رجل سمين عجوز لكنه طيب ونشيط، يرتدي بذلة حمراء وله لحية بيضاء، يعرفه الجميع من حول العالم بأنه الرجل الغريب الوحيد المسموح له بدخول المنزل دون أن يطرق على الباب، ودون أن يستقبله أحد، يحاول الأطفال جاهدين أن يكونوا جيدين ويطيعون الأوامر حتى يعطيهم هدايا من جواله الكبير الذي يتنقل به محمولًا على ظهره، أنه أبو عيد الميلاد، بابا نويل في الفرنسية والبرتغالية أو سانتا كلوز في أمريكا.

القديس نيقولا.. نصير الأطفال والفقراء

لم يكن دومًا «سانتا كلوز» يحمل هذا الاسم، لكنه في الأصل حمل اسم القديس نيقولا أو «سان نيكولاس»، ولهذا قصة بدأت في نهايات القرن الثالث الميلادي، بميلاد «نيكولاس» أو من سيصبح لاحقًا القديس نيكولاس، في مدينة «باتارا» التي أصبحت لاحقًا دولة «تركيا». كان القديس نيقولا غنيًا فقد ورث ثروة طائلة عن والديه، لكنه في نفس الوقت كان مشهورًا بعطفه على الفقراء خاصةً الأطفال منهم، فنُسجت حوله الحكايات الكثيرة.

من كثرة الحكايات التي تناقلها الناس حول هذا القديس، لم يعد يعرف أيها حقيقي وأيها خيالي، ولكن يُعتقد أن لكل القصص أصلًا حقيقيًّا حتى وإن أضاف العامة الكثير من الخيال إليها، وبعضها شهير للغاية ويُعد حجر أساس فيما ستتحول إليه سيرة هذا القديس فيما بعد.

القديس نيكولا – المصدر: ويكيميديا

يُحكى عن القديس نيكولاس أنه علم بحالة الفقر الشديدة لأب له ثلاث بنات، فقرر من شدة فقره بيع بناته لممارسة البغاء أو للعبودية، فتسلل القديس نيقولا إلى سطح منزلهم ومعه ثلاثة أجولة محملة بالذهب، وأسقط الأجولة الثلاثة من مدخنة المنزل، موفرًا للأسرة مبلغًا من المال يحمي البنات من المستقبل المظلم ويساعدهم على الزواج.

طيلة حياته وحتى وفاته في عام غير معلوم على وجه التحديد، أصبح القديس نيقولا هو نصير الأطفال والفقراء، ورغم أنه عاش أغلب حياته بالقرب من مدينة «ميرا» قريبًا من محل ولادته، إلا أن شهرته جابت أوروبا، حتى أن يوم وفاته 6 ديسمبر (كانون الأول) يتبارك به كل من الكاثوليك والأورذوكس الشرقيين رغم ما بينهما من خلافات، وينتظرون هذا اليوم لإبرام الصفقات الكبرى وإتمام عقود الزواج. 

حتى بعد موجات الإصلاح البروتستانتي التي أدت إلى الحد من إضفاء حالة القدسية على القديسين القدامى، لم يخفت بريق القديس نيقولا؛ وظل الكثيرون عبر أوروبا يقدّسونه، خاصةً في البلاد الشمالية، حيث امتزجت حكايات القديس الطيب بالحواديت الشعبية عن الجان والأقزام وعربات السماء.

انتقال بابا نويل من أوروبا إلى أمريكا

مع اكتشاف أمريكا وبدء هجرة الأوروبيين إلى الأرض الجديدة، أسس الهولنديون مستعمرة مدينة نيويورك والتي أطلقوا عليها اسم نيو أمستردام في البداية تيمنًا بعاصمتهم الأصلية، وجعلوا من القديس نيقولا الراعي غير الرسمي للمدينة، وكانو يلقّبونه بلغتهم «سينتر كلاس» أو «Sinterklaas» والذي تحوّل لاحقًا بالإنجليزية إلى «سانتا كلوز».

من غير المعروف كيف تحول الاحتفاء والتبارك ببابا نويل من 6 ديسمبر إلى يوم 25 من الشهر نفسه في خلال قرنين من الزمان، فلا توجد أوراق تسجل ما حدث؛ نظرًا لأن هذه الاحتفالات كان يقيمها العامة الذين لا يهتمون عادة لمثل هذه الأمور، لكن يُعتقد أن هناك عاملان رئيسيان في هذا التغيير.

Embed from Getty Images

 أولهما هو استخدام التقويم الجريجوري بدلًا من التقويم اليولياني، وهو ما جعل الناس يفقدون حوالي 10 أيام كاملة. العامل الثاني سياسي، فقد كان القديس نيقولا هو راعي المجتمع الهولندي في مواجهة القديس جورج الذي اتخذه المجتمع البريطاني راعيًا لهم، وقد يكون هذا الصراع السياسي والثقافي بين المجتمعين هو ما دفع نحو الاقتران بين الاحتفال ببايا نويل والاحتفال بأعياد الميلاد، باعتبارها المناسبة الدينية الأبرز في البلاد.

لم يخرج الاحتفاء بالقديس نيقولا خارج مدينة الهولنديين إلا في عام 1809 على يد القاص الأمريكي «واشنطن إيرفينج» الذي ذكره في كتابه الساخر «تاريخ نيويورك: منذ بداية العالم وحتى نهاية الحقبة الهولندية»، والذي صوّر فيه القديس نيقولا طائرًا داخل عربة في السماء ملقيًا بالهدايا داخل المداخن.

عاد القديس نيقولا إلى الظهور مجددًا في الكتب عام 1823، لكن هذه المرة في قصيدة تحمل اسمه «زيارة من القديس نيقولا» كتبها الشاعر «كليمينت كلارك مور»، وفيها أعطى للقديس نيقولا مزلجة بدلًا من العربة، وثماني حيوانات رنة تجر مزلجته. 

كوكا كولا وشكل «سانتا كلوز» الباقي إلى اليوم

يعتقد الكثيرون عند علمهم أن شركة المشروبات الغازية «كوكا كولا» هي التي أرست الشكل المتعارف عليه الحالي لبابا نويل، أنها ألبسته اللون الأحمر لأنه اللون المميز لشعار الشركة، لكن في الحقيقة فإن المصمم الأمريكي «هادون سوندبلوم» الذي استعانت به الشركة عام 1931 ليضع تصميمات الحملة الدعائية التي يظهر فيها «بابا نويل» بشكل دافئ وحميمي وأقرب للناس، لجأ إلى مصدرين كي يساعداه للوصول لمظهر سانتا كلوز الذي يطمح إليه، الأول هو قصيدة «زيارة من القديس نيقولا» التي أشرنا إليه سابقًا، والآخر هو رسومات رسّام الكاركاتير الأمريكي «توماس ناست».

في ستينيات القرن التاسع عشر، رسم «توماس» ولأول مرة صورة واضحة لسانتا كلوز، وهي الصورة التي نُشرت في جريدة هاربر الأسبوعية، ولاقى رسمه نجاحًا فداوم على رسم شخصية القديس نيقولا أو سانتا كلوز لمدة 30 عامًا تلت، دقق «توماس» فيها في تفاصيل شخصيته، أضاف وحذف حتى أصبحت الشخصية مشابهة كثيرًا للصورة التي أصبحنا نعرفها اليوم، لكنه لم يرتد الزي الأحمر دومًا، ويُعتقد أن «توماس» هو من جعل القطب الجنوبي موطنًا لسانتا كلوز، وليس تركيا ولا هولندا ولا حتى الولايات المتحدة.

استعارت شركة «كوكا كولا» رسومات «توماس» في حملاتها الدعائية الأولى في عشرينيات القرن الماضي دون أن تتدخل فيها، لكن بعد نجاح هذه الحملات قررت الشركة تصميم نسختها الخاصة من «سانتا كلوز»، وحينها قررت الاستعانة بالمصمم «هادون سوندبلوم»، والذي من أجل تحقيق رؤيته في إظهار شخصية «سانتا» بشكل أكثر واقعية وطيبة، اتخذ صديقه «لو برينتس» موديلًا ليرسمه في شخصية سانتا، كان نجاح «هادون» مدويًا حتى أنه استمر في رسم «سانتا» للملصقات الدعائية للشركة حتى عام 1964.

تاريخ

منذ سنة واحدة
بدأت عادةً وثنية وصارت رمزًا للسنة الجديدة.. تاريخ شجرة «الكريسماس»

رحلة طويلة لسانتا كلوز امتدت لما يزيد عن 15 قرنًا، بدأت بكونه قديسًا مباركًا يساعد الفقراء وتُنسج من حوله الأساطير، ثم تحوّل إلى رمز سياسي واستُغل بعدها اقتصاديًا، ولكن طوال هذه الرحلة الشاقة، لم يخفق القديس نيقولا أو سانتا كلوز عن إدخال البهجة للقلوب.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد