استغاثات موجعة لأطفال ورضع تحت أنقاض المدينة، تناقلها النشطاء السوريين على استحياء، فقد أعجزهم هول المجازر عن فعل شيء يقاس بحجم هذا الوجع، أيضًا كانت محاولات غسل أجساد مقاتلي الفصائل بأنبوب الصهريج موجعة، لقد حاولوا إزالة آثار غاز الكلور عنهم بالماء.

تلك بعض المشاهد التي تحدث في مدينة سراقب، حيث ترك المدنيون مساكنهم، بعد أن دمر الطيران مشفاهم ومخبزهم وقضى على كل شيء في المدينة، ولاحقهم في العراء نازحين، فيما تحاول الفصائل توحيد صفوفها لصد الهجوم، فقبل أيام سار النظام السوري بآلته العسكرية إلى قلب الشمال السوري، ووضع على خارطته العسكرية شارة تظهر هدفًا بشقّ طريق مدينة «سراقب» بريف إدلب الشرقي.

النظام يتقدم بسياسة الأرض المحروقة لـ«سراقب»

احتدمت الاشتباكات خلال الأيام القليلة الماضية في سراقب، حيث يستمر النظام السوري وحلفاؤه بالقصف مستخدمين مختلف أنواع الأسلحة، كالقنابل العنقودية و«النابالم» الحارق والصواريخ الارتجاجية، وكذلك «غاز الكلور»، وفي المقابل تدافع فصائل المعارضة عن المدينة، فقد تمكنت من إسقاط طائرة حربية روسية من طراز «سوخوي 25»، وقتلت طيارها بعد أن قفز بالمظلة في منطقة خاضعة لسيطرتها.

وتحت وطأة القصف وجه نشطاء سوريون اتهامًا لـ«هيئة تحرير الشام» التي تسيطر على الجزء الأكبر من إدلب بالتقاعس عن مواجهة الهجوم على سراقب، وهو ما أحدث تشتتًا في عمل الفصائل المدافعة عن المنطقة؛ الأمر الذي حدا بوجهاء المدينة إلى إعلان النفير العام، وتوحّد جميع فصائل المدينة في كيان عسكري تحت اسم «جيش سراقب»، والمكوّن من 1400 عنصر بقيادة أبي طراد، قائد «جبهة ثوار سراقب».

ونُقل عن أمين سر «التجمع الثوري في سراقب»، حمزة الأبرش قوله: إنّ «قوات النظام تقترب من سراقب نتيجة العدوان الذي ينتهج عمليات الأرض المحروقة، فهو يشنّ عدوانه على الخطوط الخلفية للجبهة؛ ليعدم كافة مقوّمات الحياة والثبات للمدنيين، وبدأ بتدمير المستشفى الوحيد في المدينة يوم الاثنين الماضي، ودمّر البنى التحتية للدفاع المدني، وأخرجه عن الخدمة، ولم يترك مكانًا يمكن للمدنيين اللجوء إليه»، ويؤكد المحلل العسكري، العميد أحمد رحال لـ«العربي الجديد» أن «النظام وروسيا يستخدمان القوة المفرطة في هذا الهجوم عبر سياسة الأرض المحروقة التي تمكّن قوات النظام من التقدّم دون قتال تقريبًا بسبب كثافة القصف التدميري».

سراقب بلا مستشفى أو خبر أو مياه

لا أحد هنا إلا المقاتلين، شلل كامل يصب مرافق المدينة، فقد تحوّلت «سراقب» إلى مدينة منكوبة بعدما أتت الغارات الجوية المكثفة على مشفاها ومخبزها ومحطة مياها.

طفل يتلقى العلاج بعد إصابات في غارة حربية بإدلب

دمر الطيران الحربي مشفاها الوحيد (عدي) الذي خدم أكثر من 50 ألف مدني بصاروخ شديد الانفجار، فخرج النازفون والمرضى؛ ليتم إسعافهم في نقاط طبية مجاورة، ونال القصف من محطة مياه «كفر عميم» الواقعة بريف سراقب، وكذلك فقدت المدينة فرنها الآلي الوحيد الذي كان يزود المحاصرين بالخبز؛ حين استُهدف بصاروخ روسي، وتحت وطأة الغارات الجوية العنيفة وفقدان المواد الأولية اضطر وجهاء المدينة لحث السكان على النزوح؛ فوصلت نسبة النزوح إلى 80% بين سكان سراقب، نزح هؤلاء إلى البساتين والأحراش والمباني المهجورة في مدينة إدلب، ودون أن تتفقدهم أيٌّ من المؤسسات الإنسانية بالطعام والشراب والمسكن، واصل الطيران الحربي السوري استهداف من بقي منهم في العراء؛ فنالت الصواريخ منهم، واستهدفت الرشاشات الثقيلة سياراتهم.

تحدثنا إلى الناشط السوري، عبد الكريم العمر، المتواجد في إدلب، فوصف الوضع الإنساني في سراقب وريفها بـ«الكارثي» في ظل انعدام كافة مقومات الحياة بعد استهداف الطيران الروسي، وكذلك مدفعية النظام، وراجمات الصواريخ لكل مقومات الحياة، وقال «العمر»: إنه «تم تدمير المشافي والأفران والأسواق التجارية، حيث انعدمت الحياة وانتشرت في سراقب رائحة البارود والدم، وأصبحت المدينة خالية من الخبز والمواد الغذائية والتدفئة والمياه».

محاولات لإنقاذ المصابين -إدلب

وتابع القول لـ«ساسة بوست»: «النازحون يفترشون الأراضي الزراعية، فلا خيام، ولا أبسط المستلزمات، وفرت لمن نزح من سكان سراقب وريفها، وهم باقون وسط برودة الجو وانعدام المواد الغذائية في تلك المناطق»، ويشير «العمر» إلى أن وضع الأطفال مأساوي ويحزنه للغاية؛ إذ ينتشرون في الخيام المهترئة التي لا تقي برد الشتاء، فاقدين الدفء والراحة وسط حجم قوة مفرط يتعرضون له من قبل النظام وحلفائه.

طموحات عدة تحققها السيطرة على «سراقب»

يحاول النظام السوري وحلفاؤه قضم مناطق جديدة من أراضي المعارضة، وتسير ميلشياته غربي منطقة «أبو ظهور» لتحقيق مزيد من المكاسب، وهو يضع صوب عينه «سراقب»، تلك المنطقة الاستراتيجية التي يهدف النظام إلى السيطرة عليها لفكِّ الحصار عن بلدتي الفوعة وكفريا في ريف إدلب المحاصرتين والمواليتين للنظام.

خارطة ريف إدلب وحلب

يطمع النظام بتجاوز سراقب للوصول إلى مطار «تفتناز» الواقع شمال غربي سراقب؛ فحينها يصبح الوصول إلى البلدتين الشيعيتين أمرًا قابلًا للتطبيق بسهولة، في ظل ارتباك المعارضة، وتبادل الاتهامات بينها حول المسؤولية عن عدم توحد الصف لصد الهجوم على سراقب.

أما فيما يتعلق بمطامع حلفاء النظام، فيقول الصحافي السوري، يمان دابقي: «تريد إيران فرض وجودها أمام الدول الكبرى للتأكيد على حصتها في حال تمت أية تسوية سورية قادمة، لذلك فتح الإيرانيون محور سراقب (جسر الشغور) لفرض أمر واقع أمام روسيا؛ بغية فك الحصار عن كفريا والفوعة الشيعتين، وفي حال وصل النظام إلى سراقب، وبسط السيطرة عليه، يكون بذلك قد فصل أرياف إدلب وحلب عن بعضهما البعض».

ويقرأ «دابقي» في اجتياح روسيا لأرياف إدلب وارتكابها مجازر عدة في سراقب وأريحا ومعرة النعمان، إشارة إلى حرص روسيا على بقاء الخيوط السياسة بيدها، فبوتين يجتاح سراقب لتأمين مناطق نفوذه الممتدة من ريفي إدلب الجنوبي وحماه وصولًا إلى قاعدة جورين، ومنها الى طرطوس والساحل، والتقاء الأهداف مع إيران غايته تأمين خط دفاع أول عن مناطق نفوذه.

اقرأ أيضًا: روبرت فيسك من قلب عفرين: المدنيون هم الضحايا الحقيقيون للغارات التركية

من جهته، يضعنا أستاذ العلاقات الدولية، خالد العزي في أثر معارك عفرين على معركة سراقب، فيوضح لنا أن عفرين منحت تركيا تفويضًا أمريكًا وروسيًا في حربها ضد الأكراد، ودفعتها أيضًا للتنازل للنظام وروسيا، بتسليم إدلب، وتحديدًا الوصول إلى مدينة سراقب التي ستمثل الحدود مع النفوذ التركي الذي سيعزز دورها بعد خط سراقب، والوصول إلى مدينة منبج، ويضيف: «سيتم ربط هذا الخط الحدودي بمصالح تركيا وأمنها القومي؛ مما يساعد عبر التفاهم المرعي روسيا على استقدام تعزيزات للنظام بكميات كبيرة للدخول في معركة سراقب في ظل إيقاف الجبهات الأخرى التي تساعد النظام على تفعيل جبهة وتعزيز ها في ظل هدوء الجبهات الأخرى».

بعد سوتشي والأستانة.. ما هي دلالات معركة سراقب؟

تزامنًا مع انعقاد مؤتمر «سوتشي» للحوار الوطني السوري في المدينة الواقعة على البحر الأسود، كان النظام السوري وحلفاؤه يشنون هجومًا شرسًا ضد ريف إدلب الشرقي.

قُرئ هذ الهجوم من قبل المراقبين كوسيلة لعقاب هيئة المفاوضات التابعة للمعارضة على رفضها المشاركة في المؤتمر الذي ترعاه موسكو، ويرى أستاذ العلاقات الدولية من لبنان «خالد العزي» أن روسيا أصبحت دولة تُمارس الاحتلال بشكل رسمي، وهي تحاول أن تلعب دور راعية لعملية سلام بين المعارضة والنظام، ويبين «العزي»: «ربما مهرجان سوتشي كان دليلًا على ذلك، فالطائرات الروسية التي نقلت أشخاصًا ليس لهم أية علاقة بالأزمة السورية، كأصحاب الحلول في مستقبل سوريا، حاولت بيع سوتشي للعالم على أنه الطريق الأوحد للحل، وليس جنيف والأمم المتحدة»، ويأتي ذلك –حسب العزي- وروسيا تُمارس المجازر اليومية بحق الشعب السوري الأعزل بسلاحها، لكنها سوف تصطدم بعدم نجاح أية تسوية لها دون الموافقة الأمريكية، ودون خطة للإعمار وإعادة المهجرين التي لا تستطيع روسيا تنفيذها دون الآخرين والممولين.

(المصدر LM: )

كذلك تقدمت قوات النظام وسيطرت على قرية جزرايا، وهي تحاول التقدم باتجاه سراقب، متجاوزة بذلك السكة الحديدية الرابطة بين حلب ودمشق، والتي حددتها اتفاقات «أستانة» كخط فاصل بين المعارضة والنظام، إذ دفع التقدّم الذي أحرزته قوات النظام شرق إدلب النظام وإيران وروسيا نحو خرق الاتفاق منتهزين فرصة انشغال تركيا التي كان لها دورها في الأستانة بمعركة عفرين، وللضغط على الأتراك لغض النظر عن تقدّمهم في إدلب كما أسلفنا.

يقول الكاتب الصحافي، يمان دابقي أن ما يجري في سراقب تجاوز كل الحدود المتفق عليها في اتفاقيات أستانة الموقعة بين الدول الضامنة في أواخر 2016، ويوضح «دابقي» أن اتفاق أستانة فشل فشلًا ذريعًا بعد عودة واشنطن للساحة بقوة وإظهارها النية بالبقاء في شمال شرق سوريا لوقت طويل الأمد، وتابع القول: «إننا أمام ساحة استنزاف بكل الأطراف واجتياح سراقب علي حساب أبناء المنطقة لا يعني أن أهدافًا ستكون ثابتة في المدى القريب، فالمعارك مفتوحة بقوة، ولا نية لأي طرف بوقف النزيف السوري قبل ضمان حصته من التركة السورية».

صورة تظهر حطام الطائرة الروسية في سراقب (المصدر: أ ف ب)

ويوضح لـ«ساسة بوست» أنه «منذ أن أطلقت تركيا معركة عفرين، بدأت خلط الأوراق من جديد، وعلى حساب انهيار اتفاق وقف النار، فقبل معركة (غصن الزيتون)، كثفت الدول الضامنة تعاونها لتثبيت نقاط التمركز في مناطق شرق سكة الحجاز وغربها، على أن لا يكون للنظام ولإيران أي تواجد في مناطق الحدود المرسومة، لاسيما أن روسيا وتركيا هما الدولتان الضالعتان، ولهما اليد الطولى على حساب إيران ونظام الأسد، وعلى الرغم من التنسيق الكامل بين الدول الضامنة، إلا أن الخلافات الروسية الإيرانية لم تعد وليدة اليوم»، ويعزو «دابقي» التقارب الروسي التركي إلى التوتر التركي الأمريكي، ويوضح: «فشل اللاعب الروسي في فرض تسوية سياسية وضرب مسار جنيف سمح لإطلاق يد تركيا في شمال سوريا أكثر».

ويعتقد «دابقي» أن هناك صفقة جديدة بدأت على غرار سيناريو حلب، والجديد اليوم هو فشل اتفاق وقف النار، إذ تحسست إيران مؤخرًا من تجاهل روسيا لها. بالعودة للصفقات الأخيرة، فقد اتضح جليًا أن عفرين مقابل استرجاع مطار «أبو ظهور» للنظام؛ الأمر الذي فتح شهية إيران أن تعبر عن انزعاجها من الصفقة الروسية التركية، حسب «دابقي».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد