يطلق عليها البعض «بطلة نيللي»، ويصفها البعض الآخر بالمرأة التي حاربت الإمبراطورية العثمانية. إنها سارة آرنسون، الناشطة الصهيونية، التي شكلت وإخوتها شبكة جاسوسية تسمى «نيللي»، عملت لحساب المخابرات البريطانية، وسرَّبت معلومات إلى الإنجليز في الحرب العالمية الأولى، ساعدتهم على هزيمة الأتراك في المعارك. فمن هي، وما قصة بناء هذا التنظيم؟ وكيف جرت إدارة شبكة التجسس تلك؟ هذا ما نتناوله في السطور التالية.

آرونسون.. عائلة الجواسيس

ولدت سارة آرونسون في عام 1890 في مستوطنة زخرون يعقوب الزراعية، التي تعد من أقدم المستوطنات الصهيونية في فلسطين، وتحل محل قرية زمازين الفلسطينية. ونشأت سارة في عائلة رائدة من كبار رموز الحركة الصهيونية، الذين هاجروا إلى فلسطين. وذلك بعد أن غادر والدها إفرايم آرونسون، ووالدتها مالكا، موطنهم رومانيا، واستقروا في فلسطين، التي كانت تابعة لأراضي الدولة العثمانية.

وقد جاء آرونسون إلى زمازين، بعد أن ابتاعت المؤسسات الصهيونية أراضيها من بعض الإقطاعيين، وأقام عدة مشاريع استثمارية هامة. وقد ساعدت عائلة آرونسون في تأسيس مستوطنة زخرون يعقوب الزراعية، عبر الاستثمار والعمل في الزراعة، حتى أصبحوا من المزارعين الأثرياء.

عائلة الصهيونية سارة أورانسون
عائلة آرونسون. المصدر: Wikimedia Commons

واستقرت العائلة في المستوطنة، وأنجبت خمسة أبناء كان من أبرزهم الثلاثي آرون، وألكساندر، وسارة، التي ولدت في جو من العمل والتخطيط لتنفيذ رؤية مستقبلية لإقامة دولة صهيونية مستقلة، تكون ملجأً لليهود المضطهدين في جميع أنحاء العالم، حسب المعتقدات التي تروج لها الصهيونية.

وكان الأبناء الثلاثة أهم جواسيس الحركة الصهيونية في فلسطين، وسوريا، ولبنان، ومصر، وغيرها. وقد شكلوا معًا شبكة التجسس اليهودية «نيللي»، التي اخترقت أركان الإمبراطورية العثمانية، وأمدت الصهيونية بمعلومات شديدة الحساسية. واستطاعت الحركة الصهيونية بفضلها ترسيخ أقدامها في فلسطين، تمهيدًا للمرحلة التالية في سباقها المحموم لإقامة دولة إسرائيل.

اغتيالات غامضة تحمل بصمتها.. هكذا تعمل قوات إسرائيل الخاصة في الدول العربية

«نيللي».. شبكة تجسس صهيونية برعاية بريطانية

في بداية عام 1888 كانت الجهات الصهيونية قد باشرت اتصالاتها ومناقشاتها مع أطراف عديدة؛ لتأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين. وقد عملت الحركة الصهيونية العالمية على إرسال بعثات؛ لاستكشاف المنطقة العربية في سبيل سعيها لتحقيق حلم الدولة اليهودية.

كان من بين المساعي الصهيونية التي عملت بخفاء في سبيل ذلك، شبكة جواسيس «نيللي» التي كانت منظمة تجسس يهودية سرية موالية لبريطانيا، وتمارس أعمالها في أراضي الإمبراطورية العثمانية. وقد جرى تسخيرها لمساعدة بريطانيا في حروبها ضد الأتراك، وإنهاء الحكم العثماني في فلسطين؛ من أجل تحقيق الحلم الصهيوني. وتُعد «نيللي» اختصارًا للأحرف الأولى لعبارة وردت في التوراة تقول: «إن إله إسرائيل لا يكذب أبدًا»، وكانت بمثابة كلمة المرور الخاصة بها.

آرون آرونسون، عالم الهندسة الزراعية المعروف كأحد كبار علماء النبات في العالم، والذي اكتشف في عام 1906، نوعًا من القمح المقاوم للطقس، يمكنه تحمل أقسى الظروف المناخية، وكان اكتشافًا هامًا في الزراعة الفلسطينية، أكسبه شهرة واسعة، وكان الأتراك يطلقون عليه لقب «الشيطان»؛ بسبب طاقته وحماسه الشديد في العمل؛ واحدًا من أكبر زعماء ذلك التنظيم.

آرون آرونسون. المصدر: wikipedia

وعلى الجانب الآخر، استغل آرون اختصاصه في خدمة الجاسوسية الصهيونية، إذ أنشأ معملًا زراعيًا بدعم من منظمة يهودية أمريكية ووزارة الزراعة الأمريكية، اتخذ منه قاعدة لإدارة شعبة الاستخبارات في فلسطين، حيث أجرى أبحاثًا في مجال الزراعة الجافة. وقد قدمت تلك الأبحاث الزراعية الغطاء لآرون، وسمحت له بالتنقل بحرية في جميع أنحاء البلاد.

مثال على ذلك، عندما استدعى جمال باشا، حاكم سوريا الكبرى التي كانت تضم حينها سوريا والأردن وفلسطين ولبنان، العالم اليهودي الشاب آرون آرونسون، وعينه مسؤلًا عن مكافحة غزو الجراد الذي هاجم القرى الفلسطينية والسورية، وقضى على الأخضر واليابس، في مارس (آذار) عام 1915. وأعطى جمال باشا آرون خطابًا شخصيًا منه، يمنحه بعض السلطات فوق الجيش العثماني.

واستغل آرون عمله في حملة مكافحة الجراد، التي جاب خلالها فلسطين بأكملها، واستمرت طوال عام 1915، في التعرف على طبيعة الأرض والزراعة في فلسطين، علاوة على أماكن تجمعات الجيش العثماني وتحصيناته، تحت ستار تنظيم حملات ضد غزو الجراد.

شبكة «نيللي».. وهزيمة بئر سبع

أعطى آرون أخيه اليكس جميع التقارير التي كتبها عن أوضاع الجيش العثماني في فلسطين، وتمكن أليكس من السفر إلى مصر وإيصال تلك التقارير إلى المخابرات الحربية البريطانية في القاهرة. وكانت تلك التقارير بمثابة الكنز الذي وقع في أيدي الإنجليز؛ إذ كشفت لهم أماكن تجمعات الجيش التركي. فضلًا عن ذلك كشفت تقارير آرون للإنجليز أن طريق «العريش-غزة» ليس الطريق الوحيد لدخول فلسطين.

كان الجيش البريطاني بقيادة الجنرال اللنبي في مصر، يحاول اقتحام فلسطين عن طريق دخول غزة. وقد حاول اللنبي مرتين دخول غزة عبر هجوم مباشر من بورسعيد، والعريش، ثم غزة. وفي كل مرة، كان يتمكن العثمانيون من التصدي له؛ إذ كانت تحصيناتهم في غزة قوية جدًا، ولم يكن يعلم الإنجليز إمكانية دخول فلسطين عن طريق بئر سبع في صحراء النقب.

أيضًا كان الإنجليز يخشون من أن تغرز العربات في رمال الصحراء، وألا يجدوا مصادر للمياه. لكن تقارير آرون أرونسون عن طبيعة الصحراء هناك، أوضحت لهم الأماكن التي يمكن أن تسير فيها العربات، بالإضافة إلى أماكن وجود المياه. ومكنت تلك التقارير حملة اللنبي من دخول بئر سبع، والالتفاف حول الجيش العثماني، ومحاصرته تمامًا، والهجوم من الخلف. وقد ساهمت تلك الهزيمة في تغيير الأوضاع السياسية في المنطقة، وإعادة تشكيل الشرق الأوسط، ومهدت الطريق لإقامة دولة إسرائيل بنهاية المطاف.

بعد ذلك، هرب آرون ووصل إلى لندن، حيث قابل السير مارك سايكس في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1916. ووصف آرون تلك المقابلة في مذكراته بالممتازة، إذ حدثه سايكس عن مشروع تغيير الشرق الأوسط، وإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وأن التعاون بين اليهود والعرب ضد الأتراك، سيكون أساس التقدم في الشرق الاوسط.

سارة آرونسون وفاينبرج. المصدر: Times of Israel

خلال معظم عام 1917 بقي آرون حلقة اتصال، في حين شكلت شقيقته سارة، وشقيقه ألكسندر، وصديقه المقرب أبشالوم فاينبرج، إلى جانب يوسف ليشانسكي جوهر منظمة التجسس، وشارك معهم أكثر من 20 آخرين. وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، تلقى آرون دعوة لحضور «مؤتمر فرساي». وخلال رحلته إلى حضور المؤتمر؛ من أجل الدعاية للقضية الصهيونية، توفي في حادث الطائرة التي كانت تنقله، في15 مايو (أيار) عام 1919، بعد أن قدم خدمات جليلة للصهيونية وبريطانيا معًا.

المرأة التي هزت عرش الإمبراطورية العثمانية

عندما نشبت الحرب العالمية في عام 1914، كانت سارة آرونسون في الرابعة والعشرين من عمرها، ذات جمال فتان، تجيد اللغات الفرنسية، والألمانية، والإيطالية، والعبرية، والعربية. وعملت مساعدة لشقيقها آرون في معمله الزراعي في عتليت، الذي كان أحد المقرات الرئيسة لشبكة التجسس، تحت غطاء مختبر للأبحاث النباتية. وتولت سارة العمل الرئيسي في إدارة الشبكة، التي تولت قیادتها میدانیًا في فلسطین، بينما تولى آرون القيادة المركزية من القاھرة. وعملت على إنشاء شبكات خاصة في القدس، وبيروت، وحلب، ويافا، وحيفا.

في بيروت، تعرفت سارة على جمال باشا، حاكم سوريا الكبرى ووزير حربية الإمبراطورية العثمانية وقائد جيشها الرابع، الذي سلبه جمالها وثقافتها ومعارفها الواسعة، ومنذ ذلك الحين أصبحت عشيقته الأثيرة. وقد استغلت سارة حَظوتها لدى الباشا في تسهيل إدارة شبكتها التجسسية، وتمكنت من معرفة جميع تحركات الباشا، والاطلاع على كافة خططه الحربية، ونقلها إلى القيادة الإنجليزية.

كذلك وزعت سارة الفتيات اليهوديات الجميلات على أشهر فنادق دمشق، وبيروت، والقدس، وغيرها من المدن، التي تواجدت فيها المقرات العسكرية التركية والألمانية؛ بهدف اصطياد الضباط والحصول على خطط العمليات العسكرية الهامة، التي كان يخطط الأتراك والألمان للقيام بها في حربهم ضد الإنجليز.

وكان أعضاء شبكة «نيللي» يتواصلون فيما بينهم عبر أضواء الإشارة مع سفينة حربية بريطانية صغيرة، ترسو قبالة ساحل عتليت. وبعد أن توقفت السفينة عن القدوم، استخدم الجواسيس الحمام الزاجل، وبهذه الطريقة تمكنوا من تزويد الجنرال اللنبي، بمعلومات عن بئر السبع، وصحراء النقب، إلى جانب تفاصيل حول أنماط الطقس، والتحصينات التركية، وتحركات القوات، والسكك الحديدية، والطرق الصحراوية، ومواقع مصادر المياه استعدادًا لشن هجوم بريطاني مفاجئ. كذلك، كانت التقارير حول تحركات وخطط القوات التركية في حملة قناة السويس، قد وصلت إلى مركز حيفا في فلسطين، ومنه إلى الإنجليز.

وهكذا كان لسارة، التي أطلق عليها فيما بعد لقب «بطلة نيللي»، ووصفتها بعض الأدبيات التاريخية بالمرأة التي حاربت الإمبراطورية العثمانية، دورًا كبيرًا وراء الضربات العسكرية القاسية، التي تلقتها قوات الإمبراطورية العثمانية، والهزائم المتتالية التي راح ضحيتها آلاف الجنود العرب والألمان.

تركة الرجل المريض

في مطلع الحرب العالمية الأولى، تقاطعت المصالح الصهيونية مع مصالح بريطانيا فيما يخص الدولة العثمانية؛ إذ هدفت الصهيونية إلى إنشاء دولة يهودية على أرض فلسطين، تكون القدس عاصمة لها. وعلى الجانب الآخر، كانت بريطانيا تخطط مع دول الحلفاء للقضاء على الدولة العثمانية، والاستيلاء على أراضيها، وإعادة الأتراك للانحسار في حدود أراضي تركيا.

مع بداية عام 1918 بدأت الإمبراطورية العثمانية بالتمزق، ووصلت إلى ما أطلقت عليه الأدبيات السياسية في تلك الفترة «تركة الرجل المريض»، في إشارة للضعف الذي أصابها، وجعلها مطمعًا للدول الغربية في اقتسام أراضيها فيما بينهم. كذلك، استطاع الإنجليز خداع العرب بأحلام الاستقلال، والعبث بأفكارهم، وزرع الانشقاقات بينهم، وشحنهم بالكراهية تجاه الأتراك؛ من أجل الثورة عليهم والوقوف مع بريطانيا ضد الحكم العثماني في بلادهم.

Embed from Getty Images

جمال باشا

تجلى ذلك عندما أخذ البريطانيون يحاولون استمالة «حركة التحرر القومي العربي»، وإغراءها بالوعود التي كالوها لشريف حسين بتوليته ملكًا على الأراضي العربية، التي ستتحرر مما وُصف بالاستعمار العثماني. وأيضًا عبر إرسال مستشارين مختلفين، من بينهم  «لورنس العرب»، الذي تبين لاحقًا أنه يهودي بريطاني يعمل في شبكة تجسس بريطانية صهيونية عالية المستوى.

وفي نهايات الحرب العالمية الثانية عام 1948، نجحت الصهيونية في تحقيق حلمها، ونشأت دولة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية المحتلة.

نشأة «الموساد» على أنقاض «نيللي»

في سبتمبر (أيلول) عام 1917 أمسك الجنود العثمانيون بحمام زاجل مربوط في قدمه رسالة مشفرة. لاحقًا، تمكن الأتراك من فك رموز الشفرة المعقدة، والتي أكدت شكوكهم التي طال أمدها، بوجود خونة في فلسطين ينقلون معلومات قيمة إلى أعدائهم.

وإثر ذلك؛ شنت القوات التركية حملة اعتقالات واسعة شملت عددًا من المشتبه بهم. وعندما علمت سارة بالحملة، أمرت أعضاء «نيللي» بالتفرق، ما سمح للعديد منهم بالهرب، في حين بقيت هي في منزلها للحفاظ على مظهر الحياة الطبيعية. وفي الخامس من أكتوبر عام 1917، حاصرت السلطات العثمانية مستوطنة زخرون يعقوب، وألقت القبض على سارة ووالدها وأختها.

وتعرضت سارة للتعذيب لبضعة أيام خلال التحقيق معها، ولكنها لم تكشف عن أي شيء مطلقًا، ثم انتحرت عن طريق إطلاق النار على نفسها؛ حتى لا تموت على أيدي من وصفتهم بأعدائها. لكن الرصاصة أصابت حبلها الشوكي بدلًا عن ذلك، وتركتها مستلقية في حالة من الشلل، حتى توفيت صباحًا في التاسع من أكتوبر.

وواحدًا تلو الآخر بدأت مجموعة الجواسيس تنكشف ويلقى بالقبض عليهم، واستسلم البعض الآخر تحت ضغوط التعذيب. وقد لقى أبشالوم فاينبرج حتفه إثر إطلاق أحد البدو النار عليه فيما كان يحاول عبور سيناء إلى مصر. كذلك، ألقى الأتراك القبض على نعمان بلكيند الذي أفضى بمعلومات عن التنظيم، ثم أُعدم في دمشق، إلى جانب يوسف ليشانسكي، الذي شُنق في الميدان العام.

بحلول نهاية العام، كان البريطانيون قد حققوا انتصارات عسكرية كبرى في فلسطين. وقد قال الجنرال جورج ماكدونو، رئيس المخابرات العسكرية البريطانية في الشرق الأدنى، عن الدور الذي لعبته شبكة »نيللي»: «لقد عرف الجنرال اللنبي على وجه اليقين من مخابراته في فلسطين جميع تحركات العدو. وكانت جميع أوراق العدو مكشوفة له، وبالتالي كان بإمكانه أن يتحرك بثقة تامة. وفي ظل تلك الظروف، كان النصر مؤكدًا قبل له أن يبدأ».

ومع أن شبكة نيللي قد انتهى دورها، لكن عملھا كان الأساس الذي قام علیه لاحقًا جھاز «الموساد» الصھیوني، وانطلقت منه أجهزة المخابرات الإسرائيلية. وقد جرى افتتاح متحف مخصص لـ«نيللي» مؤخرًا، يعرض مئات الصور، والرسائل الأصلية، والتفسيرات، والديوراما، التي تشرح قصة حلقة التجسس اليهودية خلال الحرب العالمية الأولى.

«أدباء لكن جواسيس».. هؤلاء برعوا في الكتابة عن الجاسوسية لأنهم امتهنوها

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد