علاء الدين السيد

5

علاء الدين السيد

5

2,527

ما الذي يأتي على بالك عندما تسمع كلمة «رمال»؟ غالبًا ما ستتخيل صورة الرمال الممتدة على الشواطئ، أو الرمال المنتشرة عبر الصحارى والتي تمتد إلى ما لا نهاية. هذا يجعل تتصور أن الرمال هي إحدى تلك الموارد غير المنتهية التي يحتوي عليها كوكب الأرض، مثلها مثل مياه البحار والمحيطات المالحة، أو ضوء الشمس.

لكن إحدى الأوراق البحثية التي نشرتها مجلة «ساينس»، يمكن أن تغير هذه النظرة المسبقة.

رغم الخطورة.. لا أحد يهتم

الورقة البحثية سلطت الضوء على أن الإفراط في استغلال الإمدادات العالمية من الرمال يضر البيئة، ويعرض المجتمعات المحلية للخطر، وهو ما يتسبب في نقص هذا المورد بشكل متزايد، بالإضافة إلى تعزيز الصراعات العنيفة بين الشعوب والدول.

الرمل هو مادة حبيبية توجد في البيئة بشكل طبيعي، تتكون من الصخور متناهية الصغر والمعادن المعدنية. يجري تعريف الرمال من حيث الحجم، كونها أدق من الحصى وأكثر خشونة وحجمًا من الطمي. الرمال يمكن أن تشير أيضًا إلى الطبقة التكوينية من التربة أو نوع من أنواع التربة، أي تلك التربة التي تحتوي على أكثر من 85% من الجسيمات الرملية.

الطلب المتزايد، جنبًا إلى جنب مع عمليات التنقيب والجمع غير المقيدة في محاولة لمقابلة هذا الطلب، يخلق وصفة مثالية تتجه بالرمال إلى النقصان بشكل متزايد، وتشير الأدلة الوفيرة بين يدي الخبراء أن الرمال أصبحت نادرة بشكل متزايد في العديد من المناطق الآن.

على سبيل المثال، في فيتنام يتجاوز الطلب المحلي على الرمال إجمالي احتياطيات البلاد. وفى حالة استمرار عدم التطابق بين العرض والطلب، قد تنفد البلاد من الرمال التي تستخدم في عمليات البناء بحلول عام 2020، وفقًا للبيانات الأخيرة الصادرة عن وزارة البناء في البلاد.

ونادرًا ما تذكر هذه المشكلة في المناقشات العلمية، كما أنه لم تجرِ دراستها بشكل منهجي، لكن اهتمام وسائل الإعلام هو ما لفت أنظارنا مؤخرًا إلى هذه المسألة، وبينما يبذل العلماء جهدًا كبيرًا لتحديد كيفية تأثير نظم البنية التحتية مثل الطرق والمباني، على المقيمين المحيطين بها، فقد تم التغاضي عن آثار استخراج معادن البناء مثل الرمل والحصى لبناء تلك الهياكل العملاقة.

قبل عامين، أنشأ عدد من الباحثين فريقًا متخصصًا بهدف توفير منظور متكامل بشأن استخدام الرمال على الصعيد العالمي، ففي رأي هؤلاء الباحثين، أنه من الضروري فهم ما يحدث في الأماكن التي يُستخرج منها الرمال، وفي المناطق حيث يجري استخدامها، وفي الكثير من النقاط فيما بينهما من أجل صياغة سياسات قابلة للتطبيق.

يقوم الفريق البحثي بتحليل هذه المسائل من خلال نهج نظامي متكامل، والذي يسمح لهم بفهم أفضل التفاعلات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية على مسافات مختلفة وحقب زمنية متعددة. واستنادًا إلى ما حصل عليه هذا الفريق من بيانات واستنتاجات، هم يعتقدون أن الوقت قد حان لوضع اتفاقيات دولية لتنظيم تعدين الرمال واستخدامه وتجارته.

الحروب القادمة قد تكون من أجل الرمال

الرمال والحصى هي الآن أكثر المواد المستخرجة في العالم أو التي يتم تعدينها على كوكب الأرض كله، وهو بهذا يتجاوز الوقود الأحفوري والوقود العضوي (مقاسة بالوزن). وعلينا أن نعرف أن الرمل هو العنصر الرئيسي للخرسانة والطرق والزجاج والإلكترونيات.

وبالتالي فمن الممكن إذا ما تفاقمت أزمة الرمال وأصبحت الدول لا تغطي حاجاتها محليًا أن تقوم حروب ونزاعات مسلحة إقليمية أو عالمية من أجل الحصول عليه، مثلها مثل تلك الحروب التي قامت من أجل تأمين أو نهب آبار النفط في كثير من دول العالم.

يتفاوت تكوين الرمل تبعًا لمصادر الصخور المحلية وظروف تكونها، ولكن المكون الأكثر شيوعًا للرمال في المناطق القارية الداخلية والمناطق الساحلية غير المدارية هو السيليكا (ثاني أكسيد السيليكون، أو SiO2)، وعادة ما تكون في شكل كوارتز. السيليكا هي المكون الرئيسي للدوائر الإلكترونية، لذلك يطلق على ذلك المكان حيث تجتمع كبريات الشركات التكنولوجيا اسم «وادي السيليكون».

الرمل هو مورد غير متجدد بالنسبة لاستخدامات البشر، والرمال مناسبة جدًا لصنع الخرسانة المسلحة التي هي في طلب متزايد مع زيادة عمار الكرة الأرضية وتوسع المدن والسكان.

ويجري استخراج كميات ضخمة من الرمال من أجل مشاريع استصلاح الأراضي، واستخراج الغاز الصخري، وبرامج تغذية الشاطئ. وستؤدي الفيضانات الأخيرة في ولاية هيوستن الأمريكية والهند ونيبال وبنغلاديش إلى زيادة الطلب العالمي على الرمال.

في عام 2010، قامت الدول بإزالة حوالي 11 مليار طن من الرمال من أجل عمليات البناء فقط. وكانت معدلات الاستخراج أعلى في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، تليها أوروبا وأمريكا الشمالية. في الولايات المتحدة وحدها، بلغت قيمة إنتاج واستخدام رمال البناء والحصى 8.9 مليار دولار أمريكي في عام 2016، وارتفع الإنتاج بنسبة 24% في السنوات الخمس الماضية.

وعلاوة على ذلك، وجد الفريق البحثي أن هذه الأرقام تقلل من شأن عملية استخراج الرمال واستخدامها على نطاق عالمي، فالأرقام الفعلية لكافة الاستخدامات أكثر من هذا بكثير، ووفقًا للوكالات الحكومية، فإن حفظ السجلات غير المتكافئ في العديد من البلدان قد يخفي معدلات الاستخراج الحقيقية. الإحصاءات الرسمية على نطاق واسع تشمل الإبلاغ عن استخدام الرمل وعادة لا تشمل الأغراض الأخرى غير البناء مثل التكسير الهيدروليكي وتغذية الشواطئ.

الرمال تقليديًا كانت منتجًا محليًا لكل الدول. ومع ذلك، فإن النقص الإقليمي وحظر استخراج الرمل في بعض البلدان يحوله إلى سلعة عالمية. وارتفعت قيمته التجارية الدولية ارتفاعًا فادحًا في السنوات الأخيرة، إذ زادت بمقدار ستة أضعاف تقريبًا في السنوات الـ25 الماضية.

الأرباح من تعدين الرمال كثيرًا ما تشكل حافزًا للاستغلال. وردًا على العنف المتفشي الناجم عن المنافسة على الرمال، قامت حكومة هونج كونج باحتكار الدولة لتعدين الرمال والتجارة فى أوائل عام 1900 واستمرت حتى عام 1981. وتجري جماعات الجريمة المنظمة اليوم في الهند وإيطاليا وأماكن أخرى تجارة غير مشروعة تخص التربة والرمال.

وقد أدت واردات سنغافورة الرملية الكبيرة إلى نزاعات مع كل من إندونيسيا وماليزيا وكمبوديا.

تعدين الرمال يضر بالبشر والبيئة

وتظهر النتائج السلبية للاستغلال المفرط للرمال في المناطق الأكثر فقرًا حيث يتم استخراج الرمال. ويؤدي استخراج الرمال على نطاق واسع إلى تغيير في الأنهار والنظم الإيكولوجية الساحلية، ويزيد من الرواسب العالقة والتآكل.

وتبين البحوث أن عمليات استخراج الرمل تؤثر على العديد من أنواع الحيوانات، بما في ذلك الأسماك والدلافين والقشريات والتماسيح. على سبيل المثال، فإن تمساح الغريال (الاسم العلمي: غافياليس غانجيتيكوس) – وهو أحد أنواع التماسيح المهددة بالانقراض والتي توجد في أنظمة الأنهار الآسيوية – مهدد بشكل متزايد نتيجة تعدين الرمل، الذي يدمر الضفاف الرملية التي تجد التماسيح فيها الدفء.

كما أن لتعدين الرمال آثارًا خطيرة على سبل معيشة الناس. فالشواطئ والأراضي الرطبة تمثل عوازل للمجتمعات الساحلية ضد ارتفاع منسوب البحار. وتزايد التعرية الناجم عن التعدين المكثف يجعل هذه المجتمعات أكثر عرضة للفيضانات والعواصف.

وخلص تقرير صدر مؤخرًا عن شبكة سلامة المياه، إلى أن تعدين الرمال أدى إلى تفاقم آثار تسونامي في المحيط الهندي في سري لانكا في عام 2004. وفي دلتا نهر ميكونغ، يؤدي استخراج الرمال إلى تقليل إمدادات الرواسب بشكل كبير مثله مثل بناء السدود، مما يهدد استدامة الدلتا. كما أنه من المحتمل أن يعزز تسرب المياه المالحة خلال موسم الجفاف، مما يهدد أمن المجتمعات المحلية الغذائي.

أما الآثار الصحية المحتملة الناجمة عن استخراج الرمال فهي ضعيفة ولكنها تستحق مزيدًا من الدراسة. وتؤدي أنشطة الاستخراج إلى إنشاء مجمعات دائمة جديدة من المياه يمكن أن تصبح مواقع تكاثر للبعوض الذي يحمل الملاريا.

منع المأساة

وتزداد التغطية الإعلامية لهذه المسألة بفضل العمل الذي تقوم به منظمات مثل برنامج الأمم المتحدة للبيئة، ولكن نطاق المشكلة لا يحظى بتقدير واسع النطاق، وعلى الرغم من الطلب الهائل، نادرًا ما تعالج الاستدامة الرملية في منتديات البحث العلمي والسياسات العالمية.

ومما لا شك فيه أن تعقد هذه المشكلة يشكل عاملًا مهمًا نحو الحل. الرمل هو مورد مشترك مفتوح للجميع، من السهل الحصول عليها ويصعب تنظيم عملية جمعه، ونتيجة لذلك، لا نعرف سوى القليل عن التكاليف العالمية الحقيقية لاستخراج الرمال واستهلاكها.

وسيزداد الطلب مع استمرار التوسع في المناطق الحضرية وارتفاع منسوب مياه البحر. وتعزز الاتفاقات الدولية الرئيسية مثل خطة التنمية المستدامة لعام 2030، واتفاقية التنوع البيولوجي، التوزيع المسؤول للموارد الطبيعية، ولكن لا توجد اتفاقيات دولية لتنظيم استخراج الرمل واستخدامه وتجارته.

لذلك يعتقد الباحثون أن المجتمع الدولي بحاجة إلى وضع استراتيجية عالمية لإدارة الرمال، إلى جانب تجديد مخزون الرمال العالمي والإقليمي. ربما يكون حان الوقت لمعالجة الرمل باعتباره موردًا، على قدم المساواة مع الهواء النقي والتنوع البيولوجي والموارد الطبيعية الأخرى التي تسعى الدول لإدارتها للمستقبل.