إبراهيم أبو جازية

9

إبراهيم أبو جازية

9

1,164

يبدو أنّ الرئيس الأمريكي الجديد، المنتخب في التاسع من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2016، والذي بدأت ولايته رسميًا بتسلمه حكم الولايات المتحدة الأمريكية من الرئيس السابق، باراك أوباما، 20 يناير (كانون الثاني) عام 2017، قد يواجه الكثير من المتاعب في الفترة القادمة بسبب عدد من الأمور التي تبرز على الساحة السياسية الأمريكية؛ الداخلية والخارجية.

اقرأ أيضًا: «مرتضى منصور أمريكا».. ترامب أقال 9 مساعدين منذ بداية موسم رئاسته

واتخذ ترامب خلال الأسبوع الماضي والحالي عددًا من القرارات التي تتعارض مع تصريحاته منذ أيام الحملة الرئاسية عامي 2015-2016، بالإضافة إلى تعارض هذه القرارات الحديثة أيضًا مع النهج الذي كان يتبعه منذ توليه منصب الرئاسة الأمريكية.

اقرأ أيضًا: ترامب في حيرة.. والمدنيون دائمًا هم الضحية

وبرغم أننا شهدنا هذا التحول في المرة الأولى عندما قام ترامب بضرب عدة مواقع سورية تابعة للنظام السوري برئاسة بشَّار الأسد، وهو ما تعارض مع وجهة نظره تجاه القضية السورية، إلا أننا نستطيع الآن أن نرى هذا بوضوح مرة أخرى، في موسم إقالات البيت الأبيض، بالإضافة إلى النهج الجديد لترامب بمعاداة روسيا.

الانتخابات الأمريكية ما زالت على الساحة

رغم مرور ما يقارب تسعة أشهر كاملة على يوم الانتخابات الأمريكية، التي جرت بين ترامب وهيلاري كلينتون، إلا أن صدى هذه الانتخابات ما زال يتردد داخل أرجاء الولايات المتحدة وخارجها. وبرغم وجود احتمالي الفوز والخسارة، ولا بديل عنهما في الانتخابات بشكل عام، إلَّا أنه في الانتخابات الأمريكية لم تكن الاحتمالات في صالح ترامب، مثلما كانت في صالح كلينتون؛ وذلك طبقًا لاستطلاعات الرأي المختلفة، وللمهارة الظاهرة في المناظرات الرئاسية، بالإضافة إلى تاريخ كلينتون الطويل، وخبرتها الطويلة أيضًا في السياسة والعلاقات الخارجية، والتي تعتبر أحد أبرز ما يقوم به الرئيس في دولة كالولايات المتحدة الأمريكية.

فوز رجل الأعمال دونالد ترامب شكَّل مفاجأة للكثيرين من المحللين السياسيين، والإعلاميين، والخبراء، وحتى المواطنين؛ فقد كانت معظم التوقعات تصب في مصلحة فوز المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، لتستكمل طريق الحزب الديمقراطي داخل البيت الأبيض، بعد ثماني سنوات قضاها مرشح نفس الحزب، باراك أوباما.

لكن في النهاية، فاز دونالد ترامب. في الوقت نفسه، بدأ الحديث عن تورُّط روسيا، وتدخلها في الانتخابات الأمريكية لتساعد دونالد ترامب على الفوز، وذلك من أجل التقارب بينهما منذ أيام الحملة الرئاسية، بالإضافة إلى معاداة الحزب الديمقراطي؛ متمثلًا في باراك أوباما وهيلاري كلينتون، لروسيا ورئيسها فلاديمير بوتين، بسبب عدة أمور أبرزها اختلاف وجهات النظر تجاه الأزمة السورية.

اقرأ أيضًا: بعد اتهامه بالتعاون مع روسيا للفوز بالانتخابات.. هل ينجو ترامب من «ووترجيت» جديدة؟

مرَّت الأيام والليالي، ليظهر الحديث عن التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية تارة، ويختفي تارةً أخرى. ولكن يبدو أن الحديث هذه الأيام اختلف قليلًا؛ فقد بدأ دونالد ترامب في خطوات مؤثرة معادية لروسيا، فهل هذه هي طريقته لإبعاد الشكوك عن تدخل روسيا في الانتخابات لصالحه؟

عقوبات جديدة ضد روسيا.. وحربٌ تجارية

وقَّع الرئيس ترامب قانونًا جديدًا صباح الأربعاء الماضي، الموافق الثاني من أغسطس (آب) 2017، يقضي بفرض عقوبات جديدة ضد روسيا، بالإضافة إلى تقييد القانون لقدرة ترامب على تخفيف أي عقوبات مفروضة ضد روسيا.

الجدير بالذكر أن من وضع مشروع القانون في البداية ليس ترامب، وإنما الكونجرس الأمريكي؛ حيث
أقرَّ الكونجرس مشروع القانون الأسبوع الماضي، تحديدًا في 25 يوليو (تمّوز) 2017، وذلك ردًا على ما أثير حول تدخُّل روسيا في الانتخابات الأمريكية لعام 2016، بالرغم من أن هذا الأمر لم يتأكد بعد، بالإضافة إلى الرد على انتهاكات روسيا لحقوق الإنسان في الداخل الروسي، وأيضًا بسبب ضمها شبه جزيرة القرم، وقيامها بعمليات عسكرية في شرق أوكرانيا.

هذه العقوبات لم تكن الأولى التي تخصُّ تدخل روسيا في الانتخابات الأمريكية؛ فقد وقَّع الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، عقوبات ضد روسيا أيضًا في 29 ديسمبر (كانون الأول) 2016، ردًا على احتمالات تدخل روسيا في نتيجة الانتخابات، وعلى أي هجوم إلكتروني روسي ضد الولايات المتحدة.

تتضمَّن العقوبات أيضًا تقييد حجم الأموال التي يمكن أن يستثمرها الأمريكيون في روسيا على المشروعات المختلفة، وخاصةً مشروعات الطاقة الروسية، بالإضافة إلى تقييد التعاون بين الشركات الأمريكية والروسية.

من جانبها، ردت روسيا على لسان رئيس وزرائها، ديميتري ميدفيديف، بأن هذه العقوبات تُمثِّل حربًا تجارية واسعة النطاق، وتمثل إنهاءً للأمل الذي كان موجودًا لإقامة علاقات جيدة مع الولايات المتحدة بقدوم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعدما توتَّرت العلاقات بينهما سابقًا في عهد الرئيس أوباما، بسبب الاختلاف حول الأزمة السورية، وعدة قضايا أخرى، كقضية شبه جزيرة القُرم. وشدد ميدفيديف على أن بلاده ستظل تعمل بهدوء على تحسين وتطوير اقتصادها بالرغم من العقوبات المفروضة.

من جانبه، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن روسيا ستطرد 755 دبلوماسيًا أمريكيًا من البعثة الدبلوماسية الأمريكية الموجودة في روسيا، والتي يزيد عددها عن 1150 فردًا، ليُبقي فقط على حوالي 400 موظف، وذلك ردًا على العقوبات الجديدة المفروضة على روسيا.

هل أراد ترامب حقًا هذه العقوبات؟

السؤال المهم الآن هو: هل أراد ترامب حقًا هذه العقوبات أم لا؟ ففي الوقت الذي وافق فيه الكونجرس، ذو الأغلبية الجمهورية – المنتمي لها دونالد ترامب – على قانون فرض العقوبات على روسيا، خرجت صحيفة (وول ستريت جورنال) الأمريكية
بتقريرٍ خاص، لتؤكد أن أحد المحلفين في إحدى الهيئات الكبرى قام بربط ورصد التواصل بين حملة دونالد ترامب وروسيا، ومساعدة روسيا له في الانتخابات الأمريكية عام 2016، وذلك أثناء التحقيق في التدخل الروسي في الانتخابات.

وبالرغم من عدم القدرة على التأكد من هذه المعلومات، إلا أنها تأتي في الوقت الذي أفادت فيه الصحيفة أن هذه الخطوة تمثل تطورًا خطيرًا في التحقيقات، والتي يُشرف عليها روبرت مولر، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق.

الجدير بالذكر أنه من المفترض لمولر أنه يعمل في التحقيقات وحده، دون الاستعانة بهيئة المحلفين الكبرى، ولكن لا يوجد قانون يتعارض مع ذلك، ولكن لم يكن يعلم أحدًا أنه استعان بها في التحقيق. وتصف الصحيفة أن هيئة المحلفين الكبرى قد يكون لها دور كبير في مثل هذه التحقيقات المعقدة، من أجل الحصول على تصاريح قضائية للاطلاع على سجلات الأفراد والشركات، أو طلب مذكرات ادعاء ولوائح اتهام، وطلب الشهادات المختلفة، وغيره.

كل هذا يأتي في الوقت الذي يخمِّن فيه البعض أن الرئيس ترامب علِم أن هذه الأخبار ستخرج إلى العلن، ولذلك عمل على توقيع القانون بالعقوبات ضد روسيا في أقرب وقت كإجراءٍ احترازيّ، قبل أن تخرج هذه المعلومات، بحيث إن اتهمه أحد بالتعاون مع روسيا في الانتخابات، يستطيع أن ينفي ذلك بالعقوبات التي فرضها ضدها.

على طريقة فرانك أندروود: هل كانت إقالات ترامب لأن أحدهم كشف سره؟

أقال ترامب تسعة مسؤولين في مناصب مختلفة من ضمن فريقه الرئاسي في البيت الأبيض، وذلك في فترة ستة أشهر فقط من توليه الرئاسة؛ فمنهم من هو في مناصب متواضعة، ومنهم من يشغل أهم المناصب في البيت الأبيض؛ كمنصب مستشار الأمن القومي، ورئيس طاقم الموظفين، ورئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي، والمتحدث باسم الرئاسة ومسؤول الإعلام والتواصل بالبيت الأبيض، والذي أقيل شاغله مرتين، وغيرهم.

وبالرغم من أن كل منصب من هذه المناصب يمثِّل أهمية كبرى داخل البيت الأبيض، وبالتالي فإن حادث وكواليس إقالة كل فرد منهم يمثل حدثًا استثنائيًا تتحاكى فيه الصحافة والإعلام، الأمريكيان والعالميان أيضًا، ولكن خلال الأسبوعين الماضيين فقط، أُقيل ثلاثة من كبار فريق ترامب في البيت الأبيض؛ هم مسؤول الإعلام والتواصل والمتحدث الرسمي باسم الرئاسة الأول؛ شون سبايسر، ثم إقالة رئيس طاقم موظفي البيت الأبيض، رينس بريبوس، ثم إقالة المسؤول الجديد للتواصل والإعلام والمتحدث الجديد باسم الرئاسة الأمريكية، أنطوني سكاراموتشي، والذي بقي في منصبه لمدة عشرة أيام فقط.

اختلفت الأسباب المُعلنة التي أُقيل من أجلها الرجال الثلاثة خلال الأيام الماضية، فبدايةً من شون سبايسر، وبالرغم من تقديمه استقالته بنفسه، إلا أن وسائل الإعلان المختلفة تشير إلى أن شون سبايسر، مسؤول البيت الأبيض للتواصل والإعلام الأسبق، قد أُرغم على تقديم استقالته في 21 يوليو (تمّوز) 2017؛ حيثتؤكد صحيفة لوس أنجلوس تايمز أنّ الرئيس ترامب، وبناءً على مصادر مُقرَّبة منه، يشعر بالغضب تجاه سبايسر، مؤكدًا أن وسائل الإعلام فهمت كيف يتعامل وباتت استراتيجيته في الحديث تقليدية لها، وقد أصبح الآن غير قادر على الرد بقوة على أسئلتهم وتمثيل البيت الأبيض.

وبعد ذلك أتت إقالة رينس بريبوس، رئيس طاقم البيت الأبيض، بعد أن اتهمه المسؤول الجديد للتواصل والإعلام بعد سبايسر، أنطوني سكاراموتشي، بتسريب معلومات خاصة بالبيت الأبيض إلى خارجه، فتمت إقالته في 28 يوليو (تموز) 2017، قبل أن يكون هذا الاتهام هو السبب نفسه لإقالة سكاراموتشي في 31 يوليو (تمّوز) الماضي.

ولكن، مع تجدد الأزمة الروسية، ووجود احتمالات لتدخل روسيا في نتيجة الانتخابات الأمريكية، ومع الانقلاب المفاجئ على روسيا، بفرض قرار تنفيذي يقتدي توقيع العقوبات مع روسيا، يبدو أن أحدًا من هؤلاء قد كشف أمر ترامب، أو ربما يكون اكتشف أحدهم ثبوت تورط روسيا في فوز ترامب، مما دفع الأخير لإقالته.

اقرأ أيضًا: بعد 6 شهور من حكمه: كيف تساهم قرارات ترامب في تقويض الدولة الأمريكية؟

قد يبدو هذا مستبعدًا؛ فقد يرى البعض أن إقالة ترامب لثلاثة من كبار مساعديه في غضون أيام معدودة فضيحة، وهي كذلك، ولكن ما هو الأسوأ من ذلك؟ الأسوأ بالطبع هو إزاحة دونالد ترامب عن الحكم في حال ثبوت تورط روسيا في فوزه بالانتخابات؛ وبالتالي، فخسارة ترامب لأبرز مساعديه والتضحية بهم، سياسيًا وإعلاميًا، أفضل بالتأكيد من التضحية بنفسه.

وفي حالة ثبوت هذه الدوافع لدى ترامب، بدلًا من تلك التي أعلنها، فسيكون دونالد ترامب تلميذًا نجيبًا لـ«فرانك أندروود»، الذي مثَّل شخصية الرئيس الأمريكي في مسلسل «House of Cards»؛ فقد شاهدنا فرانسيس، والذي يقوم بشخصيته الفنَّان كيفين سبايسي، أن كل شيء يمكن التضحية به والتخلِّي عنه من أجل البقاء في السلطة، بأي وسيلة ممكنة، سواء بضربه سياسيًا، أو إعلاميًا، أو حتى بقتله.

كل شيء بالنسبة لأندروود تتضمَّن أيضًا كل شخص، حتى لو كان أقرب مساعديه، ورئيس طاقم موظفيه، دوج ستامبر، أو ريمي دانتون في المسلسل، وهو مثلما فعل أيضًا ترامب بإقالة رينس بريبوس، رئيس طاقم موظفيه، أو مثلما حدث مع كونر إليز في المسلسل، والذي شغل منصب مسؤول الإعلام والتواصل بالبيت الأبيض، والذي يماثله في الواقع شون سبايسر، والذي أُرغم على تقديم استقالته من قِبل ترامب أيضًا، ثم مع سكاراموتشي أيضًا، وهو المسؤول الجديد للإعلام والتواصل بعد سبايسر.