مع تواصل الانتهاكات الإسرائيلية في حقِّ الشعب الفلسطيني، تبرز نقاشات حول مدى جدوى العقوبات والمقاطعة الاقتصادية ضد إسرائيل. ويستحضر نموذج جنوب أفريقيا في هذا النقاش، حيث لعبت العقوبات الاقتصادية دورًا بارزًا في الضغط على الحكومة لإجراء إصلاحات، انتهت بإطلاق سراح نيلسون مانديلا من السجن، وإنهاء نظام الأبارتايد، أو ما يترجم للعربية بـ«نظام الفصل العنصري».

وقد كانت الآراء في البداية حول توقيع العقوبات ضد نظام الأبارتايد، تصرُّ على عدم فعاليتها في الضغط على المنظومة السياسية للتخلِّي عن نظام الفصل العنصري، وذلك لسببين رئيسيَّين.

الأول: أنه بالرغم من أن اقتصاد جنوب أفريقيا مفتوح؛ مما يجعل العقوبات ضده ممكنة، لكن انفتاحه يعني أيضًا إمكانية تخطِّي هذه العقوبات بالتعامل مع فاعلين اقتصاديين آخرين.

ثانيًا: أن الضرر الاقتصادي لا يعني أنه سيترجم بالضرورة إلى تأثير سياسي؛ بل إن هناك من رأى أن العقوبات من الممكن أن تأتي بأضرار جانبية ضد مجتمع السكَّان الأفارقة الأصليين، لكن مع تصاعد زخم العقوبات الدولية والمقاطعة الشعبية؛ بدا واضحًا أن حجم العقوبات وانتشارها أكبر من أن يستطيع نظام الأبارتايد في جنوب أفريقيا التعايش معه!

Embed from Getty Images
مظاهرة مناهضة للأبارتايد في بريطانيا

ولم تقتصر دعوات المقاطعة وتسليط العقوبات على نظام الفصل العنصري، على الجانب السياسي والاقتصادي فقط، بل شمل أيضًا مجال الرياضة؛ إذ جرى استبعاد جنوب أفريقيا من عدد من المنافسات الرياضية الدولية أبرزها أوليمبياد طوكيو سنة 1964 والمكسيك 1968.

بالإضافة إلى هذا فقد عملت المقاطعة الأكاديمية والثقافية أدوارًا كبرى في التعريف بانتهاكات النظام العنصري وفداحة جرائمه، وأصدرت العديد من الحركات والجمعيات الحقوقية المناهضة للأبارتايد دعوات لمقاطعة الفنَّانين الذين يشاركون في عروض فنية داخل جنوب أفريقيا.

بالتوازي مع العقوبات والمقاطعة الاقتصادية والثقافية والرياضية على الصعيد الدولي؛ كان الجنوب أفريقيين يخوضون مقاومة شرسة ضد نظام الأبارتايد، سواء على الصعيد المدني من خلال الإضرابات والمظاهرات التي توسَّعت بسبب انتشار البطالة بشدَّة في سنوات السبعينيات، والحركات السياسية المناهضة للفصل العنصري، أو حتى من خلال حمل السلاح عبر حروب العصابات التي قادها الجناح المسلَّح لـ«المؤتمر الوطني الأفريقي».

جدير بالذكر أن الكفاح المسلَّح في جنوب أفريقيا عرف زيادة في الزخم بالخصوص بعد مجزرة شاربفيل سنة 1960، والتي راح ضحيتها 69 شخصًا خلال تظاهرة «سلمية» أمام مركز للشرطة اعتراضًا على بعض قوانين الفصل العنصري.

عقوبات ومقاطعة دولية بلغت أوجها في الثمانينيات

العقوبات تجاه نظام جنوب أفريقيا انطلقت في سنوات الستينيات، ثم اكتسبت زخمًا كبيرًا في مرحلة السبعينيات بسبب نشاط الجمعيات المدنية والحقوقية؛ ثم وصلت إلى أوجها في الثمانينيات، عندما أُجبرت الشركات التي تمتلك استثمارات داخل جنوب أفريقيا على الانسحاب بسبب الضغوط الشعبية الكثيفة.

وتملك جنوب أفريقيا تاريخيًا طويلًا من العقوبات الاقتصادية، بدأ من سنة 1946 حين فرضت الحكومة الهندية حصارًا اقتصاديًّا عليها بسبب التمييز العرقي ضد الهنود في جنوب أفريقيا، ثم مرورًا بمقاطعة الدول الأفريقية لجنوب أفريقيا في أواخر الخمسينيات، مع تصاعد الحركات التحررية في قارة أفريقيا، وبروز كفاح «المؤتمر الوطني الأفريقي» بقيادة نيلسون مانديلا ضد الأقلية الأوروبية الحاكمة.

Embed from Getty Images

المناضل ضد الأبارتايد ورئيس جنوب أفريقيا نيلسون مانديلا 

بدأت التحركات الدولية على مستوى الأمم المتحدة في مطلع الستينيات، فبعد مجزرة شاربفيل سنة 1960 ثم فرض حالة الطوارئ من طرف الحكومة؛ مررت الأمم المتحدة قرارًا يدعو الدول إلى تقييد تعاملها مع نظام جنوب أفريقيا، ثم عزَّزت الأمم المتحدة هذا القرار بقرار آخر يدعو إلى فرض مقاطعة بترولية لجنوب أفريقيا.

وفي أغسطس (آب) 1963 دعا مجلس الأمن الدولي إلى وقف بيع السلاح لجنوب أفريقيا، ومع نهاية العام نفسه كانت 46 دولة قد قطعت علاقاتها مع جنوب أفريقيا، وقالت 21 دولة أخرى أنها تنوي اتخاذ الإجراء ذاته.

في السنة التالية حظرت بريطانيا بيع الأسلحة لها، أما اليابان فمنعت الاستثمار هناك، وأُقصيت جنوب أفريقيا من أوليمبياد طوكيو ثم المكسيك (1964- 1968). وطوال عقد السبعينيات تصاعدت موجة المقاطعة تجاه نظام الأبارتايد في جنوب أفريقيا؛ إذ اعترفت الأمم المتحدة بالحركة التحررية في جنوب أفريقيا بوصفها ممثلًا شرعيًّا للأغلبية.

كان للعرب أيضًا دور في مسار العقوبات المسلَّطة على نظام الأبارتايد العنصري، فقد منعت الدول العربية تصدير البترول إلى جنوب أفريقيا؛ وهو ما دفع الدولة الأفريقية للاتجاه إلى التكنولوجيا النووية لتوليد الطاقة، لكنها قوبلت بتوسيع العقوبات من طرف الولايات المتحدة خصوصًا في المجال النووي، وفي يناير (كانون الثاني) سنة 1979، طلبت الجمعية العامة للأمم المتحدة من مجلس الأمن اتخاذ إجراءات لمنع تطوير جنوب أفريقيا لأسلحة نووية.

Embed from Getty Images

مظاهرة في جنوب أفريقيا ضد نظام الأبارتايد 

وعرف عقد الثمانينيات اكتساب تيار مقاطعة نظام الأبارتايد زخمًا أكبر خصوصًا من طرف الفنانين؛ إذ دعا ناشطون إلى مقاطعة كل المغنين والفنانين الذين يقدمون عروضًا في جنوب أفريقيا، أما الأمم المتحدة فقد دعت إلى عقوبات جديدة بعد حصول جنوب أفريقيا على قدرات نووية سنة 1981. وفي سنة 1983 مرر الكونجرس الأمريكي تعديل «جرام» الذي يوقف قروض صندوق النقد الدولي للأنظمة التي تمارس نظام الفصل العنصري.

بعد إقرار دستور سنة 1984 في جنوب أفريقيا، الذي كرَّس التمييز أكثر فأكثر بإنشائه غُرفًا معزولة للملوَّنين والهنود واستبعاده السود؛ انطلقت احتجاجات وأعمال عنف في العديد من المناطق، وتوسَّعت الإضرابات العمَّالية والعصيان المدني إلى رقعة أكبر.

وفي الوقت الذي كان نظام الأبارتايد ماضيًا في تكريس القوانين والأنظمة العنصرية التي تضطهد الأغلبية السوداء؛ فاز القسيس ديسموند توتو بجائزة نوبل للسلام على نضاله ضد نظام الأبارتايد؛ وجدير بالذكر أنه أحد أكبر المدافعين عن القضية الفلسطينية، والذي شبَّه الاحتلال الإسرائيلي بنظام الأبارتايد في جنوب أفريقيا.

فيما بعد، وخلال السنوات اللاحقة ستمنع بريطانيا وفرنسا تصدير الأسلحة لجنوب أفريقيا، لكن الولايات المتحدة وبريطانيا ستعارضان أي قرار للأمم المتحدة من شأنه أن يوسِّع من مستوى العقوبات أكثر من مجرَّد حظر لتصدير الأسلحة.

زخم عالمي ضد الأبارتايد.. وتلكؤ بريطاني

بريطانيا بالخصوص لم تكن من الدول المتبنِّية لنهج العقوبات والمقاطعة الاقتصادية تجاه نظام الأبارتايد، ففي حين أن «منظَّمة الكومونويلث» بروابطها التاريخية مع جنوب أفريقيا بوصفها مستعمرة بريطانية سابقة، دعت إلى عقوبات شاملة لنظام الفصل العنصري؛ وذلك بعد تعيينها مجموعة من المحققين للنظر في وضعية جنوب أفريقيا ومدى التزام النظام بحوار وطني؛ استخلص المحققون أن النظام لا يسعى إلى أي إصلاح، وطلبت المنظمة من أعضائها المزيد من العقوبات تجاه نظام الأبارتايد.

لكن رئيسة الوزراء البريطانية، مارجريت تاتشر، عارضت هذا القرار، ولم توقِّع على بيان قمَّة فانكوفر الذي دعا إلى توسيع وتشديد العقوبات ومساعدة ضحايا نظام الفصل العنصري. وبقيت بريطانيا إلى جانب الولايات المتحدة وألمانيا واليابان، رافضة للعقوبات الشاملة على جنوب أفريقيا، حاملة شعار «الانخراط البنَّاء» لتبرير مواصلة تعاملها مع نظام الفصل العنصري، وذلك رغم الضغوط الشعبية ومنظمات المجتمع المدني.

Embed from Getty Images

مظاهرة ضد التمييز العنصري في جنوب أفريقيا سنة 1961 

ويشير بحث لبروان مانبي، في «مجلة الشؤون الدولية» إلى أن حركة المقاطعة ضد الأبارتايد في جنوب أفريقيا كانت حالة فريدة من نوعها، باعتبار أن محرِّكها الحقيقي الشعوب والمجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية، أكثر من الإطار الحكومي الرسمي.

وقد بلغت حركة المقاطعة ونزع الاستثمارات من النظام العنصري أوجها في سنة 1985، فما بين سنة 1984 و1989؛ نزعت 155 شركة أمريكية استثماراتها في جنوب أفريقيا، ولحقتها 122 شركة من دول أخرى. وخلال السنوات اللاحقة وصلت المقاطعة الاقتصادية للنظام من طرف العديد من الشركات والمؤسسات، أبرزها شركتا «موبيل» للاتصالات و«جوديير» للعجلات، الأمريكيَّتين.

حالة المقاطعة الاقتصادية وسحب الاستثمارات، خلقت جوًّا من عدم اليقين وغياب الاستقرار الاقتصادي، وهو ما دفع بفاعلين اقتصاديين آخرين لسحب استثماراتهم أيضًا، ليس بالضرورة لأسباب سياسية أو أخلاقية، ولكن لأسباب اقتصادية بحتة نتيجة تململ الاقتصاد الجنوب أفريقي وحالة عدم اليقين وغياب الاستقرار.

ومع مجيء عقد التسعينيات، بدأ النظام العنصريُّ يترنح وانطلقت مؤشِّرات نهايته، فقد أطلق سراح نيلسون مانديلا سنة 1990 بعد 27 سنة في السجن؛ وجرى رفع الحظر عن حزبه «المؤتمر الوطني الأفريقي» وعن عدَّة تنظيمات سياسية معارضة وعودة المعارضين في الخارج؛ ثم انطلقت عملية إعادة إدماج النظام في الهيئات الرياضية والاقتصادية؛ وفي أكتوبر (تشرين الأول) من سنة 1993 دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة لرفع العقوبات على جنوب أفريقيا، وهو الذي تلاه بعد شهور معدودة انتخاب نيلسون مانديلا رئيسًا لجنوب أفريقيا.

إسرائيل والأبارتايد.. تقاطعات صارخة

يشبِّه الكثير من المراقبين منظومة الاحتلال الإسرائيلي بنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا من خلال التقاطعات بين تعامل الأبارتايد مع الأغلبية السوداء، وتعامل إسرائيل مع الفلسطينيين، سواء من الناحية السياسية أو القانونية. هذا التشابه في آليات الهيمنة والتحكُّم، ترجمه النظامان إلى تعاون متشعِّب على الصعيد السياسي والعسكري منذ تأسيس إسرائيل سنة 1948 واعتراف جنوب أفريقيا بها، وهي السنة ذاتها التي شهدت تنصيب نظام الفصل العنصري «الأبارتايد» بعد فوز «الحزب الوطني» بالانتخابات.

Embed from Getty Images

وعكس الموجة العالمية المناهضة لنظام الأبارتايد العنصري، أقامت إسرائيل تحالفًا إستراتيجيًّا واسعًا شمل الاقتصاد والجانب العسكري مع جنوب أفريقيا، واتفق الطرفان على محاربة «العدو المشترك» ممثلًا في «منظمة التحرير الفلسطينية» و«المؤتمر الوطني الأفريقي»، ووقَّع الطرفان سنة 1975 على اتفاقية تعاون اقتصادي تتعهد فيه إسرائيل ببناء سكك حديدية ومصنع لتحلية مياه البحر!

وتوسَّع التعاون الاستخباراتي والعسكري بين الطرفين؛ في الميدان التكتيكي، بالإضافة إلى التعاون في الصناعة العسكرية؛ إذ ساعدت إسرائيل نظام الأبارتايد على صناعة قنابل باليستية.

وتواجه إسرائيل حملة مقاطعة اقتصادية وسياسية وثقافية من طرف العديد من الجمعيات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني، أبرزها حركة « بي دي إس – BDS» التي تدعو إلى مقاطعة ومعاقبة وسحب الاستثمارات من إسرائيل، التي تستلهم نشاطها من نموذج جنوب أفريقيا ضد نظام الأبارتايد. وتواجه إسرائيل هذه الحركة على عدَّة أصعدة، وتضطلع وزارة الشؤون الإستراتيجية والإعلام في الحكومة الإسرائيلية بمجابهة هذه الحركة وتقويض عملها في كل أنحاء العالم.

وقد أصدرت عدَّة دول قوانين تضيِّق أو تحظر عمل حركة «BDS» بوصفها «معادية للسامية»، من بينها بريطانيا والولايات المتحدة فرنسا ودول أخرى، وأشارت تقارير إلى أن المقاطعة تكبِّد اقتصاد إسرائيل 11.5 مليار دولار سنويًّا، فهل نشهد تطبيق عقوبات على إسرائيل، تساهم في إنهاء نظام الفصل العنصري الذي تطبقه؟

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 6 شهور
جريمة قانونية ودولية.. تعرف إلى نظام «الأبارتايد» الذي تطبّقه إسرائيل

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد