7,890

الوليد بن طلال كان مؤيدًا لسياسات ابن سلمان.. وأنا لستُ معارضًا!

منذ بضعة أشهر، وبالتزامن مع المرحلة الجديدة التي تدخلها السعودية، والنفوذ الواسع لولي العهد السعودي محمد بن سلمان، اختفى الكاتب الكبير جمال خاشقجي من الشاشات التلفزيونية، ومُنع من الكتابة، وتوقف حسابه الشهير على موقع «تويتر». فترة الغياب لم تدم؛ إذ أطلّ خاشقجي من العاصمة الأمريكية واشنطن عبر مقالاتٍ في كُبرى الصحف الأمريكية، وسط جدلٍ كبيرٍ حول ظروف انتقاله، بعدما كان يُوصف دومًا بأنه مُقرب من العائلة الحاكمة.

«ساسة بوست» حاور خاشقجي عبر البريد الإلكتروني، والذي عمل – إلى جنب رئاسته تحرير كُبرى الصحف السعودية – مستشارًا إعلاميًا للأمير تركي الفيصل، السفير السعودي السابق في بريطانيا، ثمّ في الولايات المتحدة. فإلى نص الحوار.

هل التقيت الأمير الشاب محمد بن سلمان من قبل؟

نعم التقيته مرة واحدة منتصف 2016 عندما أعلن عن رؤية 2030، كنا نحو 30 مثقفًا وصحافيًا وشيخًا من مشارب شتى، بعضهم ما كانوا ليلتقوا في مكانٍ واحد، من المفارقة أن اثنين منهم في المعتقل حاليًا، على الأقل عصام الزامل في المعتقل، وخالد العلكمي، وكان يجلس بجواري، اختفى ولم نسمع عنه منذ أشهر.

وما هي الانطباعات التي ارتسمت في ذهنك عنه بعد هذا اللقاء؟

كان لقاءً ممتعًا، أخذت انطباعًا جيدًا عن سموُّه: ذكي، ومتحدث، ومتمكن، ويمتلك ملكة الخطاب، يسترسل بدون ورقة، أو حتى رؤوس أقلام، كل من التقاه أخذ انطباعًا جيدًا عنه، وتفاءل أنّ السعودية على الطريق الصحيح، لقد نفض حالة الجمود والتكلس والبطء في الإصلاحات، واندفع يفعل الشيء الصحيح.

كيف إذًا تقرأ سياساته الداخلية والخارجية؟

بالرغم من أنَّني حرٌ مستقلّ، وأقيم بعيدًا عن وطني، وأشعر دومًا بالألم لذلك، ويحسبني البعض معارضًا، ولست معارضًا، فإنني لن أتردَّد في القول أنَّه يفعل الشيء الصحيح، ولكنِّي سأضيف «بالطريقة الخطأ»، وأقصد بالخطأ هنا: التفرُّد بالقرار وتكميم الأفواه.

السعودية تمرّ بأخطر تحولاتها، ربما هذه فرصتنا الأخيرة للنهضة، إن لم تكن الرمية صحيحة، فقد لا نحصل على فرصة أخرى، لذلك فهو بحاجة إلى الناصح الصادق، حتى لو كان ناقدًا أكثر من الموالي الذي يسمع ويطيع، ولا يفتأ يقول له: أحسنت وأصبت يا سمو الأمير.

البعض يعتقد أن الأمير محمد بن سلمان نجح فيما سعى إليه: أزاح كافة خصومه، وتحققت له سلطات واسعة، وواجه أي انشقاقات مُحتملة بإجراءات عزل واستيقاف، ونال دعمًا أمريكيًا لكافة إجراءاته.. ما رأيك في هذا الطرح؟

السؤال يفترض أشياء غير موجودة، أو لنقل افتراضية، أستبعد تمامًا أي انشقاقات أو إجراءات عزل، أقوى شرعية بيد الأمير هو مبدأ «ولي الأمر»، والملك سلمان – حفظه الله – يستمتع بذلك، وأبناء الأسرة المالكة والجيش والأمن يدينون له بالولاء استنادًا على هذا المبدأ، وسمو ولي العهد يستمد قوته من تكليف والده الملك، مسألة الملك وولاية العهد حسمت في السعودية، ولا يوجد من يعارضها، أو لنقل من يستطيع داخل الأسرة أن يعارضها.

شكّلت التوازنات القبلية إحدى مرتكزات سلطة آل سعود.. فكيف سيكون الوضع بعد تصفية كل رؤوس السلطة واختصارها بشخص ولي العهد؟

القبيلة وشيوخ القبائل ليسوا شركاء في الحكم، ولم تحصل أية تصفية لهم ونحوها.

