات من المعارضة خاصة أعضاء الحزب الشيوعي، وبالرغم من أنّه يصف نفسه بأنه أحد طلاب رئيس المخابرات المصرية السابق عمر سليمان، إلا أن النظام المصري وجّه إليه اتهامات مباشرة عام 1996 بالتخطيط لمحاولة اغتيال الرئيس المخلوع حسني مبارك أثناء حضوره مؤتمر «منظمة الوحدة الأفريقية» بإثيوپيا، وهو ما جعل قوش يترك عمله في المخابرات وقتذاك قبل أن يعود لاحقًا للجهاز بعد ثلاث سنوات للقيام بمهمة جديدة.

30 عامًا في الحكم.. لماذا تفشل المعارضة السودانية دومًا في هزيمة البشير؟

الدور الأبرز الذي لعبه رجل الأمن الداخلي تمثّل في إضعاف الحركة الإسلامية التي ينتمي إليها من الداخل، فبعدما انصهر العسكريّون والإسلاميون ضمن ما أسموه «ثورة الإنقاذ» نشب صراعٌ جديد على الحُكم، فبينما أصبح البشير رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، أسّس حسن الترابي، رجل الظل الذين تحكَّم في المشهد طيلة 10 سنوات، حزبَ المؤتمر الحاكم، وفى عام 1994 أعلن الترابي حلّ مجلس قيادة الثورة، كما قدّم مقترحًا للبشير بالتقاعد من الجيش، وبعدما تُوفي نائب البشير عام 1998، رفض الرئيس السوداني تعيينَ التُرابي نائبًا له، وهو ما مثّل حينها صدامًا مفتوحًا بين شريكي الانقلاب.

استعان البشير في حربه بصلاح قوش، أحد أذرع الترابي في الحركة الإسلامية، وتمثّل دوره حينها بتقديم كافة الأسرار عن جناح الحركة الإسلامية المعارض، في الوقت الذي تقدم فيه جناح البشير داخل الحزب الحاكم بالمطالبة بإصلاحات حزبية، وتقليص سلطات الترابي وهو الأمين العام، ورئيس البرلمان الذي أسس بعدها حزب المؤتمر الشعبي المعارض، لينحاز قوش إلى البشير ضد أستاذه ويشرف أكثر من مرة على اعتقال الترابي وقيادات حزبه بتهمة التخطيط لانقلاب عسكري، مهمة أخرى قادها رجل المخابرات تمثلت في تطهير أجهزة الدولة من أتباع شيخه القديم.

وخلال 30 عامًا من حُكم البشير، كان قوش بجدارة هو سيد البقاء الذي احتفظ بسلطته ومكانته؛ فالترابي بات حبيس السجون بعدما انتقل إلى صفوف المعارضة، والفريق طه عثمان مدير مكتب البشير وخازن أسراره الذي استطاع الإطاحة بقوش عام 2009، أُطيح به هو الآخر من منصبه عقب اتهامه بالتخطيط لمحاولة الانقلاب، وهي التهمة نفسها التي واجهها قوش الذي عاد لمنصبه مرة أخرى عام 2018 ليكون الناجي الوحيد في الحرس القديم من دموية الحُكم في السودان.

الفريق «طه عثمان».. ظل البشير ورجل «الخليج» الذي كاد أن ينقلب عليه

صديق الجهاديين الذي باعهم سرًا لواشنطن

خلال عمله داخل جهاز الاستخبارات، صعد قوش سريعًا في درجات المناصب، وأسندت إليه مهام التنسيق مع الجهاديين الأفغان الذين استقروا في السودان برفقة زعيمهم أسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة الذي مكث في ضيافة الحكومة السودانية بين عامي 1990 و1996 ثم ترك نحو 12 مليون دولارًا بهدف استخدامها في عمليات الجهاد.

صلاح قوش (يمين) رفقة رئيس المخابرات المصرية السابق عمر سليمان

ونتيجة لسياسات الحُكم الإسلامي في السودان، تعرّض البلد لعقوبات الولايات المتحدة التي أدرجته على قائمة الدول الراعية للإرهاب، وقطعت علاقتها الدبلوماسية به وأوقفت عمل سفارتها في الخرطوم، ليبدأ فصل العقوبات الاقتصادية التي رُفعت لاحقًا في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أواخر عام 2017.

وبينما كان الحظر الأمريكي قُبلة الحياة الممتدة للنظام من أجل تبرير سوء الخُطط الاقتصادية وكسب تعاطف جماهيري للنظام، إلا أنّ السر الذي أخفاه قوش حول شبكة المعلومات التي وفرتها الحكومة السودانية لوكالة الاستخبارات الأمريكية عقب هجمات 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001، كشفته الصحف الأمريكية، إذ بعثت الولايات المتحدة بطائرة خاصة لنقل رئيس المخابرات السودانية إلى واشنطن في ظل قطع العلاقات بين البلدين، وقدّم الرجل الثاني في السودان معلومات تفصيلية عن الجهاديين العرب وتنظيم القاعدة الذي ساهم في تسليمهم، من دون علم وزير الخارجية السوداني.

يعدّ مدير المخابرات السوداني أحد المطلوبين لـ«محكمة العدل الدولية» بجانب الرئيس عمر البشير بحق الإبادات الجماعية التي شهدها إقليم دارفور- يقع في الجنوب الغربي- والتي خلّفت وراءها 400 ألف قتيل وتشريد مليونيْ شخص. لكنّ قوش بفضل المعلومات التي يمتلكها، سافر أيضًا في زيارتين سريتين إلى بريطانيا عام 2006، وقدّم نفس العرض الذي قدّمه لواشنطن خاصة أنه كان أحد المُقربين من أسامة بن لادن.

وكما تعاملت واشنطن مع قوش رغم اعتباره أحد الأعداء رسميًا، كرّرت القاهرة نفس السيناريو، فمدير المخابرات السوداني الموضوع على القوائم السوداء لاتهامه بمحاولة اغتيال مبارك، اعترف لاحقًا بأنه قاد ملف عودة العلاقات بين السودان ومصر مع أبيه الروحي عُمر سليمان مدير المخابرات المصري.

الازدواجية في التعامل انتقلت أيضًا إلى دول الخليج، وبينما يُتّهم البشير باللعب على كل الحبال في علاقاته مع الدول العربية، يتحمّل قوش قدرًا كبيرًا من الأسباب باعتبار أنّ نفوذه الداخلي امتد ليتجاوز الدور الوظيفي لوزير الخارجية، فبخلاف حضوره الدائم مع الرئيس البشير في كافة زياراته الخليجية، قام قوش بلعب دور النقيض الذي عجز البشير عنه حتى بعد أن عزله من منصبه، فعقب أزمة حصار قطر التي أوقعت النظام السوداني في حرجٍ لعدم إبداء موقف صريح منها، دعا قوش الدوحة للانصياع وراء الطلبات الخليجية، ولم يمض شهر على موقفه حتى قاد حملات داخل البرلمان الذي كان أحد أعضائه، برفض تصنيف جماعة «الإخوان المسلمين» وحركة «حماس» جماعات إرهابية على نحو ما قامت به دول الحصار، وتضامن مع النواب الآخرين الذين طالبوا الحكومة بالانحياز علنيًا للدوحة ضد الرياض.

كانت ذراعًا للسلطة دومًا.. تغييرات كبيرة تمر بها «جماعة الإخوان» في السودان الآن

«ظِل البشير» الذي لا يُمكن الوثوق به ولا الاستغناء عنه

في عام 2009، أقال البشير صلاح قوش من منصبه الذي ظل فيه نحو خمس سنوات دون أسبابٍ واضحة، وعيّنه مستشارًا للشؤون الأمنية، وأرجعت الصحف السودانية سبب الإطاحة إلى مدير مكتب الرئيس طه عثمان ضمن صراع النفوذ في الدوائر الضيقة لأجنحة السُلطة المتضاربة، إذ أقنع البشير بأن قوش يتجسس على هواتفه، ورغم أن الإطاحة لم تُبعد الرجل القوي في الحزب الحاكم عن نفوذه، جاءت الضربة الثانية عام 2011، حين أقيل من منصبه، ثم اُعتقل بعدها بتهمة التخطيط للانقلاب، والتآمر على الدولة ليُسجن سبعة أشهر قبل الخروج بعفوٍ رئاسيّ.

