العجز والديون وأوجه الإنفاق ومعدل النمو، هي الأرقام الرئيسة التي تعتبر الأهم عند مناقشة أي موازنة عامة، وذلك بعيدًا عن حجم هذه الموازنة؛ إذ لا يعني أنه إذا نجحت حكومة دولة ما في إعداد موازنة تعد الأكبر في تاريخها، أنها بذلك حققت إنجازًا تاريخيًا على المستوى الاقتصادي، بل من الطبيعي أن تكون الموازنة القادمة أكبر رقميًا من العام الحالي والسابق، لذلك عندما نتحدث من المنظور الاقتصادي لا نهتم بمثل هذه العناوين الرنانة، بل دائما ما نسأل كم هي نسبة العجز؟ وإلى أين ستصل الديون مع هذه الموازنة؟ وما هي أوجه الإنفاق؟ وما هي نسبة النمو المتوقعة؟ وغيرها من الأسئلة التي تجعلنا نحكم على مشروع الموازنة هل هو جيد أم سيئ؟

خلال هذا التقرير سنتحدث عن الموازنة الأهم في الشرق الأوسط، وهي موازنة السعودية للعام المالي 2019، والتي أعلنت عنها المملكة أمس، بأرقام قياسية من حيث النفقات والإيرادات، لكنها تشمل عجزًا للعام السادس على التوالي، وسنحاول أن نوضح أكثر هذه الأرقام وإمكانية تحقيقها، من خلال مناقشة بيان الموازنة الصادر عن وزارة المالية السعودية وتحليلها بصورة واقعية وفق المعطيات الاقتصادية المحلية والعالمية.

العالم والاقتصاد

منذ 10 شهور
هل تحطمت أحلام ابن سلمان الاقتصادية على «صخرة» خاشقجي؟
1526
فريق العمل

وقبل الخوض في تفاصيل الموازنة، يجب الإشارة إلى أن هناك مفارقتين في غاية الأهمية، المفارقة الأولى تتعلق بأسعار النفط، ففي اليوم الذي أعلنت المملكة عن موازنتها القياسية معتمدة على توقع أن تقفز إيراداتها من النفط بنسبة 9%  أي حوالي 662 مليار ريال في 2019، هوت أسعار النفط في اليوم ذاته بأكثر من 5%، إذ هبط خام القياس العالمي «مزيج برنت» 3.35 دولار، بما يعادل 5.62%  ليصل سعر البرميل حوالي 56.26 دولار.

هذا الأمر بالطبع لا يبشر بخير، ويجعلنا نقول أن ما عقدت عليه الحكومة السعودية آمالها ربما لم يكن في محله، فمعظم توقعات السوق تشير إلى أن أسعار النفط لن ترتفع كثيرًا على الأرجح العام القادم، بل ربما لن تشهد أي ارتفاع، بل انخفاض كما حدث أمس.

بيان الميزانية 2019  شكل رقم (1)

يشار إلى أن المملكة لا تكشف عن السعر المفترض للنفط الذي تضع الموازنة على أساسه، إلا أن خبراء اقتصاديين، من بينهم مونيكا مالك، كبيرة الخبراء الاقتصاديين لدى بنك «أبوظبي» التجاري، يقدرون أن موازنة 2019 تفترض سعرًا لخام «برنت» عند 70-71 دولارًا للبرميل، مع إنتاج قدره 10.2 مليون برميل يوميًا، وبمقارنة هذا الرقم بسعر النفط المسجل أمس نجد أن هناك فجوة تصل إلى 14 دولارًا بين المقدر والحالي.

العالم والاقتصاد

منذ سنتين
كيف غير خوف السعوديين من المستقبل أولوياتهم في الشراء؟
6070
أحمد طلب

أما المفارقة الثانية فهي تتعلق بالجانب الثاني من الإيرادات وهي الإيرادات غير النفطية، فبحسب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان فإن حكومة المملكة تتوقع زيادتها إلى 313 مليار ريال في 2019، ارتفاعًا من 287 مليار ريال في 2018، وذلك بنسبة 9%، إلا أن المفارقة تتمثل في أن البوابة الأهم (البورصة) لجذب استثمارات تساهم في تحقيق هذا الهدف؛ سجلت تراجعًا خلال جلسة أمس، تزامنًا مع الإعلان عن الموازنة؛ إذ هبط المؤشر الرئيس بنسبة 0.3% حوالي 7943 نقطة، وهذا مؤشر على أن  المستثمرين لم يتفاءلوا بإعلان المملكة عن أكبر موازنة في تاريخها.