هل من شأن العلاقة الوثيقة التي جمعتك بالأمير الوليد بن طلال وعصام الزامل أن تتسبب لك في مشاكل، وتضعك في عداد المغضوب عليهم داخل المملكة. سواء من السلطة أو من الشارع السعودي؟

لا علاقة للوليد أو عصام بما قررت، اخترت الابتعاد للولايات المتحدة طلبًا للسلامة، وكي أستعيد حريتي ككاتب، وهو ما أفعله الآن، مجرد صحافي وكاتب حر مستقل.

ما هو آخر حوار بينك وبين الوليد بن طلال؟ وفيم تناقشتما؟ وكيف كان ينظر للأمير الشاب محمد بن سلمان؟

كان آخر تواصل بيني وبينه قبل اعتقاله ببضعة أيام، نصحني بالعودة والمشاركة في «بناء الدولة السعودية الرابعة تحت قيادة أخي الأمير محمد بن سلمان»، حسب تعبيره، الوليد كان مؤيدًا للأمير وإصلاحاته بقوة.

انتقلت في أشهر معدودة من كاتب سعودي، يتم تعريفه في الصحافة الغربية بـ«المقرب» من الأوساط الحاكمة إلى مُعارض خارج المملكة.. كيف جرى هذا التحول؟ وما هي سياقاته؟

لم أكن مقربًا ولستُ بالمعارض، كلها توصيفاتٌ غير صحيحة، كنت مقربًا بقدر ما كان عشرات الصحافيين السعوديين الذين يلتقون القيادة والمسؤولين في مناسباتٍ رسمية أو غير رسمية، بل إنَّني منذ كررت موقفي المؤيِّد للربيع العربي، ودعوتي المملكة إلى تبنيه لا مواجهته؛ أخذت أفقد القليل من الحظوة التي استمتعت بها يومًا، حتى بلغت حد القطيعة، والتي انتهت إلى إصدار ذلك البيان من الخارجية بتوجيهٍ من الديوان، ثم منعي من الكتابة والحديث.

حاليًّا لا أرى نفسي معارضًا، ولا أريد أن أكون كذلك، أنا مؤمن بالنظام والدولة، وأدافع عنهما، ولكنِّي ناصح أرجو أن يكون أمينًا، كاتب حر مستقل يتمنَّى لو كان قادرًا على ممارسة حريته في النقد والنصح داخل وطنه، دون أن يتعرَّض لمنعٍ أو تهديدٍ أو اعتقال، ولكن للأسف لا أستطيع فعل ذلك، إلا خارج الوطن، أعتقد أن هذا المزاج غير المتسامح مع الرأي الآخر، مزاج عابر، ولا يتفق مع طبيعة المملكة.

وسوف أحافظ على موقفي هذا، المقربون جدًا من النظام، وأغلبهم مزايدون، وصفتهم غير مرة بـ«الوطنجية»، يريدونني معارضًا، أو يريدون وصمي بذلك، ولن يجرُّوني لذلك. والمعارضون أو الكارهون للدولة السعودية يزايدون علي، ويريدون مني ألا أقف في منتصف الطريق، ومثلما لن أستجيب لأولئك، فلن أستجيب لهؤلاء، سأبقى مواليًا لوطني، ناصحًا لقيادتي، بالرغم من الأذى الذي أتعرض له حتى من صحافة وطني وزملاء المهنة، ولكنهم فقدوا قرارهم ومنطقهم معًا، مرحلة عابرة وستمر بإذن الله.

أكدت في حديثٍ سابق لـ«بي بي سي» أن علاقاتك لم تنقطع مع المسؤولين السعوديين بعد مغادرتك البلاد، والتقيت الأمير خالد بن سلمان شقيق ولي العهد بالعاصمة الأمريكية، وتتواصل تليفونيًّا مع وزير المملكة للإعلام.. ماذا جرى في هذه اللقاءات؟ وكيف كان رد فعلهم حيال مقالات الرأي التي انتقدت فيها سياسات المملكة؟

توقفت هذه اللقاءات والاتصالات، ربما كانت محاولة للاحتواء، اعتقدوا أنني أريد شيئًا، وربما يستميلونَني، وأقول لهم: أنا لم أغادر حتى تدعوني للعودة، ولم أتخلَّ حتى تستميلوني، الذي حصل أنني لا أستطيع أن أشارك في سياسة أنا غير مقتنع بها، الصحافة باتت صحافة هجاء وشتائم، بدأت بقطر، ثم تركيا، والآن نهاجم الفلسطينيين والعرب، ونهاجم بعضنا البعض.

مزاج تخويني، وانتصارات وهمية، وحفلة تطبيل، لم أكن بالصحافي المثالي الشجاع، ولكن كانت هناك حدود حتى للتطبيل، كنت دومًا أحاول أن أدفع سقف الحريات عاليًا، ودفعت ثمن ذلك ثلاث مرات، خسرت وظائف يتمنَّى كثير من مطبِّلي اليوم، الذين يهاجمونني كل خمس دقائق لتسجيل موقف عند العراب الأكبر لعله يلتفت لهم، لو يحصلون عليها، ثم يأتون ويقولون: «خاشقجي تحوَّل لمعارض بعدما خسر وظائفه»، هلا يسأل لماذا خسر وظيفته رئيسًا للتحرير؟ حتى أجعل الصحافة السعودية قوية، وتحظى على قيمة مجتمعية مؤثرة، بينما كل الذي تريده رضا شخص واحد، وأنا أعرض عليك رضا شعب ومبدأ. أنا لم أتغير، هم من تغيروا.

لم تنجح القمة الخليجية السابقة في تحقيق انفراجة في الأزمة القطرية، وغاب الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الإماراتي وملك البحرين.. هل يؤشر ذلك على إطالة أمد الأزمة التي تدخل الشهر السابع؟ وما هي جذور هذه الأزمة في ضوء العلاقة الجيدة التي كانت تجمع السعودية مع قطر في بداية ولاية الملك سلمان بن عبد العزيز؟

إنَّه الربيع العربي والموقف منه، لو اقتنعت القيادة في السعودية أنّ الربيع العربي ظاهرة حقيقيَّة وطبيعيَّة، وانفجاره في وجه الأنظمة الجمهورية العسكرية الفاشلة تطور طبيعي للتاريخ، حينها ستنفرج الأزمة القطرية وجل أزماتنا، ونعيد ترتيب سياستنا الخارجية وتحالفاتنا أيضًا.

في رأيك.. من الخاسر في هذه الأزمة؟

الجميع خسر في هذه الأزمة، مجلس التعاون في غرفة الإنعاش، لو استمر الحال هكذا عامًا أو اثنين، فسيكون مصيره كمصير الاتحاد المغاربي، علاقتنا مع الكويت وعمان ليست في أحسن أحوالها.

وهل تعتقد أن قطر ستتجاوب مع المطالب الـ13 في ضوء عدم وجود أي مؤشرات لانفراجة وشيكة في المسألة من جانب الدول الأربع؟

ما لم تتغير المطالب من شروط إخضاع إلى مسائل للنقاش بين أخوين مستقلين فلن تتجاوب، ولكن راقب واشنطن، هي الوحيدة القادرة على التدخل.

ما رأيك في حملة الاعتقالات التي طالت أمراء ورجال أعمال؟ وهل تعتقد أن التسويات التي تمت وخرج على أثرها كُلّ من متعب والطبيشي والعمودي، ستنهي هذه الأزمة أو تطال أمراء آخرين؟

أريد أن أراها حربًا حقيقية على الفساد، من مصلحة كل مواطن سعودي ألا يشكِّك فيها، وإنَّما يأخذها على ظاهر قول خادم الحرمين، وسمو ولي العهد، هم قالوا إنّها حرب على الفساد، لنجعلها جميعا كذلك، ونؤيد الدولة فيها، فالمواطن هو من سيستفيد.

أتمنى على المثقفين أن ينتقلوا من حالة الاحتفال «إلى حالة امتلاك» الحرب على الفساد ، يجب أن يجعلوا الشعب يمتلك القضية، ويحث الدولة على الاستمرار فيها، ويذكروا بما فاتها، ومن فاتته، الفساد لم يدمِّر فقط الاقتصاد السعودي، ويعطَّل التنمية، ويسرق المستقبل، وإنما دمر أخلاقنا، بعضنا لم يفسد لأن الفرصة لم تأته، فالفساد بات مقبولًا، الوزير الذي يغادر وظيفته إلى بيته القديم نادر الوجود. يجب أيضًا أن نسأل ما هو الفساد، الشراهة فساد، استغلال الوظيفة فساد، توظيف الأقارب فساد، منح الأراضي المليونية فساد، ولو كان كل ذلك بمرسوم وصك وأمر من وزارة المالية، كل ذلك فساد. تصحيح أخير: على حسب علمي، العمودي لم يخرج بعد.

في بداية ولاية الملك سلمان سعت المملكة لمدّ قنوات الاتصال مع حركة حماس الفلسطينية عبر استقبال رئيسها آنذاك، خالد مشعل، وتنسيق مع إخوان سوريا ومصر في عدد من القضايا الإقليمية.. ما الذي دفع المملكة لتغيير سياستها بشكل جذري بعد ذلك؟

عشت تلك الفترة، كانت عابرة جدًا وسريعة، لم تستقر كسياسة، كانت محاولة ضعيفة لإعادة النظر في سياسة معادية للإسلاميين والربيع العربي تشكلت قبل، وتنمَّرت بعد نجاح الانقلاب بمصر، والذي شكَّل تلك السياسة، كان يفخر حتى أمام السفراء الغربيين أنَّه أسقط مرسي، يرى ذلك إنجازًا. حاولت بمقالات عدة أن أشجع تبني المملكة لسياسة مغايرة أراها أكثر فائدة لها، ربما ساهمت بمقالاتي تلك بإعطاء صورة متفائلة لم تكن موجودة أو لم تتحقق للأسف، النتيجة هي هذه الإخفاقات التي نعيشها اليوم.

قبل أشهر، هاتف أمير قطر ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وخرجت تصريحات تؤكد على اقتراب المصالحة الخليجية، قبل أن تتغير هذه اللغة، وتخرج تصريحات تصعيدية من السعودية.. من وراء هذا التحول؟ وما أسبابه؟

من وراء اخفاق تلك المحاولة؟ لا أعرف، ولكن الأسباب واضحة، وهي الإصرار على استسلام قطر الكامل، ونرى ذلك في إغلاق هذا الملف وتركه يغلي بما فيه، السؤال: لماذا اكتفى الرئيس ترامب بتلك المحاولة اليتيمة؟ لماذا لم يجدد المحاولة؟

هل اغتيال الرئيس اليمني علي عبد الله صالح الذي كان بمثابة طوق نجاة، كما يقول البعض، للتحالف الذي تقوده السعودية ضد الحوثيين في اليمن؛ سيؤدي لإضعاف الرياض في مواجهة الحوثيين؟

تأخرت المملكة في استخدام ورقة صالح، كان حريًّا بهم استخدامها مبكرًا، بالرغم من أنها ورقة سيئة ابتداءً، عندما استخدمت كان صالح أضعف مما كان غداة الحرب، الحوثيون – كحركة عقائدية – لم يضيعوا الوقت، وهم يسيطرون على صنعاء ومعظم شمال اليمن حتى تحت الحرب، نشروا فكرهم، وتخللوا بين رجال صالح، كثير منهم تحوَّثوا، مشكلة السعودية أنها وضعت شرطًا للانتصار في اليمن، يستحيل أن يتحقق، وهو: هزيمة الحوثي شرط ألا يستفيد الإصلاح من ذلك.

يبدو أنّها بصدد التخلِّي عن هذا الشرط، أعتقد أن الحل الوحيد في اليمن سيكون سياسيًا، بتطوير معادلة شراكة تتمثل بها كل القوى اليمنية، بما في ذلك الحوثيين، ولكن لابد من الضغط عليهم لقبول ذلك بدعم من المجتمع الدولي والضغط على إيران أيضًا لتحقيق ذلك.

تحول كُل من الأمير متعب بن عبد الله والأمير محمد بن نايف من مواقع أصحاب السلطة والنفوذ إلى الاحتجاز ووضعهما قيد الإقامة الجبرية، وسُرِّبت أخبار من أجنحة محسوبة على الأمير الشاب أن الإطاحة بمحمد بن نايف لأسباب تتعلق بإدمانه العقاقير المُخدرة.. هل تعتقد أن يكون لذلك تداعيات على الوضع الأمني في ضوء اضطلاعهما بالجانب الأمني على مدار العشر سنوات الأخيرة؟

في المملكة مؤسسة أمنية قوية ومتماسكة لن تتأثر بغياب هذا أو ذاك.

هل تُشكل تيارًا للمعارضة السعودية حيال سياسات المملكة التي تعتقد أن مآلاتها خطيرة عليها؟ وهل يتعارض ذلك مع التزامك بالبيعة للأمير محمد بن سلمان؟

كما قلت في إجابة سابقة، لا أنوي أن أكون معارضًا، وإنما ناصح وكاتب حر مستقل يخدم وطنه وقيادته.

تعليقات الفيسبوك