خلال الأسبوع الماضي، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بالأمير تركي بن عبد الله، نجل العاهل السعودي الراحل، الملك عبد الله بن عبد العزيز، في اجتماع مغلق داخل مؤسسة الرئاسة المصرية، لم تصدر بشأنه مؤسسة الرئاسة أي بيانات إعلامية، توضح تفاصيل الاجتماع، كعادتها في معظم الاجتماعات الرئاسية.

كسر حاجز هذا الصمت المطبق، المخيم على تفاصيل الاجتماع، بعض من تغريدات السفير السعودي في القاهرة، أحمد قطان، عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، والمعروف بنفوذه الواسع، داخل الأوساط الصحفية والإعلامية المصرية، حيث أعلن أن هذا اللقاء تضمن استعراض الأعمال، المنفذة من قبل المؤسسة الخيرية العالمية، المسماة على اسم خادم الحرمين الشريفين، الملك عبد الله بن عبد العزيز، للأعمال الإنسانية في مصر. أعمال في مقدمتها إعادة تأهيل جامع «الأزهر الشريف»، وكذا مشيخة الأزهر الأثرية.

توسع دعم المملكة العربية للسعودية، لمؤسسة الأزهر خلال العاميين الأخيرين، بشكل مُلفت للنظر، ما يطرح العديد من التساؤلات، حول فرص تحول هذا الدعم لسيطرة كاملة، من جانب السعودية على الأزهر، ومدى إمكانية تحول الأزهر إلى فاعل سياسي، في ساحة الصراعات المُقبلة.

تمويل قناة «الأزهر».. وإعادة تأهيل مسجده.. ورحلات حج وعمرة لمشايخه

تحقق نفوذ المملكة العربية السعودية، داخل مؤسسة الأزهر، عبر قنوات متعددة، حيث يأتي في صدارة هذه القنوات: ضخ أموال لتمويل مشاريع كبرى داخل المؤسسة الأزهرية، خصوصًا مع الضائقة المالية التي تمر بها المؤسسة، وتعثرها في كثيرٍ من المشاريع، المعلن عن تنفيذها منذ سنوات، ولم تستكمل بعد.

تزامنت ولاية الملك سلمان بن عبدالعزيز، مع توسع مصادر تمويل السعودية، لمشاريع مؤسسة الأزهر، حيث شملت تمويل القناة الرسمية للأزهر الشريف، التي اتخذت اسمًا لها «الأزهر»، وتخضع لإشراف كامل من المؤسسة، وسيتنوع محتواها التلفازي بين برامج التوك شو، والمحتوى الاجتماعي والإخباري والعلمي، من خلال استقطاب عدد من مُقدمي البرامج التليفزيونية المعروفين، لتقديم البرامج الدينية المكونة للمادة الرئيسية للقناة، ويتناوب على تقديمها شيوخ المؤسسة الأزهرية، تحت إشراف كامل للداعية الديني المعروف خالد الجندي.

تمويل المملكة للقناة، المتوقع إطلاقها رسميًّا مع بداية العام القادم، يشمل كذلك تبرع السعودية للأزهر بقطعة أرض، بجوار المشيخة في منطقة «الدراسة»، في العاصمة المصرية «القاهرة»، لتتم عليها عملية بناء أستوديوهات للقناة، ولتوفير مصدر دائم لتمويل القناة، بعد انطلاقها لضمان استمرار عملية البث، وعدم تعرضها لأي عثرات مالية محتملة، تعرضها للغلق كحال أغلب القنوات الجديدة.

وشملت التدفقات المالية للمملكة التعهد بإعادة تأهيل جامع الأزهر الشريف، وكذا مشيخة الأزهر الأثرية، بجانب تنظيم رحلات حج وعمرة موسمية، لأعضاء هيئة كبار العلماء، وأعداد كبيرة من شيوخ الأزهر، بما يشتمل على توفير تذاكر طيران سياحي، والإقامة داخل المملكة في فنادق مُميزة. ويتوازى مسار الدعم المالي، مع مسارات أخرى، ترعاها المملكة أيضًا، كتنظيم لقاءات واجتماعات مشتركة، بين شيوخ الأزهر والمسؤولين الرسميين بوزارة الأوقاف السعودية، وإطلاق مبادرات للأزهر، تتولي هي رعايتها بشكل غير مُباشر.

مُصطفى بكري.. ورقة «المملكة» الرابحة لتأميم الأزهر

سعت المملكة العربية السعودية، عبر مُمثلها في مصر، أحمد القطان، لتوسيع نفوذها الصحافي، عبر نسج علاقات قوية، مع عدد من الكتاب الصحافيين، وعلى رأسهم مصطفى بكري، الصحافي المصري المعروف، والمقرب من النظام المصري الحالي.

أتى نسج العلاقة مع بكري في سياق «براجماتي»، لكلا الطرفين، فالمملكة ترغب في تأسيس جناح إعلامي تابع لها، في آلة إعلامية كبرى كالإعلام المصري، جناح تتمثل مهمته الرئيسة في الدفاع، بشكل أساسي، عن القضايا التي تراها المملكة على قمة أولوية سياستها الخارجية، والمتمثلة في تشكيل رأي عام مصري ونخبوي، مُناهض للجناح الداعم للتقريب بين السنة والشيعة، وتأسيس علاقات مستقرة بين مصر وإيران.

بينما يُمثل الأمر لـ«بكري» مكسبًا من الناحية «المادية»، كما تُظهر إحدى الوثائق المُسربة، من وزارة الخارجية السعودية، والمتضمنة للقاء بكري بأحمد القطان في القاهرة، وتحذير الأول للثاني، باقتراب الحكومة الإيرانية من عدد من الإعلاميين المصريين، وتجاوب الرأي العام المصري معهم.

وكان عدد من الوفود الإعلامية المصرية، من أطياف سياسية متنوعة، قد نظم أكثر من زيارة للعاصمة الإيرانية طهران، في أعقاب «ثورة 25 يناير»، زيارات شملت مساعي لفتح قنوات التواصل بين الجانبين، وهو الأمر الذي عززه تولي «نبيل العربي» منصب وزير الخارجية المصري حينها، وتبنيه سياسة إعادة فتح قنوات دبلوماسية، للتواصل بين الجانبين.

وتتمثل منفعة بكري المالية، في سياق دعم المملكة لأي دور مصري، يدعم ويناهض مسألة التقارب، بين المؤسسة السنية الأكبر في العالم الإسلامي، وإيران. هذا الأمر أدركه الصحافي المصري، من خلال تقديمه مُبادرة لدعم المملكة له ماليًّا، لتحويل صحيفته إلى إصدار يومي بدلًا من أسبوعي، وتأسيس حزب سياسي، وإطلاق قناة فضائية تكون «صوتًا قويًّا ضد الشيعة وتساند مواقف المملكة».

الشيعة وإيران.. ما وراء اهتمام «السعودية» بالأزهر

تُظهر الوثائق المسربة، من وزارة الخارجية السعودية، السياق الأوسع لاهتمام المملكة البالغ بمؤسسة الأزهر، وهو تدعيم استمرار القطيعة بين مؤسسة الأزهر، كممثل لأكبر كتلة سنية في العالم العربي، والشيعة وعلى رأس ممثلتهم «إيران»، وقطع أي طريق لمساعي بعض شيوخ الأزهر، كالشيخ الأزهري الراحل محمود شلتوت، في تضييق مساحة الخلاف بين الجانبين.

توضح الوثائق المسربة هذا الأمر، من متابعة السفير السعودي في القاهرة، أحمد القطان، لهذا الملف، عبر تواصله مع ممثلين عن الأزهر الشريف، من بينهم شيخ الأزهر، وعدد آخر من رموز التيارات الإسلامية المتنوعة، وتنسيق جهود ما أسماه السفير السعودي «التصدي لمحاولات المد الشيعي في مصر».

يؤكد هذا الأمر ما ورد أيضًا في مضمون إحدى البرقيات المُسربة، من وزارة الخارجية السعودية، عن رعاية المملكة، بشكل غير مباشر، لمؤتمر صحافي، عقده الداعية السلفي «محمد حسان»، لإطلاق مبادرة تحت رعاية اﻷزهر «لمواجهة المد الشيعي، بنشر الكتب والدوريات الفقهية، وعقد الندوات والمؤتمرات، في النوادي والتجمعات الشبابية، للتحذير من هذا الخطر الطائفي».

لا تنحصر
سياسة المملكة لدعم الأزهر، في مسألة التقريب بين وجهتي النظر، من الجانب الديني، ولكنها تمتد لمنع الأزهر من الموافقة على قبول الطلاب الشيعة للدراسة في اﻷزهر، وكذلك منع تكرار زيارات الباحثين الإيرانيين لمصر.

السعودية: الأزهر دوره الأساسي مواجهة الشيعة.. والأزهر يرد: نحن والسعودية على قلب رجلٍ واحد

تواصل «ساسة بوست» بدوره مع عباس شومان، وكيل الأزهر، في اتصال هاتفي، للرد على كافة الاستفسارات، المتعلقة باتساع حجم نفوذ السعودية في الأزهر.

وأكد شومان لـ«ساسة بوست» أن مؤسسة الأزهر الشريف، والمملكة العربية السعودية، «على قلب رجل واحد لمُكافحة الإرهاب»، ونشر الإسلام الوسطي، موضحًا أن دعم المملكة ماليًّا للأزهر، يأتي في هذا السياق، خصوصًا أن «رسالتنا واحدة»، كما قال.

وأضاف شومان أن التقارب الأخير يأتي في سياق دورٍ أكبر لمؤسسة الأزهر، تدعمه مصر والمملكة معًا، مؤكدًا أن هذا الدور يشمل استعادة النفوذ العالمي للأزهر، بالمنطقة العربية، وكذلك الوقوف ضد التشيع السياسي.

وتتطابق وجهة نظر شومان مع رأي «أنور عشقي»، الجنرال السعودي السابق، ورئيس مركز الشرق للدراسات السياسية والإستراتيجية، الذي أكد في اتصال هاتفي، أجراه معه «ساسة بوست»، أن المملكة تدعم الأزهر، لأن إيران أصبحت الخطر الأكبر على العالم الإسلامي، من خلال نشر الفتن، وتدبير الحوادث، «كما حدث في حادثة رافعة الحرمين الشريف»، كما قال.

وأضاف عشقي: «تدرك المملكة جيدًا أهمية دور مؤسسة الأزهر، في التصدي للخطر الشيعي، دور ينبغي أن يتوسع في الفترة المقبلة، بما يتناسب مع الخطر الإيراني، الساعي لحرق المنطقة بأكملها».

عرض التعليقات