منذ خمسة أشهر متواصلة، والقطاعات الحكومية في قطاع غزة لا سيما الصحية منها والتعليمية، تعيش حالة شبه يومية من الإضراب، احتجاجًا على عدم صرف رواتب موظفيها الذين كانوا محسوبين على حكومة غزة السابقة، والتي أنهت مهامها في الثالث والعشرين من نيسان/إبرايل، العام الجاري، بعدما تسلمت حكومة التوافق الوطني بدلًا منها، في إطار إنهاء الانقسام بين حركتي “فتح وحماس”.

لكن، لم يمض على الحكومة الجديدة، سوى شهر واحد، وإذا بأزمة الرواتب تعود أدراجها من جديد، لتعيد المشهد نفسه خلال أحداث حزيران/ يونيو 2007، والتي من خلالها سيطرت حركة حماس على قطاع غزة، وبدأت فصول الانقسام بين الطرفين.

في تلك الفترة، أي عام 2007 بدت آثار الانقسام على مناحي الحياة في الضفة المحتلة عمومًا، وقطاع غزة خصوصًا، حتى انقسم الموظفون إلى قسمين، في صورة واضحة إلى ترسيخ ما يسمى بانقسام “شرطي الوطن”، موظفي غزة، وموظفي الضفة، حيث يتقاضى الطرفان رواتبهم من السلطة الفلسطينية في رام الله.

كانت البداية

إضراب الموظفين يشلّ غزة بسبب الرواتب، وبدأت المناكفات السياسية بين غزة والضفة، حتى امتنعت الأخيرة عن صرف رواتب موظفي غزة المحسوبين على حكومة حماس، فيما استنكف موظفو السلطة عن العمل، بقرار من المسؤولين بالضفة، لعدم مباشرة أعمالهم في غزة، والتزام منازلهم، دون إلحاق ضرر برواتبهم، أو علاواتهم.

واستمر الحال حتى يومنا الحالي، فسبع سنوات مضت ولا زال موظفو غزة التابعون للسطلة الفلسطينية يتلقون رواتبهم دون الذهاب إلى أماكن عملهم، فيما تكفلت حكومة حماس التي كانت تتلقى الأموال كمصدر أولي لها ولموظفيها من السلطة الفلسطينية، بدفع الرواتب لموظفيها، عبر البحث عن مصادر تمويل أخرى.

ولا بد من الإشارة إلى مصادر تمويل السلطة الفلسطينية، والتي من خلالها تستطيع دفع رواتب موظفيها في الضفة وغزة، وسط أزمة مالية خانقة تعاني منها منذ سنوات عديدة، فضلا عن مصادر حكومة حماس السابقة، وكيف استطاعت تسيير أمورها.

أولا: مصادر تمويل السلطة

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.youtube.com/watch?v=TEbO2R5pC8I” width=”650″ height=”450″ ]

المصدر الأساسي لرواتب السلطة هي الضرائب بمختلف أشكالها، إلا أنه ووفق اتفاقية أوسلو وملحقها الاقتصادي “اتفاقية باريس” فهنالك اتحاد جمركي بين السلطة الفلسطينية ودولة الاحتلال، ويترتب على ذلك أن جميع البضاعة التي تدخل المناطق الفلسطينية في الضفة والقطاع يجب أن تخضع لإشراف الاحتلال من الناحيتين الأمنية والمالية.

وللسلطة أيضًا مصادر دخل أخرى تتنوع بين الضرائب المباشرة مثل ضريبة الدخل والمساعدات الخارجية المباشرة وغير المباشرة، وفي كل الأحوال فقسم كبير من ميزانيتها يتحكم بها الاحتلال الصهيوني والذي يقوم أيضًا بمنع إقامة مشاريع تطويرية مثل عدم موافقته حتى اليوم على إقامة مناطق صناعية خططت لها السلطة في أريحا وجنين وغيرها من المناطق.

