قبل أن يعرف الشعب الأمريكي عن المغامرات الجنسية لعدد من رؤسائه في القرن العشرين، كانت قصة توماس جيفرسون وجاريته سالي همينجز تطل من حين لآخر من أروقة التاريخ الأمريكي. فقد ثارت حول هذه القصة العديد من التكهنات، واختلف محبو الرئيس ومعارضوه في توصيفها؛ فحين زعم المحبون وجود قصة حب كبيرة بين الرئيس الثالث للولايات المتحدة الأمريكية والكاتب الرئيسي لإعلان الاستقلال وجاريته ذات البشرة السوداء؛ أصر المعارضون على أن ما بين جيفرسون وسالي كان مجرد استغلال جنسي من جانب جيفرسون لجاريته.

وعلى الرغم من كثرة الأقاويل حول نوع العلاقة التي كانت بين توماس جيفرسون وجاريته، فإنه من المؤكد أن الرئيس الأمريكي الأسبق قد أقام علاقة طويلة الأمد معها، أسفرت عن ستة أطفال. فمن هي سالي همينجز؟ وكيف تعرف إليها توماس جيفرسون ووقع في حبها؟

سالي همينجز.. «ربيبة» توماس جيفرسون

وُلدت سالي همينجز عام 1773 في ولاية فيرجينيا لأب أبيض وأم سوداء كانت جارية مملوكة له. والدها هو جون ويلز، محام وتاجر رقيق من أصول إنجليزية، وهو أيضًا والد مارثا ويلز (جيفرسون)، التي سوف تصبح بعد ذلك زوجة توماس جيفرسون، أما والدتها فلا يعرف عن اسمها أو حياتها الكثير.

بعد وفاة جون ويلز آلت ممتلكاته، بما في ذلك أبنائه من الإماء، إلى أبنائه الشرعيين؛ وقد ورثت مارثا جيفرسون إخوتها غير الأشقاء ووالدتهم، وانتقلوا جميعًا من فيرجينيا للعيش معها في منزل توماس جيفرسون بمدينة مونتايسلو في ولاية آيوا. في ذلك الوقت، كانت سالي تبلغ من العمر ثلاثة أعوام ونصف فقط، وقضت سني طفولتها ومراهقتها خادمة في بيت أختها حتى توفيت الأخيرة عام 1782.

سالي همينجز (المصدر:ati)

حين توفيت مارثا جيفرسون، تغيرت مكانة أختها سالي، من عاملة في المزارع وخادمة في المطبخ إلى جليسة لابنة جيفرسون الصغرى، ماري. ومن هنا، بدأ الاحتكاك يتزايد بين توماس جيفرسون وجاريته التي رباها منذ كانت طفلة في منزله؛ فقد سافرت سالي بصحبة ابنته ماري إلى فرنسا لينضما إليه هناك حيث كان سفيرًا للولايات المتحدة. وقد مثل هذا الانتقال إلى باريس نقطة فاصلة في حياة جيفرسون وسالي؛ إذ أقاما هناك أول علاقة جنسية نتج عنها طفلهما الأول.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
أحدهم فضل الملكية وآخر كان زير نساء.. غرائب وعجائب الآباء المؤسسين لأمريكا

الحرية أم الحب؟ هذا هو السؤال

في باريس عام 1787، حملت سالي بطفلها الأول من توماس جيفرسون، الذي كان يكبرها بحوالي 30 عامًا. ومن غير المعروف إن كانت العلاقة التي أسفرت عن طفلها علاقة حب أم لا؛ إذ إنه كان محظورًا على الإماء في ذلك الوقت رفض أي طلب مهما كان، لسيدهن الأبيض، الأمر الذي يدعم الشكوك المتزايدة للمعارضين حول استغلال جيفرسون لجاريته وهي ما تزال طفلة.

ومع أن هناك شبهة استغلال جنسي في هذه العلاقة من جانب جيفرسون، فإن قرار سالي بالرجوع إلى الولايات المتحدة برفقة توماس جيفرسون، رغم كونها امرأة حرة في فرنسا بموجب القانون الفرنسي، يُلقي بظلال من الشك حول وجود علاقة حب بينهما؛ فمع أن سالي قد عارضت الرجوع إلى أمريكا في البداية، فإنها قد وافقت أخيرًا، وهذا يتركنا أمام سؤال مفاده: هل ترضى امرأة بالرجوع إلى الأسر بعد أن ذاقت طعم الحرية إلا برفقة رجل تحبه؟

Embed from Getty Images

وقد تخلت سالي عن حريتها وعادت إلى أمريكا برفقة توماس جيفرسون، بعد أن تفاوض معها الأخير على منحها «امتيازات غير عادية»، كأن تُخفف عنها الأعمال المنزلية، ويكون كل أبنائها منه أحرارًا ببلوغ سن 21 سنة. ومع أن هذه الاتفاقية لم يكن لها أي سند قانوني، فإن سالي قد وثقت في كلام جيفرسون – الذي كان يستطيع بيعها أو التراجع عن قراره متى شاء ولكنه لم يفعل – وعادت معه إلى أمريكا لتضع طفلتها الأولى، التي سرعان ما توفيت، وأنجبت بعدها خمسة أطفال.

حب أم اغتصاب.. هل أحب توماس جيفرسون سالي حقًّا؟

حين تُطرح قضية العلاقة بين توماس جيفرسون وسالي للنقاش نجد المعظم يتساءلون حول ما إذا كانت تلك العلاقة علاقة حب، وكأن أمر حب جيفرسون لسالي قد يبرئه من إقامة علاقة جنسية مع طفلة رباها منذ كانت رضيعة، أو سيضفي شيئًا من الرومانسية على تلك القضية الأخلاقية المتورط فيها واحد من أبرز الآباء المؤسسين للولايات المتحدة.

بخصوص هذا الأمر، تقول الكاتبة أنيت جوردون رييد في كتابها «توماس جيفرسون وسالي همينجز» إننا: «دائمًا ما نعد الحب هو الإجابة الشافية لكل شيء، ومبررًا لأي فعل يثير الحيرة والارتباك، لكن في هذه القضية بالتحديد لا يمكننا القول بأن الحب هو الإجابة الشافية لهذه التساؤلات المحيرة؛ وذلك لأنه حتى لو كانت إجابة هذا السؤال هي نعم قد أحب جيفرسون سالي حبًّا جمًّا، فإن ذلك لا يكفي؛ لأن هذه الإجابة سوف تقودنا إلى سؤال آخر، وهو ما الذي قدمه جيفرسون لهذا الحب؟ وما الفائدة التي عادت على سالي من هذا الحب؟»

توماس جيفرسون وسالي همينجز (المصدر:ati)

ومن هذا المنطلق، تُصرح أنيت أن الحب – في تلك الحالة – يمكن عده عائقًا أمام تصنيف علاقة توماس جيفرسون بسالي. فسواء أحب توماس جيفرسون سالي أم لم يحبها، فهي كانت مملوكته وهو كان سيدها الذي رفض رفضًا قاطعًا أن يمنحها حريتها، بل إنه رفض أن يساوي أولاده منها بإخوتهم، وظلوا هم ووالدتهم خدمًا له لسنوات طويلة.

وحتى إنه لم يكن ينتوي الكشف عن هذه العلاقة لولا نشر الصحافي الأمريكي جيمس كالندر أخبارًا عن هذه العلاقة في الصحف؛ كي يضعه في موقف حرج بعد أن امتنع الأخير عن منحه المنصب الذي وعده إياه نظير تشهيره بأحد منافسيه السياسيين.

ومع أن توماس جيفرسون لم يقطع علاقته بسالي أو يبعدها عن منزله، بناء على نصيحة المقربين منه بعد هذه الفضيحة، فإنه أيضًا لم يعترف بها علنًا، ولم يعلن عن نسب أي من أبنائه إليه أو يوصي إليهم بقدر من أمواله، ربما لأن المجتمع في ذلك الوقت لم يكن ليتقبل زواج توماس جيفرسون من سالي، أو ربما لأن جيفرسون – على الرغم من عاطفته تجاه سالي – قد أراد أن يخفي هذه العلاقة وكأنها شيء مخجل؛ لأنه لم يرها أبدًا لائقة لأن تكون زوجته وسيدة أمريكا الأولى.

هل كان كاتب إعلان الاستقلال الأمريكي عنصريًّا؟

«لم يُكتب شيء أكثر أهمية في كتاب القدر من أن يكون هؤلاء الناس أحرارًا. وإنني أحيانًا لأرتعد بداخلي خوفًا على بلادي حين أتذكر أن الله عادل وأن عدالته تلك لا يمكن أن تظل نائمة إلى الأبد» *توماس جيفرسون

يُقال إن «الماضي أرض غريبة» وذلك لأن الناس اعتادوا التفكير والتصرف آنذاك بطريقة مختلفة عنا في الوقت الحاضر، ففي القرن الثامن عشر كانت العبودية واغتصاب الإماء أمرًا طبيعيًّا غير مستهجن في أوساط السادة البيض لأنهم – ببساطة – لم يكونوا يرون السود مكافئين لهم، بل أقل منهم في الذكاء، وأدنى منهم في الشعور.

ولكن إن كان هذا أمرًا طبيعيًّا بالنسبة لعموم البيض في أمريكا؛ فإن هذه القاعدة كان من المفترض ألا تنطبق على شخص بحجم توماس جيفرسون وفكره، وهو كاتب إعلان الاستقلال الذي تنص ثاني فقراته على أن «جميع البشر قد خُلقوا متساوين، وإن خالقهم قد منحهم حقوقًا معينة ثابتة لا يمكن انتزاعها منهم، ومن بينها: حق الحياة والحرية والسعي من أجل السعادة».

والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا بعد قراءة نص الفقرة الثانية من إعلان الاستقلال الذي كتبه توماس جيفرسون؛ من هم البشر الذين أشار إليهم توماس جيفرسون بالمتساوين؟ هل كان يقصد البيض بصفتهم هم فقط من يرقون إلى منزلة البشر، أم أنه قصد جميع البشر بمختلف أجناسهم؟ وإن كان يقصد الأمر الثاني، فلماذا لم يبدأ هو بنفسه بأول خطوة في جعل البشر متساوين ويعتق جميع العبيد لديه، والذين بلغ عددهم أكثر من 600 عبد، فلم يُذكر أنه أعتق في حياته أو في وصيته سوى سبعة أشخاص فقط من ضمنهم أبنائه من سالي همينجز.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
الوجه الخفي للطب الأمريكي.. تاريخ طويل من استعباد واستغلال السود

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد