عندما اندلعت الاحتجاجات في العراق مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، تعرض المتظاهرون في العاصمة بغداد والمحافظات الجنوبية لقمع غير مسبوق، ولمدة أسبوع من التظاهرات سقط أكثر من 120 قتيلًا و6 آلاف جريح. وفيما تنفي السلطات العراقية إصدار أوامر بقتل المتظاهرين وتشير إلى طرف ثالث استهدف المحتجين وقوات الأمن على حد سواء، يؤكد شهود عيان مشاركين في التظاهرات أنَّ مليشيا «سرايا الخرساني» هي التي استهدفت المشاركين في الاحتجاجات من خلال نشر قناصيها فوق أسطح المباني العالية، وفي شوارع بغداد والمدن الجنوبية.

تقديم الدعم والإسعافات الأولية.. يتسبب في اغتيال النشطاء

في الثاني من أكتوبر 2019 وتحديدًا في الليلة الثانية على اندلاع الاحتجاجات في العراق، كان حسين عادل وزوجته سارة الشامي يقدمان الدعم والإسعافات الأولية للمتظاهرين في مدينة البصرة جنوبي البلاد، وعند عودتهما إلى الشقة التي كانا يعيشان فيها بمنطقة الجنينة وسط البصرة، اقتحم عليهما مسلحون المنزل وأردوهما قتيلين.

في اتصال هاتفي مع «ساسة بوست» سرد أحد أصدقاء حسين -والذي رفض الكشف عن هويته لدواع أمنية- قصة اغتيال حسين وزوجته، فقال: «كانا يصنعان خلطات خاصة لإسعاف المتظاهرين المختنقين بالغازات المسيلة للدموع، حسين ناشط مدني وزوجته سارة مصورة وإعلامية وناشطة أيضًا، بعد عودتهما إلى البيت الساعة 11:30 اقتحم مسلحون شقتهما، أطلقوا على حسين سبع رصاصات وعلى سارة ثلاث رصاصات، منهما اثنان في رأسها». ويضيف صديقهما: «عندما دخلنا إلى الشقة وجدناهما ميتين، حسين كان يمسك برجل سارة، بينما سارة بلا رأس، لقد انفجر من الرصاص».

«لا أستطيع وصف ما حدث وما رأيته بعيني، الحادث بشع، ومن قام به مجرمون قتلة، حسين وسارة خسارة لمدينة البصرة وللعراق».

سألنا صديق حسين عن الجهة التي قامت بقتلهما فلم يتردد بالقول إنِّها «سرايا الخرساني»، وذكر أيضًا أنَّهما -حسين وسارة- سبق وأن تعرضا لتهديدات بالقتل في التظاهرات التي اندلعت في البصرة عام 2018.

عادل علي والد حسين دعا الحكومة إلى الكشف عن هوية قاتلي ابنه وزوجته، ويؤكد أنَّ ابنه لا ينتمي لأي حزب وليست له خلافات مع أحد، بينما طالب والد سارة السيد طالب عيدان بدم ابنته التي قُتلت مع زوجها دون معرفة السبب الذي دفع الجناة إلى ارتكاب الجريمة.

المظاهرات الأضخم منذ الغزو الأمريكي.. ما الذي يحدث في العراق؟

قناصة «سرايا الخرساني» يقتلون المتظاهرين في بغداد

في بغداد وقبل حجب شبكة الإنترنت من قبل السلطات، كانت عمليات القتل أكثر وأشد وضوحًا، خاصة في ساحة التحرير وساحة الخلاني وقرب مول النخيل وكذلك في مدينة الصدر (مدينة الثورة سابقًا) ومقاطع الفيديو من هناك توثق شهادات المتظاهرين عن هوية القناصين الذي يعتلون أسطح المباني العالية ويستهدفون تحركات المحتجين، وفي فيديو يعود لليوم الأول على اندلاع التظاهرات يقول أحد المتظاهرين وهو يرفع العلم العراقي إنَّ مقاتلي «سرايا الخرساني» يعتلون البنايات ويقنصون المتظاهرين قرب المنطقة الخضراء شديدة التحصين.

الصحفي (م.ك) قال في حديث لـ«ساسة بوست»: «حصلت على معلومات موثَّقة من أعضاء في مجلس النواب العراقي، أكدوا نزول مليشيا «سرايا الخرساني» إلى الشوارع في بغداد، وهذه المليشيا لديها الضوء الأخضر من إيران وتحديدًا من قاسم سليماني في إطلاق الرصاص وقتل المتظاهرين الذين يريدون إسقاط دولة الحسين»، بحسبه.

ويتابع الصحفي (م.ك) الذي فضل عدم الكشف عن هويته إن «مليشيا بدر» و«عصائب أهل الحق» اشتركتا أيضًا بقتل المتظاهرين، لكن «سرايا الخرساني» كان لها الدور الأكبر في ذلك، وقد شكلت ما يُسمى بــ«القوة الضاربة» لقمع الاحتجاجات ومنع اقتراب الحشود من المنطقة الخضراء، إذ ارتدى مقاتلو «سرايا الخرساني» زي قوات مكافحة الشغب وقوات جهاز مكافحة الإرهاب لبسط نفوذهم على الشارع.

حامد الجزائري، نائب قائد «سرايا الخرساني»، وآمر اللواء 18 في الحشد الشعبي، متهم أيضًا بقيادة فريق القناصين ضمن غرفة العمليات التي شكلها علي الياسري زعيم مليشيا «سرايا الخرساني» وبإشراف مباشر من قائد «فيلق القدس» الإيراني قاسم سليماني.

من اليمين: حامد الجزائري، قاسم سليماني، علي الياسري زعيم مليشيا «سرايا الخرساني»

ويُعرف عن حامد الجزائري ولاؤه المطلق لإيران، فقد اعتبر الجزائري في تصريحات سابقة أن: «الإمام الخامنئي هو إمام وقائد للأمة الإسلامية جمعاء وليس قائدًا للجمهورية الإسلامية فحسب، كونه يشعر بآلام شعوب الدول الإسلامية ويعيش مشاكلهم». وعن دور إيران في العراق يقول الجزائري: «القادة والمستشارون الإيرانيون، بمن فيهم الحاج قاسم سليماني تحملوا مسؤولية تدريب وإعداد فصائل المقاومة الإسلامية عقب فتوى المرجعية وتم تأهيل فصائل المقاومة على وجه السرعة وإنشاء الحشد الشعبي في فترة قصيرة».

ماذا نعرف عن مليشيا «سرايا الخرساني»؟

بحسب تعريف قائدها علي الياسري فإنَّ «سرايا الخرساني» هي تشيكل عقائدي ولائي مقاوم، تشكّل بدايةً عام 1986 على يد ياسين الموسوي ممثل المرجع الديني الشيعي محمد باقر الحكيم وكانت المليشيا حينها مجموعة صغيرة تتخذ لنفسها اسم «سرية الكرار» وتتبع للمجلس الأعلى الإسلامي، ثم بعد ذلك انفصلت عام 1995 متخذةً اسم«سرايا الطليعة» معلنةً عن نشاطاتها المسلحة في أهوار جنوب العراق، وخاصة هور الجبايش وهور الناصرية.

عام 2004 قدمت المليشيا أوراق اعتماد حزبها السياسي «حزب الطليعة الإسلامي» وشارك في انتخابات الدورة الأولى مع الإبقاء على النشاطات المسلحة، إذ كانت المليشيا تنفذ هجماتها المسلحة خلال الحرب الطائفية عام 2006 تحت مسمى «أحباب نصر الله».

مع اندلاع الثورة السورية، وبحجة الدفاع عن المراقد المقدسة؛ أرسلت مليشيا «سرايا الخرساني» مقاتليها إلى سوريا، حيث انتشرت في منطقة السيدة زينب، وخاضت معارك في مناطق البحارية ودير سليمان ومعسكر الفاروق وكذلك في مدينة حلب.

التطور العسكري الأهم لمليشيا «سرايا الخرساني» حدث عام 2013 على يد الجنرال في الحرس الثوري الإيراني، حميد تقوي المعروف بأبي مريم، والذي أشرف على إعادة هيكلة المليشيا وتأسيسها من جديد، إذ قفزت المليشيا قفزة هائلة في عهده على مستوى التسليح والتدريب وعدد المقاتلين الذي ارتفع من 1500 إلى 3 آلاف عام 2015.

قاد حميد تقوي مليشيا «سرايا الخرساني» في معارك داخل العراق، منها معارك جرف الصخر ومناطق حزام بغداد ومحافظة ديالى، ومدينة تكريت، وتُتهم «سرايا الخرساني» بارتكابها جرائم قتل واختطاف وسرقة لممتلكات المدنيين في مدينة تكريت، وكذلك في مدينة سامراء التي قُتل فيها حميد تقوي في ديسمبر (كانون الأول) 2015 وأعلن حينها تنظيم «داعش» مسؤوليته عن مقتله.

انتشرت صور حميد تقوي شوارع بغداد حينها، باعتباره أحد شهداء المقاومة الإسلامية، مؤسس «سرايا الخرساني»، وأقيمت له مجالس العزاء، كما نُصب له تمثالٌ في مدينة بلد التابعة لمحافظة صلاح الدين، وقال عنه زعيم مليشيا «سرايا الخرساني» علي الياسري: «إن تقوي كان خبيرًا في حرب العصابات، الناس كانوا ينظرون له باعتباره شخصية ساحرة».

مؤسس سرايا الخرساني

صورة للجنرال الإيراني حميد تقوي في شوارع بغداد

تُقلِّد مليشيا «سرايا الخرساني» المرشد الإيراني علي خامنئي باعتباره الولي الفقيه، وأعلن زعيمها علي الياسري أنَّ «سرايا الخرساني» تتبع ولاية الفقيه في إيران ولا تتبع العراق الذي لم يُعلن ولاية الفقيه، ولا يخفي رغبته بأن يتحول العراق إلى جمهورية إسلامية على غرار الجمهورية الإسلامية في إيران، وفي تصريح متلفز على قناة «بلادي» قال الياسري: «ندين بالولاء لخامنئي لأنه يقدم لنا كل ما نحتاجه من دعم، ونحن نؤمن بأن هذا هو الطريق الذي سيؤدي إلى وحدة الأمة الإسلامية ونصرها الذي أصبح واضحًا الآن».

قمع المظاهرات الأخيرة.. ليست المرة الأولى

لم يكن قمع المتظاهرين في أكتوبر 2019 وقتلهم وقنصهم في الشوارع أول مرة لمليشيا «سرايا الخرساني»، ففي تظاهرات عام 2016 وكذلك عندما تجددت الاحتجاجات عام 2017 ساهمت «سرايا الخرساني» في عمليات القمع ومنع المتظاهرين من الوصول إلى المنطقة الخضراء.

وخلال التظاهرات التي دعا إليها زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر عام 2017 انتقد عضو التيار محمد الزاملي، صمت الحكومة العراقية عن الانتهاكات التي ترتكبها مليشيا «سرايا الخرساني» بحق المتظاهرين، والتي تتولى إدارة الملف الأمني في المنطقة الخضراء دون تنسيق مع الشرطة أو الجيش.

صورة تظهر عناصر من مليشيا «سرايا الخرساني» خلال إطلاق النار على المتظاهرين في بغداد

تحظى «سرايا الخرساني» بدعم كبير من رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، ويعود له الفضل (بحسب زعيمها علي الياسري) بإعادتها من سوريا إلى العراق وتحديدًا إلى العاصمة بغداد، حيث تحولت المليشيا إلى جناح مسلح لائتلاف دولة القانون الذي يترأسه نوري المالكي.

تتكون مليشيا «سرايا الخرساني» من أربعة ألوية، هي: لواء بغداد وينتشر في العاصمة العراقية بغداد ويتكون من مقاتلين ينتمون لمدينة الكوت والحلة (جنوب العراق)، ولواء الجنوب الذي يتمركز في مدينة البصرة، ويُتهم بأخذ الإتاوات من المدنيين، ولواء الوسط الذي ينتشر في مدينة النجف والمناطق المحيطة بها، ولواء الشمال الذي ينتشر في محافظات صلاح الدين ونينوى والأنبار.

«واشنطن بوست»: رغم اختلافها.. هذا ما يجمع المظاهرات في هونج كونج والعراق

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد