لا تخطئ عين الوافد إلى بيروت، عاصمة لبنان، لافتات الانتخابات البرلمانية الدعائية المُقرر انعقادها في الأسبوع الأول من الشهر المُقبل، إذ تستقبل هذه الشعارات الزائر بمجرد خروجه من بوابة مطار رفيق الحريري، ليجدها مُعلقةً على جدران الساحات الرئيسية في العاصمة اللبنانية، وتتزين بها واجهات البنايات الشاهقة في أماكن تمركز السيارات، وعلى جانبي الطرق المؤدية إلى مداخل المدينة ومخارجها.

تباينت شعارات هذه اللافتات بين الخرزة الزرقاء رمزًا لـ«تيار المستقبل»، أو شعار «نحمي ونبني» لـ«حزب الله»، و«صار بدا» للقوات اللبنانية، بينما اختار «التيار الوطني الحر» شعار «مكمّلين» لحملته الانتخابية.

«المنطقة عم تحترق ولبنان بأمان» VS «مش أحسن ما نبقى زي سوريا والعراق»

تبدو الشعارات المرفوعة للتيارات المتنافسة وتحركات المُرشّحين لدفع ناخبيهم للتصويت لهم نُسخة مُكررة لما بدت عليه الانتخابات الرئاسية المصرية الأخيرة، فأغلب المراسم الانتخابية شهدت دفع رشى للناخبين سواء في صورة مواد غذائية، أو أموال نقدية مقابل التصويت لهم، واستدعاء شعارات داعمة للدولة كعبارة مشابهة لجُملة «مش أحسن ما نبقى زي سوريا والعراق»، والتي استخدمها بعض مؤيدي السلطة في مصر خلال الانتخابات البرلمانية الأخيرة أيضًا، ووجهوها إلى منتقدي النظام، في محاولة لتذكيرهم بمصيرهم حال الخروج عن الخط الرسمي الداعم للنظام وبعض رموزه، ممن ترشحوا على قوائمه الانتخابية.

«المنطقة عم تحترق، ولبنان بأمان»، «العملات حولنا منهارة وليرتنا ثابتة» شعاران من شعارات تيار المستقبل التي ترافق الوافد من المطار بامتداد الطرق الرئيسية كافة إلى وسط المدينة، والتي يستخدمها التيار السياسي الذي يرأسه رئيس الوزراء اللبناني، سعد الحريري، لتبرير ودفع المصوتين لانتخاب التيار باعتباره وسيلة لحماية الدولة من الانهيار، وصونها من التفكك.

يقول ساري حنفي، أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأمريكية ببيروت، في تصريحاتٍ خاصة لـ«ساسة بوست»: «إنّ هذه الشعارات هي ترجمة للوضع الاجتماعي داخل لبنان، إذ باتت مرآةً واضحةً لحالة التنافس السياسي بين التيارات التي تتباين خلفياتها الأيديولوجية». موضحًا أن جزءًا من هذه الشعارات أخذت في الاعتبار كذلك السياق السياسي والاجتماعي للدول القريبة من لبنان، باعتبارها تتقاطع مع المواطن اللبناني ثقافيًّا واجتماعيًّا.

وحسب مشاهدات مُراسل «ساسة بوست» في بيروت، فتيَّار المستقبل هو صاحب النِّسب الأكبر من اللافتات الترويجية لمرشّحيه، ومُحتكر أغلب الساحات الرئيسية لشعاراته التي أتت في سياق الشعار المصري نفسه: «مش أحسن ما نبقي زي سوريا والعراق»، جنبًا إلى جنب مع شعارات التيار الوطني الحرّ «لبنان بيقوي بوجودك»، وبعض لافتات على طول الطريق المؤدي إلى مطار رفيق الحريري لحزب الله «صوتي وفا للنصر.. نحمي ونبني»، وشعارات كُبرى لـ«فؤاد مخزومي»، وهو رجل أعمال لبناني، مؤسس حزب الحوار الوطني اللبناني، ورئيسه، ومُرشح عن أحد المقاعد السنيّة الستة في دائرة بيروت الثانية.

لا يقتصر التشابه بين الانتخابات المصرية والانتخابات اللبنانية على استلهام الشعارات فحسب؛ بل تأخذ كذلك كُل وسائل المُرشحين لشراء أصوات الناخبين، سواء كانوا بالداخل أو الخارج، حسب شهادات جمعها مُحرر «ساسة بوست» من مواطني أكثر من مدينة.

واحدة من هذه الشهادات لـيوسف المهدي، صحافي لبناني، ويعيش في مدينة طرابلس بالشمال، إذ يحكي في مقابلة خاصة لـ«ساسة بوست» عن وقائع ما يجري في تحضيرات هذه الانتخابات، قائلًا: «هناك مال سياسي يُدفع في بعلبك، وبيروت، وأغلب المدن اللبنانية. يتضمن هذا المال السياسي توزيع براميل زيت الزيتون على كثير من الناخبين، أو رصف الطرق لعدد من الفقراء، أو شحن كروت شحن لهم؛ لأنها غالية جدًا هنا في لبنان؛ وهذا أمر كان اعتياديًّا في الانتخابات اللبنانية السابقة، وأيضًا حدث هذا في تظاهرات 14 مارس (آذار)؛ لكن هذه المرة تضاعف بشكلٍ كبير، وشمل توزيع أموال نقدية».

تتجلى أوضح صور المال السياسي في الميزانيات المفتوحة للناخبين من كُل التيارات السياسية للظهور على شاشات التلفزيون أو الراديو، يقول (س. ي.) مُعد تلفزيوني في شبكة MTV التلفزيونية، في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست»: «كُل الناخبين وخصوصًا تيَّار المستقبل يكونون حريصين على الظهور التلفزيوني لتسويق أنفسهم أمام الناخبين؛ لذلك كُل القنوات حدّدت تسعيرة للظهور؛ فتلفزيون MTV حدد للناخب من أجل الظهور لايف أو مع المذيعة «منى أبو حمزة» 75 ألف دولار، بينما تصل التسعيرة في برنامج صباحي من 10- 20 ألف دولار، والمقابل للظهور في برنامج راديو يصل إلى نحو 4- 5 آلاف دولار».

مساعي المُرشّحين امتدّت كذلك إلى تأمين الصوت الانتخابي للمواطنين المغتربين في أوروبا الذين ترتفع أعدادهم إلى أكثر من مليون؛ إذ إن لبنان جاليته في الخارج أكثر من عدد سكّانه في الداخل فيما يعرف بالشّتات اللبناني، وفقًا لربيع أيوب، الذي يعيش في نيويورك بشكل دائم على مدار 10 سنوات كاملة، وقدم إلى لبنان في زيارة عائلته التي لا تزال تعيش في بيروت. يقول: «هناك كتير من المغتربين مش هينتخبوا، أنا أعرف كثيرًا من مغتربين لبنانين اعتادوا يُدفع لهم لكي ينتقلوا إلى لبنان من أجل الإدلاء بأصواتهم، مثل انتخابات عام 2009، لكن هالمرة مش هيجوا حتى في كندا وأمريكا علشان مش هيوصلهم مال، ولو وصلهم مال، مش هيصوتوا علشان بقي فيه إمكانية إنهم يصوتوا في السفارات».

يضيف: «الناخبون اتعودوا يدفع لهم تذكرة السفر 200 دولار، حتى أن هناك بعض المُرشحين بتدفع إيجار شقة لمدة أسبوع»، موضحًا أن أكثر من يفعل ذلك هم ناخبو تيار المستقبل من أيام الأب رفيق الحريري، وتبعه في ذلك نجله سعد.

«نحمي ونبني».. شعار حزب الله الذي يُحرّك به أنصاره

تتمايز استراتيجية حزب الله عن منافسيه في جذب ناخبيه، سواء كان ذلك في الشعارات الانتخابية، أو وسائل حضّ مناصريه لانتخاب مرشحيه، ويظهر ذلك في اللافتات المنتشرة على الطرق المؤدية لمطار رفيق الحريري التي تأخذ مظهرًا دينيًّا في كلماتها المطبوعة عليها: «نحمي ونبني» وهو شعار حملة حزب الله الانتخابية، في دلالة على المقاومة والإنماء، كما يقول مرشحوه.

بدوره، قال المنسق الإعلامي العام للحملة الانتخابية لحزب الله، عبد الله قصير، في تصريحات صحافية أمام جمع من الصحافيين أن الحزب ليس قاصرًا على منابره الإعلامية للترويج لمرشحيه؛ بل عمد كذلك إلى وسائل التواصل الاجتماعي للدفاع عن الحزب أمام كُل الأكاذيب التي يتم إلصاقها به وبمرشحيه، حسب المصدر ذاته.

وأضاف أنّ الحزب قرّر مركزة العمل عبر تعيين منسق إعلامي، موضحًا أنه جرى الاستماع للآراء لدى المؤسسات الاعلامية وتوزيع الأدوار، إضافة إلى الاتفاق على الشعار والخطاب، وإيلاء أهمية كبيرة لوسائل التواصل الاجتماعي، وتنظيم لقاءات لمرشحي الحزب مع الناخبين عبر برامج أسئلة على السوشيال ميديا.

وكان حزب الله قد أعلن في مدينة بعلبك برئاسة نائب الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، أسماء مرشحيه في الانتخابات النيابية، وذلك في 23 فبراير (شباط) لعام 2018، تحت شعار «نحمي ونبني- انتخابات 2018»، خلال لقاء عقد في حسينية آل عواضة في بعلبك.

لا تتجاوز استراتيجية حزب الله لجذب ناخبيه قواعده الانتخابية، وفقًا لعادل عبدالعظيم، أحد مواطني الجنوب اللبناني، ويضيف لـ«ساسة بوست»: «حزب الله ليس مضطرًا لدفع أموال لحشد الناخبين. يكفيه قواعده الشعبية لتحقيق مكاسب كافية، كما أنّه يدفع بشكل دوري لأهالي الشهداء وأطفالهم، ويسدّد مصاريف المدارس».

تعليقات الفيسبوك