Embed from Getty Images

احتجاجات السودان في الأسابيع الماضية

في الفترة التي تلت إبعاد قوش عن منصبه والتي استمرت نحو ثماني سنوات تعرض النظام فيها لهزات عنيفة كادت أن تُسقطه، بداية بانفصال جنوب السودان وفقدان البلاد أغلب ثرواتها الطبيعية و70% من إنتاجها النفطي، وهو ما كان كفيلًا بانجرار السودان للاحتجاجات التي تزامنت مع أحداث الربيع العربي والتي وصلت إلى القصر الجمهوري في الخرطوم.

وفي عام 2013، شهد السودان أسوأ احتجاجات في ظل حُكم البشير، إذ قادت المعارضة الجموع الغاضبة للاصطدام مع الشرطة احتجاجًا على ارتفاع الأسعار وزيادة التضخم، وتضاعف الديون، وفي ظل غياب قوش لم يجد النظام حلًا سوى استخدام العنف المُفرط الذي أدى إلى سقوط 200 قتيل، ثم تكررت المظاهرات مرة أخرى بقوة أوائل عام 2018 ليضطر البشير بعدها مُرغمًا إلى الاستعانة بعدوّه القديم الذي لا يُمكن الاستغناء عنه.

وحين عاد مدير المخابرات السابق إلى عمله، تكبّدت المعارضة هزيمة أفقدتها توازنها، فجهاز الأمن داهم اجتماعًا لعدد من رؤساء الأحزاب المُناوئة للسُلطة بعد حصوله على معلومات من جهاز المخابرات، بالتزامن مع حملة اعتقال المئات ممّن خطّطوا ونفذوا ما أسموه «الاحتجاج السلمي» الذي أفشله قوش.

وخلال المظاهرات الحالية التي تزامنت مع رغبة الحزب في القيام بتعديلات دستورية تسمح للبشير خوض انتخابات 2020، في ظل تراكم الأزمات المعيشية، تعامل قوش مع الاحتجاجات بنظرية المؤامرة للتشكيك في مشروعيتها؛ إذ اتّهم الموساد الإسرائيلي بتجنيد 280 عنصرًا كانوا في إسرائيل لإثارة الفوضى في السودان، لتُعلن وكالة الأنباء السودانية الرسمية، أنّ السلطات الأمنية أوقفت ما وصفته «خلية تخريبية» بولاية الخرطوم كانت تخطط لتنفيذ عمليات تخريبية.

وبينما اكتفى النظام بالقبض على عدد من رؤوس المعارضة في الأيام الأولى، نزل الجيش إلى الشوارع لحماية المنشآت الاستراتيجية والمتظاهرين أيضًا، في الوقت الذي صرح فيه الناطق باسم الحكومة السودانية بأن الشرطة تعاملت مع الاحتجاجات بصورة حضارية دون كبحها أو اعتراضها، قبل أن يبرر ما حدث لاحقًا من عمليات اعتقال وعنف قائلًا: «المظاهرات السلمية انحرفت عن مسارها»، وهو ما كان فعليًا التمهيد للمرحلة الأخيرة في قتل الحِراك في مهده.

وكما بدأ قوش الجولة الأولى، عاد مرة أخرى للتأكيد بأنه لن يتم رفع الدعم عن الدقيق والوقود، وهو في ذلك يشير إلى الخلاف المكتوم داخل الحزب الحاكم بينه وبين وزراء القطاع الاقتصادي الذين يُصرّون على انتهاج نفس السياسة الاقتصادية بالرغم من اعترافهم مُسبقًا بعدم جدواها، بينما يرى قوش أن القبضة الأمنية هي الحل الوحيد لخروج البلاد من وضعها المأزوم، بداية بقمع المظاهرات ونهاية بمحاربة تجّار العملة وشن حملة على الفساد، وهي ضمن الملفات التي أعادته مرة أخرى إلى الواجهة في ظل رغبة البشير خوض انتخابات 2020.

تجدر الإشارة إلى أن بعض التسريبات الصُحافية كشفت أن واشنطن كانت على علم بمحاولة الانقلاب التي كان يدبر لها قوش، ولكنها تجاهلت تحذير الحكومة السودانية باعتبار مدير المخابرات الحالي حليفًا بديلًا للبشير وأكثر قبولًا لدى البيت الأبيض، وهو ما يجعل صلاح قوش بجدارة هو الحليف الذين يحتاجه البشير والذي لا يجب الوثوق به.

ماذا يحدث في السودان؟ 5 أسئلة تشرح لك المظاهرات التي تتجاهلها وسائل الإعلام

المصادر

عرض التعليقات
s