في الطريق المؤدي إلى الجنوب اللبناني، قطع مُحرر «ساسة بوست» نحو ساعتين كاملتين ونصف، في سيارة من العاصمة بيروت، حيث الأضواء وزخم السهر والصخب في حانات ضواحيها، والطرق الضيقة المتكدسة بالسيارات، للجنوب، إلى قرية بنت جبيل جنوب لبنان، الواقعة على الحدود الإسرائيلية اللبنانية.

في بيروت، تخفت لغة الحرب باعتبارها فعلًا حاسمًا وضروريًّا لصد الاحتلال الإسرائيلي، ويغلب على النقاشات في المقاهي والحانات «تغليب لغة العقل»، وأن «تُستوعب الخلافات دبلوماسيًا»، مستدعين مشاهد الدمار التي ما زالت باقية في وسط المدينة، والعمارات التي يتمركز فيها، خلافًا للجنوب الذي يشتم زائره رائحة الحرب مع أول كيلومترات فيه.

«تصول وتجول في سمائنا».. كيف تشن إسرائيل حربًا صاروخية على 3 دول عربية؟

الطريق إلى الجنوب اللبناني محمّل برائحة الحرب وصور الفدائيين

يلتمس العابر، في الطريق المار بقرى الجنوب، مشاعر مناقضة عما تكون داخله من زيارة العاصمة، وتزول صور بيروت الذهنية الماثلة دومًا في خيالات زائرها، مكتشفًا دولة جديدة في لبنان، حيث الهدوء الغالب في معظم نواحيها، والهيئة المحافظة لسُكانها، وصور الفدائيين على جدرانها بطول الطرق المؤدية لهذا العالم، والحسينيات والجوامع والمراكز الدينية والثقافية الشيعية المنتشرة على أطراف القرى وبالأخص الشيعية، وهي الغالبة في الجنوب.

مع اقتراب السيارة التي استقلها مُحرر «ساسة بوست» في رحلته إلى الجنوب، مر بمدنها الرئيسية صيدا وصور والنبطية، والتي يحق للجميع المرور عليها والتجول داخلها، سواء كان أجنبيًا أو مواطنًا لبنانيًا، إلى أن يصل عند القرى المُتاخمة للحدود الإسرائيلية، حيث تتمركز قوى تابعة للجيش والاستخبارات اللبنانية تفحص وجوه المارة، وتكشف على هوياتهم، وتستثني الأجانب من الدخول.

لهذا السبب الأخير اضطر قائد السيارة، لبناني الجنسية، التواصل مع أحد «معارفه» من العاملين في جهاز الأمن اللبناني، من أجل تمكين مُحرر «ساسة بوست» للعبور بصفته صحافيًّا يرغب في اكتشاف المنطقة الحدودية، لينال موافقة شفهية، يليها اتصال هاتفي مع أحد ضباط النقطة؛ ويوافق على عبورنا.

الجنوب اللبناني

الجدار الذي بنته إسرائيل على طول حدودها مع لبنان، ما زالت تستكمل بنائه

من أصل 2058 كلم مربع هي مساحة الجنوب اللبناني، فالغلبة في الشريط الحدودي المُتاخم لإسرائيل هي للطائفة الشيعية، التي يغلب على طباع سكانها سمة «المحافظة»، إذ يغطي الزي الأسود والحجاب أجساد نسائها.

على مر الطريق المؤدي لقرى الجنوب، وبعد العبور من مدنها الرئيسية المتمركزة، تنتشر صور ضحايا «حرب تموز (بحسب التسمية اللبنانية)» -يوليو 2006- وتعريف بأسمائهم وأعمارهم، وسيلة لتخليد ذكراهم من جانب «حزب الله». يتوسط كافة الصور شعار الحزب، بينما تتذيل الصورة عبارة «المقاومة الإسلامية في لبنان».

مشهد آخر يلفت الأنظار عند الطريق المؤدي لقرى الجنوب؛ هو الجدار الذي بنته إسرائيل على طول حدودها مع لبنان، منذ أعوام وما زالت تستكمل بناءه، ويبلغ ارتفاعه حوالى تسعة أمتار، من ضمنها شبكة من الأسلاك الفولاذية التي تغطي القسم الأعلى منه، ويتكون من كتل إسمنتية مرتفعة، مع أنابيب بارزة منه لوضع مكونات تكنولوجية بهدف رصد أي محاولات تسلل أو وقوع عمليات بحق جنود الاحتلال.

صور بعض ضحايا حرب اللبنانية الإسرائيلية 2006، والمنتشرة في الجنوب اللبناني

وبحسب تصريح صحافي سابق لمسؤول إسرائيلي عسكري كبير كان برفقة صحافيين خلال جولة لهم لرؤية السور، وفضل عدم الكشف عن اسمه: «أنتم ترون فقط الجدار الإسمنتي، لكن هناك مكونات أخرى لا يمكننا الحديث عنها، تمكننا من الرؤية أفضل بكثير».

على امتداد الجدران، تنتشر عبارات منددة بالاحتلال الإسرائيلي مثل «يسقط جدران الاحتلال»، بالإضافة إلى رسومات لصور ضحايا «حرب تموز»، يجاورها صور مذيلة بعبارة «شباب أمل هم فدائيو حدود أرضنا المُقدسة»، وأكثر من صورة للإمام موسى الصدر خلال زياراته لقرى الجنوب الحدودية.

والصدر، هو شخصية دينية لبنانية شيعية بارزة، ومؤسس «حركة أمل»، الذي تعرض للاختفاء خلال زيارته لليبيا، للمشاركة في احتفالات «ثورة الفاتح من سبتمبر»، وسط اتهامات للسلطات الليبية بأنها كان وراء إخفائه.

مناوشات الحرب.. مشهد اعتيادي في الجنوب

يوسف بركات، 64 عامًا، أحد سكان قرية بنت جبيل، ورث منزلاً عن أبيه الذي اعتاد قضاء شهر الصيف فيه، بينما يقضي شهور فصل الشتاء بمنزله بالضاحية الجنوبية في بيروت. يُطل منزل بركات، الواقع على منحدر صخري، على نقطة تفتيش عسكرية يتمركز داخلها اثنان من جنود الاحتلال.

يرسم بركات صورة كاملة للحياة داخل القرية وقرى الجنوب عمومًا: «هم أعداؤنا؛ الوضع كما هو لن يتغير. سيظلون قتلة أبنائنا. صحيح اعتدنا المشهد يوميًا، ونسمع أزيز طائراتهم والمحركات، ويروننا من ثكناتهم، لكن هذا لن يغير شيئًا».

يقول بركات، وهو الذي اعتاد قضاء شهر الصيف بمنزله في الجنوب، أن جيش الاحتلال عمل في السنوات الأخيرة على تعزيز موقعه بخنادق عريضة وأسلاك شائكة وحقول ألغام ووسائل مراقبة إلكترونية، محاولة لصد ورصد أي محاولة للعبور نحو الجهة الأخرى، المتمثلة في الحدود الإسرائيلية والذي يتمثل بالشريط الحدودي.

في الأيام الأخيرة، التي شهدت مناوشات عسكرية بين «حزب الله» الذي يراهم بركات «أبطالاً فوق العادة»، وجنود جيش الاحتلال. لاحظ بركات اختفاء كاملًٍا لجنود الاحتلال الذي كان يراهم يوميًا، قبل أن يعقبها حركة غير عادية وعملية نقل للدبابات والمدفعية وراجمات الصواريخ الى حدود لبنان، وسط استمرار غياب الجنود.

رسم جرافيتي يشيد بالمقاومة 

بدأت هذه الاستعدادت عقب وقوع هجوم لجيش الاحتلال باستخدام طائرتين إسرائيليتين مسيّرتين عن بُعد، في تنفيذ اعتداء على حي معوّض في الضاحية الجنوبية لبيروت، الحاضنة لـ«حزب الله» في العاصمة اللبنانية.

يتعامل بركات وغيره من سكان قرى الجنوب مع الحرب والمناوشات العسكرية باعتباره «أمرًا اعتياديًّا»؛ لا يبعث بالقلق، وينبغي مواجهة أي تجاوز برد فعل كبير.

كانت الإشارة الأولى بالنسبة لبركات حول نشوء مناوشات مُقبلة هو تحليق الطيران الحربي الإسرائيلي بشكل كثيف وعلى علو منخفض من منزل بركات، ما كان سببًا في تواتر أنباء في القرية وبين سكانها على استدعاء مقاتلي المقاومة للرد الفعل على انتهاك الأجواء، خصوصًا أن ذلك جاء عقب الهجمة التي نفذتها إسرائيل في الضاحية الجنوبية ببيروت، معقل «حزب الله»، وفقًا له.

ومقاتلو «حزب الله» المستدعون لمهام عسكرية في هذه المناوشات لا يسكنون قرى الجنوب، ومجهولون للجميع، بغية عدم كشفهم من جانب قوات العدو التي تنتشر عيون لها. فهم يسكنون مناطق معينة في العاصمة اللبنانية، ويتم استدعاؤهم فقط في المهمات القتالية حال اشتعال الوضع عند الحدود، وفقًا لثلاثة أشخاص تحدثوا لـ«ساسة بوست».

المصادر الثلاثة تحدثت كذلك عن استعداد عسكري «ضخم لقوات المقاومة» في المناطق الحدودية، مؤكدين صحة وقوع رد الفعل العسكري المحدود من جانب «حزب الله»، والذي تمثل في استهداف آلية مدرعة إسرائيلية في محيط مستوطنة أفيفيم الحدودية، ما أدى إلى وقوع إصابات بين الجنود.

وبحسب بيان المقاومة، عند «الساعة الرابعة و15 دقيقة من بعد ظهر يوم الأحد، الأول من سبتمبر (أيلول) 2019 قامت مجموعة الفدائيين حسن زبيب وياسر ضاهر بتدمير آلية عسكرية عند طريق ثكنة أفيفيم وقتل وجرح من فيها».

وقد رصد مُحرر «ساسة بوست» تمركز ثكنة عسكرية بـ«مستوطنة أفيفيم»، وآثار الحرائق التي انبعثت نتيجة اشتعالها بفعل القذائف الفسفورية التي انطلقت من الأراضي الإسرائيلية. بينما تنتشر «قوات اليونسفيل» -قوات تابعة للأمم المتحدة تنشر قواتها داخل القرى الحدودية، ودورياتها العسكرية عبر مروحيات المُراقبة-، متحدثين عن استقرار الأوضاع.

يختتم بركات تصريحاته بشعور الارتياح لما تحقق من رد فعل محسوب من جانب المقاومة اللبنانية في إشارة لـ«حزب الله»، والتراجع الإسرائيلي في المقابل، إلى جانب عودة الاستقرار والحياة الطبيعية لقرى الجنوب الحدودية، بعدما كان القلق مسيطرًا على السكان في الأيام الأخيرة.

قبل أن يطويهم النسيان.. «ساسة بوست» يبحث عن المخطوفين منذ الحرب الأهلية اللبنانية

عرض التعليقات
تحميل المزيد