عاصمة أوروبية تحت حصار شديد لأكثر من ثلاثة أعوام، تفقد خلالها الآلاف من سكانها قتلى وجوعى، دون أن يحرك أحدٌ ساكنًا، لفك الحصار. قد تبدو العبارة السابقة نوعًا من الهذيان غير المعقول، أو المبالغات اللا منطقية، أو تبدو اجترارًا من تواريخ العصور الوسطى – عصور الظلام، كما يحلو للكثيرين تسميتها – أو حتى مآسي الحرب العالمية العظمى.

لكن كتاب التاريخ يشهد بأن مدينة سراييفو الوادعة، عاصمة دولة البوسنة والهرسك، الواقعة في قلب الركن الجنوبي الشرقي من القارة الأوروبية؛ قد تعرّضت لأطول حصارٍ في التاريخ الحديث، منذ ربع قرنٍ لا أكثر، تحت سمع وبصر أوروبا، والعالم. 

على مدار أعوامٍ أربعة، نقلت الكاميرات والشاشات، مشاهد الجثث والركام والدماء تملأ طرقات سراييفو، واعتادت الأعين على مرأى منازلها المحترقة في نشرات الأخبار يوميًّا. لم يتحرك العالم جديًّا لإنهاء المذبحة المفتوحة إلا بعد أن تخطى المعتدون أحلك كوابيس المتابعين، وارتكبوا مذبحة سربرينيتسا التي راح ضحيتها أكثر من 10 آلاف إنسان في ساعات. وبالطبع كان التدخل الدولي في الوقت الضائع، بعد أن قُتِل وهُجّرَ مئات الآلاف، وتعرضت أعداد تكاد لا تُحصى من النساء للاغتصاب ولمختلف الاعتداءات الوحشية.

والآن مع عودةٍ إجبارية إلى التاريخ.

من هنا بدأت الحكاية.. جذور المأساة البوسنية

تمثل البوسنة جزءًا من شبه جزيرة البلقان، التي تحتلّ المثلث الجنوبي الشرقي من قارة أوروبا. بدأ الوجود الإسلامي هناك مع الغزوات العثمانية في القرنيْن الرابع عشر، والخامس عشر الميلادييْن.

تمكّن العثمانيون من إحكام سيطرتهم على معظم مناطق شبه الجزيرة البلقانية لقرون، قبل أن تبدأ سلطتهم بالتزعزع في القرن التاسع عشر الميلادي، بالتزامن مع الضعف العام الذي اعترى الدولة، وبالفعل خرجت معظم أجزاء البلقان من السيطرة العثمانية، وفقدت بعضها، ومنها البوسنة، إلى الإمبراطورية النمساوية المنافسة، كذلك استقلَّت دولٌ مثل صربيا، وبلغاريا وغيرها، وبدأت النعرات القومية تجدُ لها متنفَّسًا كبيرًا في البلقان.

مقطع قصير عن الخلفية التاريخية ليوغوسلافيا:

 

عام 1914م، يغتال ناشط قومي صربي ولي عهد النمسا في أحد شوارع سراييفو عاصمة البوسنة، فيكون هذا الحدث الفاصل بداية سلسلة من التفاعلات المتصاعدة التي أدت آخر المطاف إلى اشتعال الحرب العالمية الأولى.

بعد الحرب، تشكلت مملكة يوغوسلافيا، والتي ضمَّت قطاعًا كبيرًا من شبه جزيرة البلقان، وخضعت فيها العديد من الشعوب لهيمنة العنصر الصربي. تعرضت يوغوسلافيا للغزو النازي إبان الحرب العالمية الثانية. أضاف النازيون جرحًا هائلًا للذاكرة اليوغوسلافية، عندما شكلوا حكومة قومية متطرفة في كرواتيا، موالية لهم، ارتكبت العديد من المذابح الانتقامية من الصرب.

قاد المقاومة ضد النازيين في البلقان، الكتائب الشيوعية بزعامة جوزيف تيتو، والذي أصبح القائد الأوحد ليوغوسلافيا بعد الانتصار في الحرب العالمية الثانية، والتحرر من الاحتلال النازي، فألغى الملكية، وحوَّل يوغوسلافيا إلى دولة شيوعية قومية. حاول تيتو اتخاذ طريقٍ وسط في سنواته الأولى فيما يتعلق بالحرب الباردة بين المعسكريْن الشرقي والغربي، لاسيما مع خلافاته الهائلة مع الزعيم السوفيتي ستالين، فتبنى تيتو ما يُعرَف بسياسة عدم الانحياز، وبدأ يحصل على مساعداتٍ اقتصادية من الغرب. لكنه بدأ يتصالح مجدّدًا مع السوفيت بعد رحيل خصمه ستالين. 

في سبعينيات القرن الماضي، عزّز تيتو من فيدرالية يوغوسلافيا، فأعطى مساحة أكبر من التأثير للأقاليم الأصغر مثل مقدونيا، والبوسنة والهرسك، وسلوفينيا، والجبل الأسود، على حساب صربيا الأكبر حجمًا، وكذلك كرواتيا. مما سمح ببداية تصاعد المشاعر القومية لدى شعوبها تدريجيًّا.

بعد وفاة القائد التاريخي جوزيف تيتو عام 1980م، ومع تفاقم الأزمات الاقتصادية والسياسية في يوغوسلافيا خلال حقبة الثمانينيات، ثم انهيار الاتحاد السوفيتي مطلع التسعينيات؛ بدأت النوازع الانفصالية تتنامى في أجزاءٍ عدة من البلقان، وبدأت القبضة الحديدية للحكومة المركزية في بلجراد تتراخى، ونجح القوميون في كافة الانتخابات الديمقراطية التي حدثت في الدول اليوغوسلافية غير الصربية مثل كرواتيا، والبوسنة، وسلوفينيا.

دولي

منذ سنة واحدة
مترجم: 24 عامًا على نهاية الحرب.. هذه الدولة ما زالت الألغام تحصد أرواح مواطنيها

انتُخب المفكر الشهير علي عزت بيجوفيتش، رئيسًا للبوسنة أواخر عام 1990م، وكان مناضلًا سياسيًّا سبق وأن قضى سنواتٍ عديدة في السجن لدفاعه عن الهوية الإسلامية، وحقوق المسلمين البوشناق في البوسنة. كان علي عزت يريد استقلال بلاده من الهيمنة الصربية داخل بيت يوغوسلافيا المتداعي. لكن البوسنة كانت قنبلة عرقية موقوتة.

في تعداد عام 1991، مثّل المسلمون البوشناق حوالي 45% من سكان البوسنة، بينما حلّ الصرب في المرتبة الثانية بحوالي الثلث، وجاء الكروات ثالثًا بأقل من 20%.  في أكتوبر (تشرين أول) 1991، أنشأ الصرب برلمان صرب البوسنة القومي في مدينة بانيالوكا (عاصمة جمهورية صرب البوسنة الحالية، الفيدرالية شبه المستقلة من البوسنة، والتي تشكَّلت بعد الحرب). بدأت كذلك المناطق البوسنية ذات الغالبية الصربية، تعلن الحكم الذاتي، خارج سلطة سراييفو العاصمة. وحذت حذوها بعض المناطق ذات الأغلبية الكرواتية.

شهد عام 1991م، إعلان كلٍّ من سلوفينيا وكرواتيا استقلالهما، مما أدى إلى صدام عسكري مروع، خاصة في المناطق الصربية في كرواتيا، لرغبة الصقور في بلجراد (عاصمة صربيا) بعدم السماح بانفراط عقد يوغوسلافيا، أو على الأقل توسيع نصيب صربيا من التركة اليوغوسلافية، بضم كل أرضٍ يوجد فيها الصرب في أراضي الدول المنشقة.

أواخر عام 1991م، اعترفت الدول الأوروبية باستقلال دولتيْ كرواتيا وسلوفينيا، وظنّ الرئيس البوسني أن الطريق أصبح ممهدًا أمام بلاده نحو الحصول على مثل هذا الاعتراف الدولي.

من الاستقلال إلى المذابح

عُقد الاستفتاء على استقلال البوسنة عن صربيا يوميْ 29 فبراير (شباط)، والأول من مارس (آذار) عام 1992، واستجابت الغالبية العظمى من الصرب لدعوة المقاطعة التي أصدرها زعيمهم رادوفان كاراديتش. شارك ثُلثا الناخبين البوسنيين في التصويت (الكل سوى الصرب)، وجاءت النتيجة نعم باكتساح. 

أعلن عزت بيجوفيتش استقلال بلاده في الثالث من مارس من العام نفسه، لكن لم تعترف الولايات المتحدة الأمريكية، والدول الأوروبية بهذا الاستقلال إلا يوم السابع من أبريل (نيسان) 1991، بينما كانت قذائف الصرب تنهمر على العاصمة.

«أنا أنذِرك! إنك تجرُّ البوسنة إلى الهاوية. المسلمون غيرُ مستعدين للحرب على الإطلاق، ولن يكون بمقدورهم الدفاع عن أنفسهم، وقد يواجهون شبح الإبادة»

هذا ما قاله رادوفان كاراديتش، زعيم صرب البوسنة، مهددًا به علي عزت بيجوفيتش تحت قبة البرلمان البوسني في جلسة 14 أكتوبر (تشرين الأول) 1991، بعد إصرار الأخير على استقلال البوسنة عن يوغوسلافيا.

وعلى مدار شهر مارس، تصاعد التوتر بين الصرب والمسلمين خاصة، سواءً على مستوى النخب السياسية والإعلامية، والتي تراشقت بالتهديدات والاتهامات،  وكذلك على مستوى عامة الناس. وحاول مسئولون أوروبيون ودوليون الترويج لتقسيم البوسنة أو على الأقل فدرلتِها (تحويلها لاتحاد فيدرالي)، لتفادي اندلاع حربٍ أهلية، لكن الملسمين رفضوا تلك المقترحات، وكانوا مُصرين على استقلال التراب البوسني كاملًا في دولةٍ متماسكة، وكذلك رفض الصرب الذين أصرُّوا على بقاء البوسنة ضمن أراضي صربيا العظمى.

وثائقي لشبكة «بي بي سي»، يتحدث عن اندلاع حرب البوسنة، وأحداثها الأولى:

في الخامس من أبريل من العام ذاته؛ خرج عشرات الآلاف من المتظاهرين – جلُّهم من المسلمين – إلى شوارع العاصمة البوسنية سراييفو، للمطالبة بإحلال السلام، وعدم انجرار البوسنة إلى التقسيم. حاول المتظاهرون اجتياح فندق الهوليداي إن، حيث مقر زعيم صرب البوسنة الراديكالي رادوفان كاراديتش، فأطلق قنّاصته النار على المتظاهرين، فأودت بحياة ستة منهم على الأقل.

تدخلت قوات الشرطة التي تأتمر بأوامر الرئيس بيجوفيتش، واقتحمت الفندق، وألقت القبض على بعض هؤلاء القناصة، بينما فرّ كاراديتش إلى التلال المحيطة بسراييفو، حيث مواقع ميليشيات صرب البوسنة، وأعطى أوامره ببدء القصف العشوائي على العاصمة، خاصة مركز المدينة، الذي يعد معقل المسلمين.

قبل الشروع في اجتياح العاصمة، وما قد ينجمُ عن هذا من استفزاز واسع للمجتمع الدولي؛ آثر الصربُ البدء بضم أكبر مساحة ممكنة من أراضي البوسنة، خاصةً تلك القريبة من حدود صربيا. لم يقتصر هذا على المناطق ذات الغالبية الصربية فحسب، إنما امتدَّ للمناطق التي يكثر فيها المسلمون أيضًا. 

مثال ذلك احتلال مدينة تسفورنيك، غير البعيدة عن الحدود الصربية.  على مدار ثلاثة أيام، استمرت القوات الصربية، وميليشيات صرب البوسنة في القصف العشوائي على المدينة ذات الغالبية المسلمة قبل اجتياحها. شوهدت عدة شاحنات تحمل جثث القتلى من أهل المدينة، والذين تجاوزت أعدادُهم الألفيْن. بينما طُرد حوالي 50 ألف مسلم من سكان المدينة، ليُمحى الوجود الإسلامي فيها بعد أكثر من ستة قرون.

جديرٌ بالذكر أن أعداد القوات الصربية النظامية وغير النظامية في البوسنة، قد قُدّرَت بحوالي 200 ألف مقاتل، مدعومين بأكثر من ألف دبابة، وآلاف العربات المدرعة، وقطع المدفعية الثقيلة. بينما كانت أعداد المدافعين في سراييفو، وغيرها من المناطق البوسنية أقل كثيرًا، وكان تسليحهم في معظمه من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، والتي إما وُفّرَت على عجل في الشهور القليلة السابقة للحرب، أو غُنمَت من الصرب بعد الانتصار عليهم، في هذه المعركة أو تلك في أثناء الحرب. وخلال ستة أسابيع، تمكَّن الصرب من السيطرة على أكثر من 60% من مساحة البوسنة، بما فيها العديد من المناطق ذات الأغلبية المسلمة.

مايو 1992.. معركة حياة أو موت في سراييفو

بدأ الصرب هجومهم الواسع على سراييفو، مسلحين بمئات الدبابات، والعربات المدرعة، مع تفوقٍ جوي ومدفعي كاسح. دُمّر مكتب البريد الرئيس في سراييفو، وقُطِع الاتصال التليفوني بين العاصمة والعالم.

تقدمَّت القوات الغازية صوبَ مركز المدينة، حيث مقر الرئيس البوسني بيجوفيتش من ثلاثة محاور. لم يتوقَّع الصرب حجم المقاومة التي جابهتهم في شوارع سراييفو، وأزقتها، وحول مقر الرئاسة البوسنية، رغم الفارق الهائل في التسليح بين المدافعين والمهاجمين.

Embed from Getty Images

كان المقاومون خليطًا من قوات الحرس الرئاسي، ووحدات الجيش البوسني، والشرطة، ومئاتٍ من المدنيين المسلحين، وحتى بعض أصحاب السوابق الإجرامية. وكان تسليحَهم في معظمه بالرشاشات الخفيفة، والصواريخ المضادة للدبابات المحمولة على الكتف. دارت حرب شوارع عنيفة وسط سراييفو، حتى امتدَّت المعارك إلى مسافة عشرات الأمتار فحسب من مقر الرئاسة البوسنية، والذي ظلّ صامدًا.

في مبادرة جريئة، حاصر المئات من قوات الدفاع البوسنية، مقر قيادة الجيش الصربي في سراييفو، والذي كان متواطئًا مع ميليشيات صرب البوسنة في أعمالها الوحشية، وكان به العشرات من كبار الضباط الصرب – من بينهم قائد الجيش الصربي في البوسنة – وأوشكوا على اقتحامه. 

في تلك الأثناء، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ كان الرئيس بيجوفيتش في زيارة خاطفة للشبونة – عاصمة البرتغال – بدعوة من القادة الأوروبيين لعقد مباحثات سلام. عاد الرئيس بعد يوم واحد، وقد أصبح المطار في قبضة الجيش الصربي. أصر بيجوفيتش على الهبوط بطائرته، واعتقله الجيش الصربي، ونُقل إلى قاعدة عسكرية خارج العاصمة.

«سنسمح لك أولًا بالخروج، ثم رجالك فيما بعد. لكن إذا حدث للرئيس أي مكروه، سنفجركم إلى أشلاء بلا أدنى تردد»  *نائب الرئيس البوسني أيوب جانيتش، مهددًا قائد الجيش الصربي في البوسنة في مكالمة هاتفية.

حدثت مكالمة تليفونية تاريخية بثّها التلفزيون البوسني، بين بيجوفيتش، ونائبه، وقائد القاعدة العسكرية المحتجَز بها الرئيس. كان أبرز ما فيها طلب الرئيس من نائبه قيادة الأمة في حال مقتله، وإعلان الجنرال الصربي أنه لا إطلاق للرئيس قبل يوم 3 مايو (أيار)، وفي مقرٍ تابع للأمم المتحدة في سراييفو؛ اجتمع نائب الرئيس البوسني، مع أحد جنرالات الجيش، واتفقا بعد مفاوضاتٍ عاصفة، على إطلاق الرئيس بصحبة قوات الأمم المتحدة، مقابل إخراج قائد الجيش الصربي بالبوسنة ومن معه من المحاصَرين. بصعوبة شديدة، نجح بيجوفيتش في إقناع المسلحين الموتورين في سراييفو بالسماح بخروج الجنود الصرب المحاصَرين، وحاصرت كمائن قوات الدفاع القافلة المغادِرة لمقر الجيش عدة مرات، والتي التزم بيجوفيتش بالركوب في إحدى سياراتها مع قائد الجيش لضمان التزام قواته بالاتفاق.

حصار سراييفو: «سنصل بهم إلى حافة الجنون»

«اقصفوا مقر الرئاسة، والبرلمان، والأحياء السكنية ذات الغالبية المسلمة، برشقاتٍ مستمرة لا تنقطع، حتى نصل بهم إلى حافة الجنون»  *التعليمات الأولى لقائد الجيش الصربي الجديد بالبوسنة، راتكو ميلاديتش، إلى قواته.

شدّد الصرب الطوق حول سراييفو في الأيام، والأسابيع التالية. كانت القوات الصربية تحكم سيطرتَها على التلال والمرتفعات المحيطة بالعاصمة، والتي منحت قواتهم مزايا هجومية تكتيكية هائلة، فكانوا يستطيعون رصد كل بقعة في المدينة، وتصويب مدفعيتهم الثقيلة بمنتهى الدقة، حيث شاءت إرادة الموت والخراب. رغم ذلك عجزت قواتهم البرية عن احتلال العاصمة.

كانت الأوضاع الإنسانية في سراييفو تتدحرج من سيئ إلى أسوأ. من لم يمُت بالقذائف العشوائية، تضوّر جوعًا حتى لقي حتفه. وتدهورت الخدمات الطبية بشدة مع الضغط الشديد عليها، وبدأت مخزونات السلع الأساسية في الفناء، وأصبح عشرات الآلاف من سكان سراييفو على مشارف المجاعة.

استنجدت الحكومة البوسنية بالمجتمع الدولي للتدخل، وتكريس سيطرة الحكومة المنتخبة ذات السيادة، والاعتراف العالمي، لكنها لم تحصُل سوى على وعود بالمساعدات الإنسانية.

في المقابل، فرضت القوى الدولية حظرًا على توريد السلاح إلى الأطراف المتصارعة، بحجة أن المزيد من السلاح يعني المزيد من القتل. بالطبع كانت قوات الدفاع البوسنية هي المتضرر الرئيس من هذا الحظر، إذ كان الطرف الآخر لا يشكو من نقصٍ في المعدات والذخائر، وكانت قدرته على تهريب الأسلحة من الخارج أكبر كثيرًا.

أواخر يونيو (حزيران) 1992، وصلت قوة حفظ سلام كندية، بناءً على اتفاق مع طرفيْ المعركة، وأمّنت مطار سراييفو، ليُستخدم لإيصال المساعدات الإنسانية الضرورية إلى المدنيين في المدينة. 

في الشهور التالية، ومع ضمان اكتفاء الدور الدولي بالمفاوضات، وتقديم المعونات، استمرّ الصرب في تضييق الخناق على العاصمة، وبالتوازي مع ذلك،  وسّعوا نطاق سيطرتهم في مناطق البوسنة الأخرى، حتى هيمنوا على أكثر من ثلثيْ مساحتها. بالطبع تخلّلت تلك السيطرة العديد من المذابح، وتهجير عشرات الآلاف من غير الصرب، وأصبح مصطلح (التطهير العرقي) الأكثرَ تداولًا في وصف الأداء الصربي في حرب البوسنة، لاسيّما تجاه المسلمين. 

سنوات الدم والدموع.. والصمود

«كان عندي اعتقادٌ جازم أن الغرب لو تدخل عسكريًّا في الحرب بعشرة آلاف مقاتلٍ فحسب، وقاموا بقطع خطوط إمداداتنا، فستكون تلك نهايتنا الحتمية كصرب» *زعيم صرب البوسنة، المتهم بجرائم حرب، رادوفان كاراديتش

بعد عجزهم عن السيطرة على العاصمة على الأرض، قرّر الصرب الهيمنة عليها نيرانيًّا من الجبال والتلال المحيطة، فكانوا يصبُّون مدفعيتَهم بمختلف الأعيرة على المناطق المدنية والأحياء السكنية، صباح مساء. وكثيرًا ما استهدفوا المراكز الصحية، والتجارية، وعربات الإسعاف، والطوابير أمام المخابز.

كذلك نثر القناصة الصرب الموت والرعب داخل شوارع المدينة، ولم يتورعوا عن اصطياد الأطفال والنساء، وكل ما يتحرك على الأرض. وأصبح الجراحون يجرون العمليات الجراحية صباحًا في ضوء الشمس، نظرًا للانقطاع المتواصل للتيار الكهربائي.

شاهد: وثائقي عن حرب البوسنة، يحمل تفاصيل عن المقاومة ضد العدوان الصربي 

أما خارج سراييفو، فقد دخلت معظم الجبهات في حالة جمود. فالحظر الدولي على وصول السلاح لم يمكِّن البوسنيين من القيام بهجوماتٍ مضادة لاستعادة ما فقدوه، وإن تمكنوا من القيام بدفاعٍ فعَّال عمَّا بحوزتهم، وأعانهم على هذا تأثُّر قوات صرب البوسنة – وإن بدرجةٍ أقل لوجود الدعم من دولة صربيا – نسبيًّا بحظر السلاح، وكذلك حرمانها من الدعم الجوي بعد حظر الطيران فوق البوسنة، والذي تجلى مطلع عام 1994، عندما أسقطت مقاتلات حلف الناتو أربعة مقاتلات تابعة لصرب البوسنة، خالفت قرار حظر الطيران.

قصة سربرينيتسا.. وما أدراك ما سربرينيتسا!

كانت منطقة سربرينيتسا وسط البوسنة ملجأً لعشرات الآلاف من النازحين المسلمين من مناطق عديدة. عزَّز من هذا عدها منذ عام  1993 تحت حماية قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. منتصف عام 1995، حدث هجوم دموي على إحدى القرى الصربية غير البعيدة عن سربرينيتسا، فقرر قائد قوات صرب البوسنة راتكو ميلاديتش اقتحام سربرينيتسا، كعملٍ انتقامي.

الجزء الخامس من وثائقي «بي بي سي» عن تفكك يوغوسلافيا، ويحتوي على تفاصيل عن سربرينيتسا:

فرَّ الآلاف من اللاجئين البوسنيين من سربرينيتسا مع اقتراب القوات الصربية، إلى الغابات المحيطة، وحاول آخرون الاحتماء بقوات حفظ السلام الهولندية القريبة، والتي اكتظَّ معسكرها عن آخره باللاجئين، ومعظمهم من النساء والأطفال. فجأة ظهر راتكو ميلاديتش في المعسكر الهولندي، وأخذ يتودد إلى اللاجئين هناك، ويبثَّهم رسائل الطمأنينة. لم يكن يخطر في أسوأ كوابيس هؤلاء، أنه في تلك اللحظة يحصد الصرب أرواحَ المئات من الفارين الذين لم يتمكنوا من الوصول إلى مأمن، خاصةً من الرجال. بعد ثلاثة أيام تكشَّفت الكارثة الكبرى، وانقشعت غمامة الموت عن سربرينيتسا، وقد خلَّفت أكثر من 8 آلاف قتيل مدنيٍّ أعزل. لم يعُد أمام أوروبا والعالم مثقال ذرة من ورق التوت لستر ما يحدث في قلب أوروبا من مذابح قروسطية.

السلاح يحسم

في الشهر التالي لما حدث في سربرينيتسا، أعطى المجتمع الدولي لكرواتيا الضوء الأخضر لتستخدم جيشها الذي أعيدَ بناؤه بمعونة أوروبية- أمريكية، لمواجهة الصرب. تمكن الجيش الكرواتي من تحرير الأراضي التي احتلها الصرب عام 1991، وهُجّر أكثر من 100 ألف صربي من تلك المناطق. وبالطبع حدثت العديد من الأعمال الانتقامية الوحشية ضد المدنيين الصرب إبان تلك المعركة. 

جدير بالذكر أن الكروات قد حصلوا على دعمٍ سياسي وعسكري من البوسنة ضد العدو المشترك أثناء تحرير أراضيهم، توّج ذلك بدعم عسكري من الكروات في تحرير بعض المناطق البوسنية من قبضة الميليشيات الصربية.

الجزء السادس من وثائقي «بي بي سي» عن انهيار يوغوسلافيا، وبه تفاصيل التدخل الدولي لإنهاء الحرب بعد مجزرة سربرينيتسا:

 

كعادتهم، انتقم الصرب بمجزرة جديدة، فقصفوا أواخر أغسطس (آب) مركزًا تجاريًّا وسط سراييفو، ما أسفر عن مصرع حوالي 40 مدنيًّا. فنفد آخر مثقال ذرة من صبر المجتمع الدولي، وأسطورة ضبط النفس. 

«على الصرب ألا يلوموا إلا أنفسهم» *الرئيس الكرواتي  فرانسو تودجمان

بدأت المقاتلات الأمريكية على الفور غاراتٍ متتابعة على معسكرات، وشبكات اتصال، وخطوط إمدادات قوات صرب البوسنة، خاصة في حزام سراييفو. كانت بضعة أيام من القصف الشديد، كافية ليقتنع الرئيس الصربي ميلوسيفيتش بأن الحرب أصبحت خاسرة، وأن يبدأ في الضغط على زعماء صرب البوسنة المتطرفين، كاراديتش، وميلاديتش، ليقبلوا بوقف إطلاق النار. 

انطلقت مفاوضات ماراثونية لمدة أسبوعين، تحت القصف الأمريكي، والذي لم يهدأ إلا بعد أن سحب صرب البوسنة مدفعيّتهم، وأسلحتهم الثقيلة الباقية حول العاصمة. بالتوازي مع الوضع الصعب الذي أربك قوات صرب البوسنة، بدأت القوات البوسنية- الكرواتية المشتركة هجومًا مضادًا واسعًا، استعادت به أجزاءً عديدة احتلها الصرب قبل ثلاثة أعوام. 

ضغط الأمريكيون على بيجوفيتش ليوقف إطلاق النار، لئلا تتدخل صربيا مباشرة بكامل ثقلها لتدعم صرب البوسنة. كان الرئيس البوسني، بين المطرقة الأمريكية وسندان ضغوط جنرالات جيشه الراغبين في استكمال سلسلة انتصاراتهم طوال شهر سبتمبر (أيلول) 1995، والمتعطشين بالطبع للانتقام. لكن بيجوفيتش آثر الاستجابة للأمريكيين الذين وعدوا بإعادة الكهرباء والغاز إلى سراييفو في أسرع وقت لاسترضاء الشعب البوسني، خاصةً عندما أظهر الكروات – بضغط أمريكي – رغبتهم بالتوقف عند هذا الحد، بعد أن اطمأنوا على أراضيهم، ومناطق كروات البوسنة. 

أعلن الرئيس الأمريكي كلينتون يوم 5 أكتوبر 1995 قبول البوسنة وقف إطلاق النار. وبدأت مفاوضات ماراثونية لأكثر من شهر في الولايات المتحدة الأمريكية، وانتهت بتوقيع اتفاقية دايتون في 21 نوفمبر (تشرين الثاني) 1995.

تفاوض عن الطرف الصربي رئيس دولة صربيا سلوبودان ميلوسيفيتش، إذ كان قادة صرب البوسنة – كاراديتش وميلاديتش – مطلوبيْن للعدالة بتهم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي. وبالفعل أظهر ميلوسيفيتش بعض المرونة، والتي سمحت من الكثير من كرم التنازل من بيجوفيتش بإبرام تلك الاتفاقية، والتي جعلت البوسنة دولة واحدة ذات فيدراليّتيْن، يقودها مجلس رئاسي ثلاثي، من بوسني وكرواتي وصربي، يتداولون الرئاسة فيما بينهم.

وهكذا فاز الصرب بما بات يعرف بجمهورية صرب البوسنة، والتي تتمتع بقدرٍ كبيرٍ من الاستقلالية عن سراييفو، وبثلث رئاسة الدولة، وثلث البرلمان، واحتلال 49% من إجمالي الأرض البوسنية.  بينما كان أكبر مكاسب الطرف البوسني- الكرواتي وحدة العاصمة، والتي رفض بيجوفيتش تمامًا تقسيمها مع الصرب. وهكذا انتهى أطول حصار دموي في تاريخ العالم الحديث.

جراحٌ لم تلتئم برغم مرور الوقت..

نردد جميعًا مقولة أن الزمن كفيل بالتئام أعمق الجروح، لكن يبدو أن ما أصاب البوسنة قبل أكثر من 25 عامًا كان استثنائيًّا. لا يقتصر الأمر على عشرات الآلاف من شواهد قبور ضحايا المجازر، والتي تذكر ذويهم والأجيال اللاحقة بما حدث يومًا ما على هذه الأرض، إنما أيضًا ما يزال هناك ما يقارب 30 ألف مفقودٍ لا يُعلَم مصائرهم. 

في وسط البوسنة، خُصصت إحدى المنشآت لتجميع مفقودات فترة الحرب، فأصبحت بمثابة متحفٍ مفتوح للموت، يحتوي على آلاف الجثث والأشلاء البشرية مجهولة الهوية، والكثير من المتعلقات الشخصية للضحايا، مثل الملابس، والساعات، والأقلام. والتي ما تزال تبحث عن أهلٍ ما، يمنحونها النهاية اللائقة في الدنيا، بالدفن في قبر، يحوطه أحبابٌ دامعون. 

وثائقي من إنتاج «بي بي سي» بعنوان جزار البوسنة، وهو وصف شاع إطلاقه على راتكو ميلاديتش، قائد القوات الصربية في البوسنة، والمُدان من محكمة جرائم الحرب الدولية. 

وبالطبع ما زالت هناك الآثار السياسية للجريمة، كتلك المساحة التي اقتطعتها فيدرالية صرب البوسنة من أرض الدولة، والتي بدت وكأنها مكافأة من المجتمع الدولي للصرب مقابل ما ارتكبته ميليشياتهم من تطهير عرقي، وتغيير ديموغرافي في الخارطة البوسنية. تلك الآثار السياسية ستظل شاهدًا راسخًا على أن الضحايا دفعوا ثمنًا باهظًا حتى في لحظة إقرار السلام.

بالفعل – وفي سابقةٍ نادرة – نال الجناة نصيبًا ولو زهيدًا من العقاب، فحوكِم كلُّ من كاراديتش، وميلاديتش، في محكمة العدل الدولية، بعد أن جرت حماية فرارهم من العدالة لسنواتٍ عديدة. ولكن ذلك لم يمحُ حقيقة إزهاق أرواح أكثر من 200 ألف بوسنيٍّ سحقتهم آلة التطهير العرقي، وأكثر من 50 ألف ضحية اغتصاب، ومئات الآلاف من الأحياء الذين ما تزال تختنق عيونهم وقلوبهم بدموع الذكرى، وأنين الحنين!

مجتمع

منذ سنة واحدة
«ذي أتلانتك»: دولة مسلمة تتماشى مع ليبرالية الغرب.. كيف حققت البوسنة المعادلة؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد