ها نحن في القرن السادس عشر، وقد وصلت سفينة تحمل قادة بحريين مغاربة وأتراكًا وإسبانًا، بحوزتهم عبيد أوروبيون وقعوا في الأسر. وسيجري الآن تجهيزهم لبيعهم في أسواق مدينة الجزائر، أو القاهرة، أو دمشق. وبعد إتمامهم عملية البيع، سيعود هؤلاء القادة بالسفينة إلى موطنهم الجديد، «مصب أبي رقراق» في المغرب وتحديدًا إلى «سلا»، حيث توجد جمهوريتهم.

قد تتصور أن هذا مشهد من رواية خيالية، لكننا نؤكد لك أنها أحداث حقيقية؛ إذ وقعت بالفعل في القرن السادس عشر، عندما كانت سفن المسلمين تمارس «الجهاد البحري» في البحر المتوسط والمحيط الأطلنطي ضد أوروبا. في السطور القادمة نحكي لك قصة هذه الجمهورية وهؤلاء المجاهدين.

«يوتوبيا المطرودين»

في بداية القرن السابع عشر وعند مصب نهر أبي رقراق، غرب المغرب، بدأت مدينة سلا باستقبال وفود  الموريسكيين القادمة من الشمال، من بلاد الأندلس فيما مضى، والتي باتت تعرف باسم إسبانيا بعد أن طردهم الملك فيليب الثالث منها.

هؤلاء الموريسكيون كانوا أحفاد الموور الذين عرفتهم أوروبا على أنهم المسلمون الذين سكنوا الأندلس، بغض النظر عن أصلهم، سواء كانوا عربًا أو بربرًا أو حتى إسبانًا. وعلى الرغم من أن الموريسكيين تحولوا للديانة المسيحية كي يتمكنوا من البقاء في بيوتهم ويتجنبوا محاكم التفتيش الإسبانية، فإنهم لم يكونوا مسيحيين جيدين ومخلصين من وجهة نظر الدولة الإسبانية، فطردتهم!

File:L'expulsió dels moriscos (1894), Gabriel Puig Roda, Museu de Belles Arts de Castelló (detall).JPG - Wikimedia Commons

لوحة طرد الموريسكيين – جابرييل بويج رودا 1894 – المصدر: ويكيميديا

كان قد سبق المورسيكيين في القدوم لمدينة سلا «عشيرة الهورناتشوس» التي كانت تسكن إقليم إكستريمادورا بالأندلس، هذه العشيرة التي عرف عنها قدرتها على القتال، وكانت تمتلك من الثروة ما مكَّنها من دفع الأموال لبعض المسؤولين المسيحيين في إسبانيا للسماح لهم بالسفر بأسلحتهم وعتادهم.

عند وصولهم مدينة سلا عام 1610، شعروا بأنهم لن يستطيعوا التكيف مع المجتمع الموجود، على الرغم من أن الهورناتشوس حافظوا على ديانتهم الإسلامية، وكانوا ما يزالوا يتحدثون العربية، وفقًا لكتاب «يوتوبيا القراصنة: القراصنة الموور والمرتدون الأوروبيون»، للكاتب بيتر لامبرون ويلسون. لذلك عبروا النهر وبنوا سلا الجديدة التي تعد جزءًا من مدينة الرباط اليوم.

لكن الموريسكيين الذين أتوا إلى المصب كان وضعهم أصعب من وضع الهورناتشوس؛ فالموريسكيون لم يكونوا مسلمين، والكثير منهم لم يستطيعوا التحدث بالعربية، ومعظمهم لم يكن يمتلك الأموال، لذلك استقروا جنوب سلا الجديدة.

ويوضح كتاب «يوتوبيا القراصنة: القراصنة الموور والمرتدون الأوربيون» أن المورسكيين «كانوا متعطشين للانتقام من إسبانيا وسريعًا ما تحولوا لقراصنة متحمسين»، وهنا يجب أن نوضح الوضع فيما يخص «القرصنة البحرية».

الجهاد البحري vs القرصنة الأوروبية

في هذه الفترة انتشرت سفن القراصنة القادمة من ليبيا وتونس والجزائر والمغرب في البحر المتوسط، في حركة أسماها الكثير من المؤرخين باسم «الجهاد البحري». كانت هذه الحركة قد بدأت فعليًّا منذ أواخر القرن التاسع، لكن مرحلة الازدهار كانت في القرن الخامس عشر.

ووفقًا للباحث قدوري الطاهر في الدراسة المقارنة التي نشرها؛ فإن عملية الجهاد البحري جرى الاختلاف على تعريفها، فمن المؤرخين من لم يميز بينها وبين القرصنة، ومنهم من رأى أن الجهاد البحري يقابله القرصنة عند الأوروبيين.

ويوضح الطاهر أن «عمليات القرصنة» بين المسلمين والمسيحيين الأوروبيين كانت متبادلة، فيذكر كيف أن المغاربة عندما كانوا يقصدون ديار مصر لينطلقوا بعد ذلك إلى بلاد الحجاز لإتمام مناسك الحج أو العمرة، كانوا معرضين لخطر الوقوع في أسر القراصنة الأوروبيين.

ويضيف في دراسته البحثية قائلًا: «إن تفضيل المغاربة الطريق البحري لا يعني أن البحر كان أكثر أمنًا من الطريق البري، بقدر ما يدل على أن الخطورة متفاوتة بين الطريق البري والبحري، وحتى إذا ركبوا البحر فإنهم ينتظرون في كل لحظة أن يقعوا في قبضة العدو، ولعل الحالة النفسية التي عاشها ابن جبير وابن رشيد السبتي وأحمد المقري على متن المراكب التي نقلتهم إلى ديار مصر، خير دليل على ضعف الأمن في البحر المتوسط».

ويضرب الطاهر في دراسته العديد من الأمثلة الأخرى التي توضح أن حركة الجهاد البحري لم تكن فعلًا بلا رد فعل، بل كانت حالة من الحرب القائمة بين الطرفين.

وقد ظهر التفوق الإسلامي على أيدي أعلام بحرية كانت تخشاها المدن الساحلية في أوروبا، أمثال الأخوين بربروس خير الدين، وعروج خير الدين، اللذين تحولا من قرصانين إلى قائدين في الأسطول العثماني، وقصتهما الشهيرة ومساعدتهما في نقل المسلمين من إسبانيا وتهريبهم من محاكم التفتيش، وكذلك غزواتهما البحرية الشهيرة.

(صورة لأسطول خير الدين بربروس)

كذلك نذكر تورغوت باشا الذي نجح في تحرير ليبيا من سيطرة فرسان مالطا وتصدى لهم في عدة معارك بحرية. وقد رافق هذا التطور الهيمنة العثمانية في ميادين الحرب في أوروبا مما أكسب هؤلاء المجاهدين غطاء يستطيعون اللجوء له.

ونتيجة لهذا التفوق أُسر مئات الآلاف فيما تذكر مصادر أجنبية، من بينها كتاب «عبيد مسيحيون وسادة مسلمون: العبودية البيضاء في البحر الأبيض المتوسط والساحل البربري وإيطاليا: 1500-1800»، أن الرقم تخطى مليونًا، وجرى بيعهم في أسواق مصر والشام وبلاد المغرب العربي!

أما فيما يخص قصة جمهورية سلا فهناك اسم لعب دور البطولة في بداية هذه الجمهورية، ألا وهو مراد رايس الأصغر.

مراد رايس الأصغر.. الأسير الذي صار أول رئيس لجمهورية سلا

مراد رايس الأصغر، وكان اسمه يان يانسون قبل أن «يصبح من الترك» ويدخل في الإسلام، بعد أن وقع أسيرًا في أيدي بحارة مسلمين؛ إذ كان الدخول في الإسلام إحدى السبل التي يتبعها الأسرى للتخلص من سجن العبودية.

أثبت مراد رايس جدارة، وتدرج في الرتب حتى أصبح قائدًا، ويذكر الدكتور حسن أميلي في كتابه «الجهاد البحري بمصب أبي رقراق» أن مراد رايس، أقدم سنة 1585 على الاستفادة من مرسى سلا وأطلق منها حملة على جزر الخالدات – جزر الكناري – نجح خلالها في نهب مدينة لانزروت وأسر 300 شخص والهروب من أسطول حربي إسباني. فيما عدها أميلي «نقطة تأسيس الجهاد المنتظم الذي سيضطلع به على امتداد القرن السابع عشر، مجاهدو سلا الجديدة».

ومع تردي الأوضاع في المغرب ووقوعها في صراعات داخلية، وبعد استقرار الهورناتشوس والموريسكيين في سلا، وسلا الجديدة، أُعلن قيام جمهورية سلا وانتخاب مراد رايس ليصبح القائد والرئيس الأول لهذه الجمهورية الحديثة، وكانت هذه الجمهورية تدفع ما يشبه الضرائب للسلطان في مقابل بقائها.

الجهاد البحري ومغامرتان في أعالي البحار

بعد إعلان الجمهورية وتنصيب مراد رايس قائدًا لهذه الجمهورية، دخلت سلا في عصر جديد من الازدهار، قائم على أعمال الجهاد البحري في البحر المتوسط والمحيط الأطلنطي، ويمكن ذكر واقعتين لمراد رايس وأساطيله البحرية توضح كيف وصلت سفن الجمهورية الجديدة وقراصنتها إلى أعالي البحار.

File:République du Bouregreg, Republic of Bouregreg, 1627-1668.PNG

خريطة لجمهورية القراصنة – المصدر ويكيميديا

الهجوم على جريندافيك.. مراد رايس يصل إلى سواحل آيسلندا!

في عام 1627 قاد مراد رايس مراكبه تجاه الشمال، وفي العشرين من يونيو (حزيران)، رست السفن على سواحل آيسلندا، تحديدًا قرية جريندافيك. وهناك أسروا ما بين 12 إلى 15 شخصًا واستولوا على سفينتين.

بعد ذلك حاولوا الوصول إلى قصر بيسستاير الذي كان يسكنه الحاكم الدنماركي الذي كانت آيسلندا تحت حكمه في ذلك الوقت، إلا أنهم تعرضوا لهجوم من المدافع صعَّب مهمتهم، فاكتفى مراد رايس بالغنيمة والأسرى، وعاد بهم للوطن لبيعهم في أسواق العبيد، وذلك وفقًا للرواية الآيسلندية. وقد فتحت هذه الحملة الجريئة الأبواب أمام بحارة ومجاهدين مسلمين آخرين، لتعود حملة جديدة انطلقت من ميناء الجزائر، وتحقق نجاحًا أكبر.

سقوط بالتيمور.. مراد رايس يأسر الإنجليز في أيرلندا!

يحكي كتاب «منذ فترة طويلة: المزيد من الحكايات عن التاريخ الأيرلندي الأقل شهرة»، والذي نشر فيه الكاتب والمدون رونان جيرو أو دومنيل، مقالاته المتنوعة، عن سقوط بالتيمور التي تقع في إقليم كورك غرب أيرلندا في أيدي مراد رايس ورجاله، وذلك عام 1631.

يحكي رونان في أحد المقالات التي يضمها الكتاب، كيف أن مراد رايس ورجاله قد قبضوا على رجل يدعى جون هاكيت، عندما كان يبحر بمركب الصيد الخاصة به، وقد عرض هاكيت عليهم أن يدلهم على القرية في مقابل إطلاق سراحه، وبحسب الكتاب، فإن هاكيت ربما فعل ذلك كراهية في الإنجليز الذين استوطنوا بالتيمور وطردوا الأيرلنديين منها.

لم تكن بالتيمور محصنة بشكل جيد، وبعد أن وصلوا الميناء انتظر الطاقم حتى غروب اليوم الثاني وبدأوا الهجوم على القرية، ووفقًا للكتاب فإن قوة من حوالي 200 بحار مسلح هاجموا القرية. ووفقًا للكاتب المهتم بتاريخ أيرلندا، فقد وقع في الأسر أكثر من 100 من الرجال والنساء والأطفال، وقد أُطلق سراح الأيرلنديين وبقي الإنجليز.

وقد وصلت الحملة على القرية لنهايتها عندما قرع أحد السكان الطبول ليحذر باقي القرية، فتوقع مراد أن هناك قوة عسكرية قادمة، فترك القرية سريعًا وعاد إلى سفينته.

وعندما وصلت القوات الإنجليزية علمت بما ارتكبه هاكيت وأعدمته، ووصل إلى أسواق العبيد في الجزائر حوالي 98 طفلًا وامرأة و20 رجلًا، أما الباقون فمصيرهم غير معلوم، وبعد 14 عامًا من الواقعة دُفعت فدية ثلاث نساء وعدن إلى بالتيمور.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
«تورغوت باشا».. الأمير العثماني الذي حرر ليبيا من سطوة فرسان مالطا

في 1627 رحل مراد رايس عن الجمهورية، وبدأت النزاعات الداخلية تدب بين الهورناتشوس والموريسكيين والسكان الأصليين، وفي هذه الفترة كانت الجمهورية قد امتنعت عن تقديم الأموال للسلطان، وبقي الوضع هكذا حتى سيطر الرشيد بن علي الشريف على مصب أبي رقراق سنة 1666، في ما وصفه الدكتور حسن أميلي «في إطار إعادة الحياة إلى نظام تتركز فيه السلطات بيد النظام، وإعادة الاعتبار إلى مؤسسات الدولة المحركة لدواليب الحكم وفق مصلحة التراتبية السياسية على حساب نفوذ السلطات الإقليمية».

لتكون هذه السنة هي بداية النهاية بالنسبة للجمهورية التي سقطت تمامًا في أيدي السلطان الرشيد الشريف سنة 1668، لتنتهي قصة جمهورية سلا، ولكن لا تنتهي قصة الجهاد البحري الذي يبدأ فصلًا جديدًا، ولكن هذه قصة أخرى.

المصادر

تحميل المزيد