كثير منا شاهد أو سمع عن العاصفة رملية ضخمة تجتاح الصحاري المختلفة، وهو ما يلاحظه كثير ممكن يعيش في شبه الجزيرة العربية كجبال من الرمال التي تضرب بعض المدن، وتصل إلى حد تحويل النهار إلى ليل مع اختفاء أشعة الشمس. لكن هل تتخيل وجود عاصفة رملية عملاقة تحاول عبور محيط كامل لتصل إلى الطرف الآخر له؟ يبدو الأمر غريبًا، لكن هذا الأمر يحدث بالفعل كل عام.

عاصفة رملية غير مسبوقة.. السحب الرملية فوق المحيط الأطلسي

هناك ظاهرة غريبة تحدث باستمرار اسمها «السحب الرملية» أو (Sahara Dust Plume)، وهي أشبه بعاصفة رملية. تحدث هذه الظاهرة عندما تلتقط الرياح عالية السرعة جزيئات جافة صغيرة جدًا من سطح الأرض وتحملها لمسافات طويلة. في كل صيف، تنتقل أعمدة الغبار من الصحراء الأفريقية عبر المحيط الأطلسي تجاه الأمريكتين.

عادة ما تغرق هذه السحب الرملية في المحيط قبل الوصول إلى الطرف الآخر لليابسة، لكن يبدو أن هذا الصيف الأمر مختلف. فسحابة الغبار العملاقة التي تكونت هذه الأيام، والتي بدأت بعبور الأطلسي، يبدو أنها في طريقها بشكل مباشر إلى أمريكا هذه المرة. هذه هي السحابة الأضخم المسجلة في التاريخ، فهي عاصفة رملية لم يسبق لها مثيل.

كانت عيون الأقمار الصناعية حريصة على مراقبة السحابة أثناء نشأتها وتطورها في الصحراء الكبرى الأفريقية وتوجهها إلى البحر. وتتبع كل من القمر الصناعي «كوبرنيكوس سنتينل» و«إيولوس» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية تقدم السحابة البرتقالية، التي كانت ضخمة جدًا، لدرجة أن الباحثين أطلقوا عليها لقب غودزيللا (Godzilla)، في إشارة إلى الكائن الخرافي العملاق الذي ظهر في الأفلام اليابانية والأمريكية.

وعلى مدى أقل من شهر، وصلت السحابة المثيرة للتعجب إلى منطقة البحر الكاريبي وأمريكا الجنوبية والولايات المتحدة من موقعها الأول في الصحراء الكبرى. وتظهر صور وكالة الفضاء الأوروبية سحابة الغبار فوق كابو فيردي، وهي جزيرة ودولة قبالة الساحل الغربي لأفريقيا، وفوق كوبا في منطقة البحر الكاريبي.

ما هي ظاهرة طبقة الهواء الصحراوية؟

الاسم العلمي لهذه السحابة هو طبقة «الهواء الصحراوية (SAL)». وتتكون هذه الظاهرة بين أواخر الربيع وأوائل الخريف من كل عام. وتنشأ نتيجة التقاط الرياح السطحية القوية لحبات الغبار، والتي تحملها في الهواء نحو المحيط الأطلسي. وإذا كانت الظروف مناسبة، يمكن نقل الغبار إلى أعلى طبقة التروبوسفير (الطبقة الجوية السفلى الملاصقة للأرض، والتي يدخل فيها كل المرتفعات فوق سطح الأرض بما في ذلك أعلى قمم الجبال).

علوم

منذ شهرين
غابات الأمازون.. من هنا قد يأتي الوباء القادم

عند الصعود إلى حدود طبقة التروبوسفير، يمكن لهذه الحبات من الغبار الانتقال إلى منطقة البحر الكاريبي أو الولايات المتحدة، في تصل إلى 8 آلاف كيلومتر تقريبًا. وتعود سجلات هذه السحب الرملية إلى حوالي 20 عامًا، وتعتبر السحابة المتكونة هذا العام هي أكبر السحب المسجلة.

ومن الشائع في بعض الأحيان أن تصل سحابة الغبار هذا إلى الولايات المتحدة، ولكن حجم السحابة الحالية كبير للغاية عن المعتاد. إذ يبلغ حجمها مساحة 48 ولاية أمريكية. وتقول «الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA)»: «إن السحابة أكبر بنحو 60 إلى 70% من المتوسط»، وتوضح صور الأقمار الصناعية أن معظم الغبار كان على ارتفاع ثلاثة إلى ستة كيلومتر فوق سطح الأرض.

فوائد غير متوقعة لسحب الغبار

على الرغم من أن ظهوره في صور الأقمار الصناعية يعد أمرًا مثيرًا للدهشة، إلا أن سحب الغبار هذه قد تحمل في الواقع أخبارًا جيدة. وفقًا «للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA)»، يمكن لهذه السحب أن تمنع تكوين الأعاصير. ويمكنها أيضًا منع تلك الأعاصير التي ستتشكل بالفعل من أن تصبح أكثر قوة وتدميرية.

ويعد الغبار أيضًا مصدر غذائي مهم للعوالق النباتية، وهي نباتات بحرية صغيرة تطفو بالقرب من سطح المحيط. والعوالق النباتية نفسها هي جزء بالغ الأهمية في سلاسل الغذاء على كوكب الأرض، حيث توفر العوالق النباتية الغذاء للحيوانات في أعلى السلسلة الغذائية. العوالق النباتية هي أيضًا كائنات تعمل من خلال عملية البناء الضوئي، وهو ما يعني أنها تنتج غاز الأكسجين الحيوي للمحيطات والحياة التي توجد في باطنه.

تقوم هذه السحب أيضًا بتجديد العناصر الغذائية في مناطق بعيدة عن مصدر تكونها، مثل غابات الأمازون المطيرة. إذ يمكن أن تؤدي الأمطار الغزيرة والمتكررة في غابات الأمازون إلى استنفاد العناصر الغذائية الأساسية. وبدون سحب الغبار هذه، من المحتمل ألا يظهر مثل هذا التنوع البيولوجي المذهل في غابات الأمازون، وقد لا يكون لديه سلسال غذائية معقدة مثلما يوجد حاليًا.

وحتى نعرف مقدار التنوع البيولوجي الذي لا يوجد مثيل له على هذا الكوكب في منطقة واحدة، يكفي أن نعرف أنه يعيش واحد من كل 10 من الأنواع المعروفة في العالم، في غابات الأمازون المطيرة. هذا يشكل أكبر مجموعة من النباتات الحية والأنواع الحيوانية في العالم.

ظاهريًا، وبعد وصول هذه السحب العملاقة إلى شواطىء الكاريبي أو الولايات المتحدة، فإنه بالنسبة للعديد من الأشخاص في مسار حركة السحب، سيتذكر هؤلاء دائمًا غروب الشمس، إذ أنه مع كل هذا الغبار في الهواء، سيبدو غروب وشروق الشمس كلوحة مذهلة وغير مألوفة.

كل هذه الأنباء الجيدة لا تعني عدم وجود أنباء سيئة مرتبطة بسحب الغبار. إذ يمكن أن يتسبب الضباب الناجم عن الغبار المعلق في التلاعب سلبًا بجودة الهواء، ويمكن أن يشكل خطرًا على الصحة، خاصةً للأشخاص الذين يعانون من حالات صحية مزمنة، مثل الربو. ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن السفر الطويل لهذا الغبار جعل الجسيمات الكبيرة منه تسقط على الأرض، لتتبقى الجسيمات الصغيرة، التي هي الأكثر خطورة على صحة الإنسان.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد