ما الذي يحدث في كوريا الشمالية؟ لا أحد يعرف على وجه التحديد. يحكم كيم جونج أون الدولة بالحديد والنار، ويبقيها في عصور القرون السابقة. غير مسموح لسكان كوريا الشمالية بالتواصل مع العالم الخارجي، وغير مسموح لهم بامتلاك الهواتف المحمولة، وبالطبع لا يسمح لهم باستخدام الإنترنت إلا فئة قليلة جدًّا.

يروج النظام الحاكم قصصًا يراها العديد من المحللين وهمية، عن مدى الرفاهية التي يعيش فيها السكان هناك، ولا يصدقه أحد على الأرجح، بالضبط كما لا يصدقه أحد حين يهدد باستخدام الأسلحة النووية ضد الولايات المتحدة الأمريكية.

في 19 سبتمبر (أيلول) عام ٢٠١٦، اكتشف خبراء بالأمان الرقمي عن طريق الصدفة وجود ثغرة في «الدومين» الرئيسي الخاص بكوريا الشمالية مكنته من تسريب سجلات الـ(MX) الخاصة بالدومين الرئيسي، وبسبب هذا استطعنا أن نلقي نظرةً على الإنترنت في هذه الدولة الصغيرة للغاية، والتي لا يسمح باستخدام الإنترنت فيها إلا لصفوة النظام الحاكم، والمقربين من الزعيم.

 

هل لدى كوريا الشمالية إنترنت؟

الإجابة لا، لا يوجد في كوريا الشمالية إنترنت، يوجد ما نسميه نحن الإنترانت، ولكي أشرح لك تحديدًا ماذا نعني بالإنترانت، تخيل لو أنك تعمل في مكتب يوجد به عدد من الموظفين، تحتاج الإنترنت للوصول لنظام الطباعة في المكتب، وكذلك لإرسال بعض رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بالعمل، ولكن مدير الشركة لا يريدك أن تستخدم الإنترنت لتصفح فيسبوك مثلًا، إذ إن مدير الشركة هو من يمتلك جهاز الاتصال الرئيسي بينك، وبين الإنترنت، ويمكنه برمجته على ألّا يستجيب لأي طلب خاص بموقع فيسبوك، وهذا ما نسميه الجدار الناري. تخيل لو أن مديرك في العمل قام ببرمجة جهاز الاتصال ليمنع كل مواقع الإنترنت عدا نظام الطباعة الخاص بالشركة، بمعنى آخر منع كل اتصال بينك، وبين العالم الخارجي عبر الإنترنت، وطالما أن الموقع الذي تتصفحه ليس موجودًا داخل الشركة لن تستطيع الوصول إليه، تسمى هذه الشبكة الإنترانت، سواء كانت هذه الشبكة صغيرة بحجم مكتب، أو كبيرة بحجم دولة.

تقوم بعض الدول بعمل شبكات الإنترانت، لمنع مواطنيها من الوصول للإنترنت، وأشهر هذه الدول هي إيران، والصين، وبالطبع كوريا الشمالية.

 

ما شكل الاختراق الذي حدث وحجمه؟

لنكمل مع مثال المكتب المرتبط بالإنترانت، على الرغم من أن موظفي المكتب لا يستطيعون الوصول إلا إلى نظام الطباعة، لكن المكتب على هذا الحال ما زال مرتبطًا بالإنترنت. الوظيفة الرئيسية للجدار الناري هي منع الموظفين من الوصول إلى الإنترنت، وليس العكس، بمعنى أن جميع البشر المتصلين بالإنترنت يمكنهم أيضًا الوصول لنظام الطباعة الخاص بالمكتب.

كل جهاز متصل بالإنترنت يمكن الوصول إليه عبر عنوان يسمى (الأي بي IP). في الواقع فإن جميع مواقع الإنترنت التي تتصفحها يوميًّا ما هي إلا أجهزة كمبيوتر متصلة بالإنترنت، ومبرمجة بشكل معين لتعطيك شكل الموقع كما تراه الآن، تسمى هذه الأجهزة «سيرفر»، والأمر الوحيد الذي سيمنعنا من الوصول إلى نظام الطباعة الخاص بمكتبك هو أننا لا نعرف هذا العنوان الخاص بنظام الطباعة. نفس الأمر بالنسبة لكوريا الشمالية، لم نكن نستطيع تصفح المواقع في كوريا الشمالية؛ لأننا لا نعرف ما هي عناوين تلك المواقع.

عنواين الأي بي الخاصة بكل جهاز تتكون عادة من مجموعة أرقام مثل 127.0.0.1، وهذا هو عنوان خادمك المحلي في جهازك، ولأن استخدام العناوين سيكون صعبًا للغاية على المستخدمين، نقوم بعمل تغطية على هذا العنوان، وتحويله إلى حروف ليسهل عليك تذكرها، فبدلًا من كتابة  69.171.230.68، ستقوم بكتابة facebook.com، وسيعطيك نفس النتيجة، يسمى هذا الاسم الذي تكتبه بدلًا من الأرقام دومين، أو نطاق.

لكل دولة من دول العالم امتداد في نهاية هذا الاسم أو النطاق يميزها، على سبيل المثال المواقع المصرية تنتهي إما بـ(.eg) أو بـ(.مصر). المواقع السعودية تنتهي بـ(.sa)، والبريطانية تنتهي بـ(.uk)، وبالطبع لدى كوريا الشمالية امتداد يميزها وهو (.kp).

 

الاختراق الذي حدث هو أننا اكتشفنا ثغرة وصلتنا لجميع البيانات المسجلة على نطاق (.kp)؛ مما يعني أننا وصلنا إلى جميع المواقع الموجودة في داخل كوريا الشمالية، والتي يستطيع السكان في كوريا الشمالية الوصول إليها، ويعني أيضًا أننا نستطيع الآن تصفح هذه المواقع، ومعرفة ما الذي يراه المواطنون.

 

الإنترنت في كوريا الشمالية يحتوي على ٢٨ موقعًا فقط!

المفاجأة الأولى كانت أن كوريا الشمالية لا تمتلك غير ٢٨ موقعًا إلكترونيًّا فقط، أبرزهم الموقع الرسمي للحكومة، وموقع وكالة الأنباء الرسمية، وموقع لحجز تذاكر الطيران.

يمكنك رؤية جميع المواقع وتصفحها عبر الملف الذي وضعه مكتشفو الثغرة على «جيت هب» من هنا.

سيمكنك الوصول إلى المواقع، ولكنك تحتاج إلى إنترنت سريع نسبيًّا، وفترات انتظار طويلة؛ نظرًا لكون أجهزة الكمبيوتر (السيرفرات) التي تحمل هذه المواقع غير مجهزة لاستقبال عدد كبير من الزيارات من خارج البلد.

 

 

طائر البطريق

 

تفترض نظرية التطور أن المخلوقات تتكيف حسب البيئة الموجودة فيها، فعلى سبيل المثال تغير لون الدب القطبي إلى الأبيض ليستطيع التخفي والاصطياد في القطب الشمالي، على عكس أقربائه من الدببة البنّية، لسنا بمعرض مناقشة نظرية التطور، ولكن على نفس النمط تتطور المعرفة البشرية، وهذا ما حدث في كوريا الشمالية، والصين، وتلك الدول التي تستخدم الإنترانت. تطور الإنترنت بشكل مختلف عن الإنترنت الذي نعرفه، بحيث سنلاحظ على سبيل المثال أن المواقع الإخبارية في كوريا الشمالية تعمل بشكل مختلف عن «ساسة بوست» على سبيل المثال، فبدلًا من أن تقوم المواقع بكتابة الأخبار، فإن المواقع تكتب عناوين الأخبار فقط، وعند الضغط على الخبر يتم تحميل تسجيل صوتي يقوم بقراءة الخبر. تنشر وكالة أنباء صوت كوريا الأخبار بعشر لغات تقريبًا، ومن ضمنها اللغة العربية.

يمكنك الاطلاع على الموقع باللغة العربية من هنا.

لكن ما ستلاحظه هنا أن الأخبار يتم وضعها مقاطع صوتية بدلًا من النصوص.

إذا كان الإنترنت لديك بطيئًا، ولا تستطيع الدخول إلى الموقع، فقد سهلنا عليك الأمر وقمنا بتسجيل هذا الفيديو أثناء تصفحنا لموقع تلك الوكالة.

 

 

 

 

المثير للدهشة أنه عند البحث داخل الأكواد الخاصة بالصفحة، نجد أكوادًا لم نعهدها على الإنترنت، فمن المعلوم أن الإنترنت يتطور بشكل جماعي؛ تقوم جوجل بتغيير شعارها إلى تصميم مسطح، وفي خلال العام نفسه نجد أن فاير فوكس وأوبرا ومايكروسوفت وآبل جميعًا قاموا بنفس التغيير، وهكذا، لكن ماذا عن مطوري المواقع في كوريا الشمالية؟ إنهم منعزلون تمامًا عن كل هذا، لذلك فإن أكوادهم رغم أنها قد تكون مضحكة لمن يتعرف عليها في أغلب الأحيان، إلا أنها مثيرة للاهتمام أيضًا، فطريقة حلّهم للمشاكل البرمجية مختلفة تمامًا عن طرق الحل التي نعتمد عليها في كل مكان بالعالم.

 

عندما تدخل على شبكة التواصل الاجتماعي الوحيدة (صديق friend) ستجدها مختلفة تمامًا عما عهدته من شبكات التواصل الاجتماعي، وفريدة جدًّا في المميزات التي تقدمها أيضًا، فعندما يضيف فيسبوك ميزة، نجد أن تويتر وبقية مواقع التواصل الاجتماعي تحاكيها، لكن ماذا عن شبكة تواصل اجتماعي منعزلة تمامًا؟ ما هي المميزات التي طورتها وحيدة؟

 

على سبيل المثال تلاحظ أن واجهة الموقع مكتوبة بنسخة أقدم من لغة الوصف (إتش تي إم إل HTML)، إذ يعتمد على الجداول لتنسيق الشكل، وليس الأعمدة كما هو معتاد اليوم. الموقع مبرمج بلغة (بي إتش بي) بالكامل، ويوفر كتبًا وأخبارًا عما يطلق عليه القائد العظيم، وهو بالطبع كيم جونج أون، ولا يوجد أي مكان للصورة الشخصية في الموقع، ولكن بدلًا من ذلك هناك صورًا متنوعة لكوريا الشمالية، يبدو الأمر منطقيًّا، إذ إن استخدام الهواتف الذكية مجرمٌ في كوريا الشمالية.

المثير للاهتمام حقًّا أن جميع المتصفحات ومن بينها متصفحات شبكة «تور» تظهر تحذيرًا أمنيًّا، فكلما حاولت تسجيل الدخول إلى الموقع يخبرك بإمكانية تعرضك للاختراق من قبل مالك الموقع، بمجرد زيارتك لتلك الصفحة، هل يتخطى الكورويون هذه الصفحة مثلما نتخطى نحن قراءة اتفاقية الخدمة عند تسجيلنا في فيسبوك مثلًا، باعتبار أنها أمر لا مفرّ منه؟ بالأخص إذا عرفنا أن من يستخدم الإنترنت هناك هم القلة المقربة من النظام.

 

يذكرنا هذا الأمر بالصين التي استطاعت تطوير شبكات تواصل اجتماعي في الإنترنت الخاص بها، لتحمل مميزات لم نعهدها من قبل، في الحقيقة إن فيسبوك ماسنجر يقوم بنسخ مزايا وأفكار التطبيق الصيني «we chat» منذ فترة، على سبيل المثال فكرة الدفع عن طريق ماسنجر، وفكرة الشراء والتجربة، كلها أفكار وجدت في التطبيق الصيني منذ سنوات، ويحاول فيسبوك نسخها.

 

يطرح هذا التطور الكيفي في الإنترنت في الصين، واختلاف شكل الإنترنت في كوريا أسئلة كثيرة ومحورية، هل حقًّا عولمة الإنترنت كانت شيئًا مفيدًا لتطور البشرية؟ وهل حقًّا الإنترنت يتطور بالشكل المثالي، وفي توقيت سريع أم أنه يمكن أن يكون أسرع؟ والأهم أن مثل هذه الحوادث تعيد السؤال القديم/ الجديد: هل الإبداع يتولد ويزدهر في ظل البيئات الديمقراطية المنفتحة على الآخر؟ أم أن العكس تمامًا هو الذي يحدث حيث تكون الحاجة هي أم الاختراع؟

العديد من الأسئلة طرحت بسبب اتصالنا بشبكة الإنترنت الخاصة بكوريا الشمالية، ونأمل أن يكون هذا التقرير نقطة البداية لباحثين وكتّاب آخرين؛ لكي يقوموا بجهد أكبر في تحليل البيانات الجديدة عن كوريا الشمالية، وأن ينتقل نقاش الإنترنت في كوريا الشمالية لمستوى أعمق من مجرد السخرية من محتوى هذه المواقع.

عرض التعليقات
تحميل المزيد