يبدو أن هجمات 11 سبتمبر رغم مرور 13 عاما عليها إلا أنها لا زالت تثير القلاقل حول العالم، ليس فقط بسبب ما أحدثته من تغيرات عسكرية وسياسية بعدها، ولكن أيضًا بسبب معرفة من الفاعل ومن كان المساهم في مثل هذه العملية التي غيرت وجه التاريخ.

يبرز إلى السطح حاليًا عدد من الادعاءات المختلفة التي تصب في احتمالية ضلوع أمراء ومسئولين سعوديين في هجمات 11 سبتمبر.

28 صفحة سرية

السيناتور الأمريكي السابق “بوب غراهام” قال أنه اطلع على 28 صفحة سرية من التقارير الخاصة بالتحقيقات حول هجمات 11 سبتمبر وأنه لاحظ وجود “إشارات قوية” تجاه المملكة العربية السعودية فيما يتعلق بتمويل هجمات 11 سبتمبر 2001م.

وفي مقابلة مع قناة سي أن أن الأمريكية يوم 14 يناير الماضي، قال غراهام أن اللجنة المكلفة بالتحقيق في هجمات 11 سبتمبر لم تتقفَ آثار خيوط قمنا نحن في الاستخبارات الأمريكية بتقفيها.

ويقول غراهام أن هذه الصفحات تتعلق بعملية تمويل هجمات 11 سبتمبر وتشير بقوة إلى دور المملكة العربية السعودية في هذا الأمر، حيث ظلت هذه الصفحات سرية منذ عام 2002م.

وكان الأمير بندر بن سلطان السفير السابق في الولايات المتحدة قد طلب الكشف عن هذه الصفحات لكن الإدارة الأمريكية رفضت، وهو ما وصفه غراهام بأنه اتفاق مسبق بين الطرفين.

من جانب آخر فقد طالبت أسر ضحايا هجمات 11 سبتمبر بالكشف عن هذه الصفحات، حيث تلقت الأسر وعدًا من الرئيس أوباما بالكشف عنها لكن الوعد لم يتحقق. بالإضافة لمطالبات عدد من السياسيين الأمريكيين بالكشف عن الصفحات ومن بينهم عضو الحزب الجمهوري والتر جونز وعضو الحزب الديموقراطي ستيفن لانش.

وكان الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش قد طلب من اللجنة المكلفة بالتحقيق في هجمات 11 سبتمبر بعدم نشر هذه الصفحات ونشر باقي صفحات التحقيق البالغ عددها 832 صفحة.

شهادة زكريا موسوي

زكريا موسوي هو مواطن فرنسي اعترف بمشاركته في الإعداد لهجمات 11 سبتمبر 2001م بالولايات المتحدة الأمريكية ونتيجة لذلك فقد حكمت عليه محكمة اتحادية أمريكية بالسجن مدى الحياة دون إمكانية الإفراج المشروط.

شغل موسوي منصب المساعد الشخصي لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن.

تم القبض على موسوي قبل هجمات 11 سبتمبر بأسابيع قليلة وتحديدًا يوم 16 أغسطس 2001م نتيجة انتهاكه لقوانين الهجرة، كما أثيرت حوله ظلال من الشك نتيجة دورات التدريب على قيادة الطائرات التي كان يأخذها في ولاية مينيسوتا الأمريكية، حيث كان موسوي أحد المشاركين المحتملين في تنفذ الهجوم بالطائرات يوم 11 سبتمبر لولا القبض عليه.

وقد قامت أسر ضحايا 11 سبتمبر برفع قضية إلى المحكمة الفيدرالية تتهم فيها المملكة العربية السعودية بالضلوع في هجمات 11 سبتمبر، وبناء على ذلك فقد قدم موسوي شهادته في القضية والمكونة من 100 صفحة.

جاء في شهادة موسوي أن قائد تنظيم القاعدة في أفغانستان أرسل إليه أوامر عام 1998م أو 1999م لإنشاء قاعدة بيانات معلوماتية للجهات المانحة للتنظيم، وكان من بين هؤلاء الذين تم إدراج أسماؤهم الأمير تركي الفيصل رئيس جهاز الاستخبارات السعودي السابق، والأمير بندر بن سلطان السفير السعودي – لفترة طويلة – السابق في الولايات المتحدة الأمريكية بالإضافة لعدد من رجال الدين السعودي البارزين.

كما جاء أيضًا في شهادته – وهذا هو الأخطر – أنه قام بحمل رسائل شخصية من بن لادن إلى ولي العهد السعودي سابقًا والملك الحالي سلمان بن عبد العزيز. كذلك ذكر الموسوي أنه قابل مسئولين دبلوماسيين سعوديين من أجل مناقشة اغتيال الرئيس الأمريكي باستخدام صاروخ أرض جو يستهدف طائرته الرئاسية.

لقاءات موسوي مع عدد كبير من المسئولين السعوديين جاءت في أعقاب تفجيرات سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا عام 1999م حيث أشار لعودته بمبالغ مالية.

وقال الموسوي أن بن لادن كان يريد أن يحتفظ بقائمة للأشخاص الذين كانوا يقدمون الأموال لتنظيم القاعدة. وأضاف موسوي في شهادته أنه حمل رسائل شخصية إلى الأمراء وبعض رجال الدين السعوديين.

جاء في الشهادة أيضًا أن موسوي قابل في بداية عام 2001م أميرًا وأميرة سعوديين خلال فترة تعلمه قيادة الطائرات بتمويل من القاعدة في ولاي أوكلاهوما وأنه حصل منهما على أموال.

موسوي ادعى أيضًا أنه تعرض مرتين للهجوم في السجن بأوامر من “رمزي يوسف” الذي يقضي حكمًا بالسجن كونه العقل المدبر لتفجير مركز التجارة العالمي عام 1993م، وذلك بهدف قتله ومنعه من الإدلاء بشهادته ضد السعودية.

السعودية ترد

يوم الاثنين الماضي نشرت السفارة السعودية بواشنطن بيانًا يشير إلى أن “لجنة 11 سبتمبر الوطنية” رفضت هذه المزاعم بضلوع المملكة في الهجمات عبر التمويل المادي لتنظيم القاعدة.

البيان ذكر أن زكريا موسوي هو شخص “مجرم مختل وقدم محاموه أدلة على أنه غير مؤهل عقليًا وأن أقواله ليس لها أي مصداقية”.

وبالفعل فقد شخص أحد الأطباء النفسيين موسوي على أنه مريض عقلي وأنه مصاب بانفصام في الشخصية ويعاني من أوهام وتشوش في الأفكار، وتم الشهادة بذلك في المحكمة الأمريكية الخاصة بموسوي لكن المحكمة رأت أنه يمكن محاكمته بتهمة الإرهاب ليحكم عليه بالسجن مدى الحياة عام 2006م.

البيان ذكر أيضًا أن غرض موسوي من هذه الإدعاءات هو “لفت الأنظار إليه والقيام بما لم يقدر عليه الإرهاب”، والمقصود هنا هو التأثير على العلاقات الأمريكية السعودية.

السعودية والمجاهدين

في فترة الثمانينات قام مسئولي الدولة السعودية بالمساهمة المادية لفصائل المجاهدين الأفغان في حربهم ضد الاتحاد السوفيتي. كذلك تشير التقارير إلى أن المملكة قامت بتقديم دعم مالي لأفراد من منطقة الشرق الأوسط للمشاركة في الصراع الأفغاني السوفييتي.

بالطبع فإن المجاهدين الأفغان هم الذي تحولوا لاحقًا إلى حركة طالبان أفغانستان والتي بدأت تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية هي العدو الرئيسي.

في تسعينات القرن الماضي حدث خلاف بين زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن مع المملكة العربية السعودية التي قامت بتجريده من جنسيته فرد بن لادن عامي 1995 و1996م بنشر لوائح اتهام للأسرة الحاكمة السعودية وصفت بالانتقاد اللاذع لسياسات آل سعود.

بعد هذا قامت المملكة العربية السعودية بالتفاوض مع حركة طالبان الحاكمة في أفغانستان من أجل طرد بن لادن من أفغانستان. تم الاتفاق وتم التنفيذ عبر سفر الأمير تركي الفيصل مدير المخابرات إلى مدينة قندهار الأفغانية من أجل التقاط بن لادن وترحيله للسعودية، لكن حركة طالبان تراجعت عن اتفاقها.

صحيفة الغارديان البريطانية أشارت إلى أن الحديث عن استهداف الطائرة الرئاسية الأمريكية بصاروخ أرض جو قد يبدو ممكنًا لكن من غير الممكن أن تدور هذه النقاشات مع شخص يعتبر قليل الشأن داخل تنظيم القاعدة مثل موسوي.

إعادة تقييم العلاقات

في مقال للكاتب الصحفي المختص بشئون الشرق الأوسط “روبرت فيسك” قام بتحميل المسئولية للوهابية السعودية وما تحمله من أفكار سلفية، كما قال أن هناك انقسام بين وزارة الخارجية الأمريكية ووزارة الدفاع حول المسئولية الرئيسية للسعودية لوجود الاتجاه السلفي الجهادي، فترى وزارة الخارجية أن النظام الملكي هو قوة معتدلة موالية للغرب، فيما ترى وزارة الدفاع أن جميع الأفكار الإسلامية تتجه إلى السعودية.

روبرت فيسك أشار إلى أن هناك تفكير مفترض داخل الإدارة الأمريكية من أجل إعادة حساباتها في علاقتها مع المملكة.

وأضاف أن الدولة السعودية قامت بدعم مالي ومعنوي سابق لحركة طالبان التي تحولت إلى الحاضن الأول لتنظيم القاعدة، كما أن السعودية في القرن الثامن عشر الميلادي تميزت بوهابيتها الشبيهة بطالبان أفغانستان من حيث “كراهية النساء وقطع رؤوس العامة بشكل بشع”.

وأشارك فيسك إلى لقاء سابق تم في فترة التسعينات بين أسامة بن لادن وبين الأمير تركي الفيصل في باكستان، بالإضافة إلى التذكير بأن أسامة بن لادن نفسه هو سعودي وأن 15 شخص من منفذي هجمات سبتمبر التسعة عشر هم سعوديون، وبالتالي فإن السعودية مسؤولة بشكل أو بآخر عن هذه الهجمات إما أنها قامت بالتمويل أو أنها زرعت فكرًا متطرفًا في نفوس عدد لا بأس به من السعوديين يسمح بتنفيذ مثل هذا النوع من الهجمات.

أحد المحللين في مؤسسة راند – وهي مؤسسة للبحث والتحليل تقدم خدماتها للجيش الأمريكي – قال في أعقاب هجمات 11 سبتمبر أن المملكة العربية السعودية “كانت نواة الشر في الشرق الأوسط وكانت نشطة في كل مستوى من مستويات الإرهاب!”

لماذا الآن

في الآونة الأخيرة حدثت مجموعة من المتغيرات التي تتعلق بسياسات الولايات المتحدة الأمريكية بخصوص منطقة الشرق الأوسط لعل أبرزها التقارب الأمريكي الإيراني وسكوت الولايات المتحدة عن التمدد التدريجي لإيران في عدد من الدول العربية مثل اليمن ولبنان.

في الأيام الأخيرة من حياة الملك عبد الله بن عبد العزيز اتخذت السعودية موقفًا سلبيًا من إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما نتيجة تقارب الولايات المتحدة مع إيران على حساب دول الخليج، وعدم دعم الولايات المتحدة للموقف السعودي الرامي للإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد من سدة الحكم – خصوصًا مع تقاربه من إيران، وقبل هذا كان انتقاد السعودية لأمريكا لعدم دعمها للرئيس المصري السابق حسني مبارك.

الولايات المتحدة كأنها استيقظت في يوم ما لتجد نفسها غير محتاجة للدولة الصديقة طوال عقود مضت، كما لو أن السحر بين الدولتين قد اختفى فجأة، هذا كان وصف الكاتب الصحفي سيمون تيسدال في صحيفة الغارديان البريطانية لوصف العلاقات الأمريكية السعودية هذه الأيام.

كل هذه الأمور أدت إلى إثارة عدد من الأسئلة التي يجتهد البعض للإجابة عنها دون وجود رأي قاطع نهائي.

لماذا قام أسر ضحايا هجمة 11 سبتمبر برفع القضية في هذا الوقت وبعد مرور 13 عام على الهجمات واتهامهم للسعودية؟

لماذ ثار الجدل حول الـ 28 صفحة الخاصين بموضوع تمويل العمليات في هذه الأيام رغم أن التقرير الذي يضمهم تم نشره في العام التالي للهجمات؟

لماذا قام زكريا موسوي بتغيير شهادته بشكل مفاجىء في هذه الأيام بالذات واتهامه لمسئولين سعوديين رفيعي المستوى ولماذا لم يشر لذلك في التحقيقات السابقة قبل وبعد هجمات سبتمبر؟

لماذا يبدي الإعلام الغربي بشكل عام اهتمامًا بشهادة موسوي رغم أنهم يعلمون أنه مختل عقليًا؟ حيث أن جميع المواقع والصحف الغربية الكبرى قامت بفرد فقرات مختلفة لهذا الموضوع بين الخبر وتحليلاته واحتمالية صدقه. من بين هذه الصحف كانت نيويورك تايمز والواشنطن بوست والغارديان والإندبندنت وكاتبها الشهير روبرت فيسك.

صحيفة الغارديان البريطانية حاولت الإجابة على جزئية لماذا يغير موسوي شهادته الآن فقالت أن موسوي رغم اعترافه بذنبه لكنه قال خلال محاكمته أنه لم يكن جزءًا من مؤامرة 11 سبتمبر وأنه كان موجودًا في الولايات المتحدة لتنفيذ شكل آخر من أشكال الهجوم، وفي عام 2010م تم رفض الاسئناف المقدم من قبل موسوي ضد الحكم الصادر ضده.

في هذه الحالة فإن وجود تفاصيل جديدة حول مؤامرات مزعومة قد يكون نوعًا من محاولة من قبل موسوي لإلغاء عقوبة السجن مدى الحياة التي يخضع لها حاليًا خصوصًا مع الملل الشديد الذي يعانيه المسجونون مدى الحياة في السجن.

لكن الصحيفة عادت لتتشكك في التوقيت المتزامن مع المطالبات بالكشف عن الـ 28 صفحة الخاصة بتقرير لجنة 11 سبتمبر.

المصادر

تحميل المزيد