إلى ذلك، تتلقى السلطة ومنذ عام 2006م أموالًا بشكل شبه منتظم من الدول العربية من أجل دفع الرواتب للعاملين في أجهزتها، مع ذلك فهي دائمة الاتهام للدول العربية أنها لا تدفع شيئًا.

ويذكر أن عدد الموظفين في القطاع الحكومي بشكل كبير قد تضخم خلال السنوات الأخيرة، حيث يزيد اليوم عدد موظفي السلطة عن 160 ألفًا في الضفة والقطاع، وغالبيتهم هم موظفون غير منتجين “بطالة مقنعة”.

ثانيًا: مصادر تمويل حكومة حماس السابقة

 [c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.youtube.com/watch?v=HGh4uPef_Rs” width=”650″ height=”450″ ]

وبحسب تحقيق نشر على موقع صحيفة “معاريف”، فقد استطاعت حركة حماس رفع ميزانيتها 13 ضعفًا خلال خمس سنوات، على الرغم من وجود حصار اقتصادي من قبل إسرائيل على قطاع غزة منذ سيطرة حركة حماس على السلطة في القطاع في العام 2007، واستطاعت حركة حماس إيجاد الطرق المختلفة لزيادة ميزانيتها والتي تعتمد على أكثر من طريق.

فالأول ما يتم نقله من السلطة الفلسطينية مباشرةً إلى بنوك غزة، حيث يصل عن طريق السلطة في رام الله 1,6 مليار دولار سنويًا، جزء منه رواتب للموظفين وعناصر الأمن السابقين للسلطة الفلسطينية، وجزء منه يدفع بشكل مباشر إلى إسرائيل مقابل الوقود والمياه، والجزء الثالث موازنات لبعض الوزارات مثل الصحة وغيرها.

والثاني، عن طريق استغلال الأنفاق والتي كانت تدخل لخزينة حركة حماس ملايين الدولارات سنويًا من خلال الضرائب التي كانت تفرضها على كافة البضائع التي تدخل عبر الأنفاق والتي حددت بـ 14%.

بينما الثالث، من خلال رجال الأعمال وإعطائهم حرية العمل مقابل دفع مبالغ مالية لحركة حماس.

ولفت الموقع إلى أنه ومنذ سيطرت حركة حماس على قطاع غزة، في العام 2007، فرضت سيطرتها بالكامل على كافة جوانب الحياة داخل قطاع غزة، حيث تسيطر على الأجهزة الأمنية بالكامل بما فيها جهاز الشرطة والذي يصل عدد عناصره هذه الأيام إلى أكثر من 11 ألف شرطي، وتقوم حركة حماس بدفع رواتب ما يقارب 40 ألفًا من ضمنهم 21 ألف عنصر مسلح تابع لحركة حماس.

وصمد تمويل حكومة حماس حتى حزيران / يونيو عام 2013 بالتزامن مع الإطاحة بنظام الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي في الثالث من تموز الماضي من العام نفسه، مما أثر عليها تأثيرًا مباشرًا في تأدية واجباتها والتزاماتها لفئات القطاع كافة، خاصة أنها اعتمدت بشكل كبير على إيرادات البضائع التي كانت تأتي عبر الأنفاق الحدودية مع مصر، بيد أن هدمها من قبل الأخيرة فاقم معاناتها، وجعلها عاجزة عن دفع رواتب موظفيها حتى الآن.

لا حلول!

موظفون من القطاع الصحي في غزة خلال اعتصامهم لعدم صرف رواتبهم

وفي الوقت الحالي، لا يزال خمسون ألف موظفًا في قطاع غزة، محسوبين على حكومة غزة السابقة لا يتلقون روابتهم بشكل كامل منذ مايو الماضي، بعد أن تلقوا سلفًا متقطعة لأشهر قليلة خلال العام الماضي، ما يعني أن المعاناة تتفاقم، والإضراب يتسع!

فما إن تسلمت حكومة الوفاق مهامها في غزة، نيسان الماضي، عقب توقيع اتفاق المصالحة، كثرت آمال الفلسطينيين في تسريع حل مشكلة الرواتب، وفتح المعابر، وتحقيق تنمية شاملة في قطاعات عدة بغزة، بيد أن هذه الأماني، لم يلامسها المواطن حتى الآن، بل زادت الأمور سوءًا فسوء.

حتى أن أولى تصريحات رئيس الحكومة رامي الحمد لله كانت دعوة الموظفين المستنكفين عن العمل في غزة إلى عملهم، مؤكدا أنه سيجري تشكيل لجان إدارية للإشراف على عودة الموظفين إلى عملهم، لكن مضى على الحكومة خمسة أشهر ولم يتحقق شيء، بل إنها لم تعد جدولًا للاعتراف بموظفي غزة، من مدنيين وعسكريين، على الرغم من أن قطر استعدت لدفع الرواتب.

في المقابل، فإن حركة حماس تقول:” إن حكومة التوافق الفلسطينية برئاسة رامي الحمد الله، تتنكر لنصوص اتفاقيات المصالحة، وأنها أخطأت، ولم تحسن التصرف تجاه شعبها، وتجاه من هم تحت ولايتها من موظفين”.

وطالبت الرئيس الفلسطيني محمود عباس، بإصدار أوامره للحكومة بالإسراع في دفع “رواتب موظفي حكومة غزة السابقة”، مضيفة:” لم نكن نتوقع أبدًا أن تكون العقبة الأولى في تطبيق اتفاق المصالحة، هي قوت الناس وأرزاقهم والتمييز بين الموظفين وبين أبناء الشعب الواحد، وذلك في الوقت الذي تنتظرها ملفات جسام مطلوب إنجازها”.

وبينت أن اتفاق المصالحة، نص على تشكيل لجنة قانونية إدارية، تنظر في شأن موظفي حكومة غزة السابقة على قاعدة الشراكة الوطنية وبالآلية التي تنص عليها اللجنة القانونية.

كارثة بيئية

عمال النظافة وإضرابهم داخل مشفى الشفاء في غزة

لكن، على أرض الواقع اليوم، لاسيما القطاع الصحي، حيث يهدد مستشفيات الأطفال العاملة في قطاع غزة أزمات خطيرة قد تدفعها للتوقف عن معالجة المرضى القادمين للعلاج إثر بدء شركات النظافة العاملة في تلك المستشفيات بتنفيذ خطواتها الاحتجاجية، اعتراضًا على عدم صرف مستحقاتها، ما أدى إلى عدم مقدرة تلك الشركات على دفع رواتب ومستحقات موظفيها، إضافة إلى عدم مقدرتها على الإيفاء بالتزاماتها جراء هذه الأزمة.

ونوه الأطباء العاملون في القطاع الصحي إلى أن العمل تضاعف على طواقم شركات النظافة خلال العدوان، الأمر الذي تسبب في زيادة الحمل على المستشفيات ثلاثة أضعاف الوضع الطبيعي بسبب الزيادة الكبيرة في عدد الإصابات في صفوف الأطفال.

ويتخوف الأطباء من توقف العمل في مستشفيات الأطفال في قطاع غزة خلال الأيام القليلة المقبلة بسبب توقف خدمات النظافة، حيث من المتوقع في حال استمرت أزمات النظافة حدوث كوارث صحية تؤدي إلى وفيات بين صفوف الأطفال المقيمين بسبب نقص المناعة لديهم.

ومن بين المهام الأساسية لعمال النظافة الذين يتلقون رواتب لا تزيد عن 200$ تعقيم الأيدي والتخلص من جميع النواتج والمخلفات الناتجة عن المرضى المقيمين والتخلص من مخلفات العلاجات على مدار الساعة.

ويتوقع مراقبون في غزة، إلى أن استمرار الأزمة سيؤدي إلى كارثة بيئية وصحية على المكان وعلى البيئة المحيطة فيه، وبالتالي فإن الطواقم الصحية والعاملة في المستشفيات وأسرهم سيكونون عرضة لانتشار الأوبئة والأمراض.

المصادر

تحميل المزيد