1.106 تريليون ريال.. على ما ستُنفَق هذه المليارات؟

تشير تقديرات الموازنة إلى أن السعودية تخطط لزيادة الإنفاق الحكومي بما يزيد على 7% العام القادم بهدف تحفيز النمو الاقتصادي، إذ يتوقع أن يرتفع الإنفاق إلى أعلى مستوياته على الإطلاق عند 1.106 تريليون ريال، وذلك مقارنة بإنفاق فعلي قدره 1.030 تريليون ريال هذا العام، وبالرغم من أن هذه الأرقام قد تبدو ضخمة، إلا أن جان بول بيجا، رئيس البحوث لدى «لايت هاوس ريسيرش» في دبي، قال: «إن هذه الزيادة أقل مما كان متوقعًا».

فالموازنة الضخمة المعلنة ما هي إلا استمرار لمسلسل العجز المتتالي للعام السادس، وفي ظل هذا الحجم من الإنفاق، يمكن القول إن موازنة 2019 تشكل تباطؤًا في توجه المملكة نحو تقليص العجز، الذي تعهدت الحكومة بالقضاء عليه بحلول 2023، وتشير البيانات رقم (1) والمدرجة أعلاه إلى أن العجز المحقق خلال 2018 سجل 136 مليار ريال، مقابل عجز متوقع ببداية العام عند 195 مليار ريال، بينما تتوقع المملكة انخفاضًا طفيفًا في العجز ليصل إلى 131 مليار ريال في 2019.

بيان الميزانية 2019 شكل رقم (2)

لكن وكما ذكرنا فهناك فجوة بين الواقع والتوقعات قد تجعل العجز يتسع خلال العام، بالإضافة إلى أن ميزانية السعودية الفعلية دائما ما تشهد زيادة في الإنفاق عما هو متوقع، كما هو موضح بالرسم البياني (2)، وهو ما يعزز أيضًا أننا سنشهد زيادة في نسب العجز، ناهيك عن أن الحكومة خلال 2018 حققت إيرادات غير اعتيادية ومن غير المتوقع تكرار الأمر، فبحسب وزير المالية محمد الجدعان، فقد تلقت المالية العامة ما يزيد عن 50 مليار ريال في تسويات توصلت إليها مع محتجزين في حملة على الفساد أُطلقت في نهاية العام الماضي.

بيان الميزانية 2019 شكل رقم (3)

وكما يوضح البيان رقم (3)، فإن توزيع الإنفاق على القطاعات يختلف في 2019 عن العام الجاري بشكل ملحوظ، إذ حل التعليم محل الإنفاق العسكري ليكون أكبر البنود التي ستنفق عليها المملكة خلال 2019، لكن بالرغم من ذلك فإن مخصصات التعليم تراجعت بواقع 12 مليار ريال عن المتوقع في العام الجاري، بينما تراجعت بواقع 14 مليار ريال عن المحقق في 2017، وتقول الحكومة أن ما تم تخصيصه للتعليم يبلغ 192.82 مليار ريال، ويتضمن هذا الرقم إنفاق الحكومة على مبادرات برامج تحقيق رؤية المملكة 2030 والمقدرة بمبلغ 89.4 مليار ريال، إضافة إلى مخصص مبادرات برنامج تنمية القدرات البشرية والذي لم تعلن الحكومة عن تفاصيله بعد.

العالم والاقتصاد

منذ 11 شهر
أولى نتائج خروج الوافدين.. أزمة عقارية تهز دول الخليج
3958
أحمد طلب

ويأتي بعد قطاع التعليم من حيث الإنفاق؛ القطاع العسكري، بإنفاق إجمالي حجمه 190.9 مليار ريال، وبالرغم من انخفاضه بنسبة 12% عن العام الجاري، إلا أنه يظل يستحوذ على نسبة كبيرة من الموازنة، وفي حال تم جمع مخصصات هذا القطاع مع قطاع الأمن والمناطق الإدارية نجد أن المخصصات الأمنية وصلت إلى 294 مليار ريال وهو ما يشكل أكثر من ربع إجمالي الموازنة.
على الجانب الآخر رفعت الحكومة الإنفاق بقوة على قطاعات: الموارد الاقتصادية والنقل، بزيادات بلغت نسبتها 24% و28% على التوالي، في إشارة واضحة إلى مساعٍ قوية من الحكومة لدعم حركة الاقتصاد؛ لأن حركة الاقتصاد السعودي تعتمد في النهاية على الإنفاق الحكومي.

وبالنظر إلى الأرقام نجد أن أكبر قطاع حصل على زيادة في الموازنة هو قطاع البنود العامة، ولفهم أسباب هذه الزيادة يجب أن نفهم أن هذا القطاع يشمل حصة الحكومة للمؤسسة العامة للتقاعد والتأمينات الاجتماعية، بالإضافة إلى تكلفـة الدين، ومخصص دعم الميزانية، ومصروفات الطوارئ، ويمكن القول أن بند تكلفة الدين هو السبب الرئيس في زيادة مخصصات هذا القطاع، كما سنوضح لاحقًا.

2.6 % نمو اقتصادي.. هل يكفي لاستيعاب أزمات السعودية؟

كما ذكرنا فإن الموازنة الجيدة ينتج عنها نمو اقتصادي جيد، وبالنظر إلى الحجم القياسي للإنفاق في موازنة السعودية لعام 2019، فإن معدل النمو المتوقع لا يتماشى مع هذه الزيادة، إذ تشير تقديرات الحكومة إلى أن النمو المتوقع في 2018 سيكون بنسبة 2.3%، وفي ظل الإنفاق الكبير في موازنة 2019، فإن توقعات النمو بنسبة 2.6% في 2019، يُعد نموًا متواضعًا وغير كافِ لحل مشاكل اقتصاد المملكة المتفاقمة والتي أبرزها البطالة، على سبيل المثال.

بيان الميزانية 2019 شكل رقم (4)

توضح البيانات رقم (4) أن معدل النمو المذكور يعتبر تباطؤًا مقارنةً بسنوات الازدهار، إذ تجاوز النمو في 2011 خانة العشرات، ولكن في 2019 تتوقع الحكومة تحقيق نمو في القطاع غير النفطي من الاقتصاد، بنحو 2.5% فقط مقارنة بـ2.3% هذا العام، أي أن النمو في حدود 0.2% فقط وهي نسبة ضئيلة جدًا ولا تحقق التنوع الاقتصادي الذي دائما ما تتحدث عنه الحكومة.

بيان الميزانية 2019 شكل رقم (5)

بالإضافة إلى أن هذا المعدل غير كافٍ على نحو كبير لكبح معدل البطالة القياسي البالغ 12.9% بين السعوديين، خاصة أننا نتكلم عن القطاع المسؤول بشكل مباشر عن توفير النسبة الأكبر من الوظائف، إلا أن وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي قال إن بلاده تتوقع تراجع معدل البطالة لديها بدءًا من 2019، مشيرًا إلى أن مساهمة المواطنين السعوديين في سوق العمل تبلغ 42% حاليًا.

الديون لا تتوقف عن النمو.. 118 مليار ريال زيادة متوقعة

يسجل الدين العام السعودي نموًا ملحوظًا خلال السنوات القليلة الماضية، ورغم أن الحكومة توقعت إيرادات قياسية إلا أنها توقعت كذلك ديون قياسية؛ إذ يواصل الدين العام بشكل ملحوظ كما يوضح الشكل التالي (6):

بيان الميزانية 2019 شكل رقم (6)

وتتوقع السعودية أن يصل الدين العام بنهاية 2019 إلى 678 مليار ريال، وذلك بزيادة نحو 118 مليار ريال عن العام الجاري، إلا أن هذا الرقم مرشح للزيادة في ظل الفجوة المتوقعة في الإيرادات، بالإضافة إلى أن الحكومة كانت تتوقع مع بداية 2018 أن تصل ديونها إلى 555 مليار ريال، لكن تشير التوقعات إلى أن المحقق نحو 560 مليار ريال وهو ما يرجح أن الرقم المعلن قابل للزيادة.

وسجلت الديون السعودية قفزات كبيرة خلال السنوات القليلة الماضية، إذ تضاعفت نسبة الديون لإجمالي الناتج المحلي للمملكة بنحو 20 مرة وذلك من نهاية 2014 إلى توقعات موازنة 2019، إذ كانت نسبة الديون لإجمالي الناتج المحلي للمملكة 1.6% في نهاية 2014، تشير التوقعات أن تصل هذه النسبة إلى 21.7% في 2019 ثم 24.8% في 2021، وبالرغم من أنه بمقارنة معدلات الديون العالمية تبدو ديون السعودية غير مقلقة، بل ربما تكون عند مستويات آمنه جدًا، لكن توسع الدين في ظل تراجع الاحتياطيات وتباطؤ النمو يعزز من مخاطر هذه الديون.

عام

منذ سنة واحدة
ديون السعودية.. كابوس ما بعد النفط
2741
أحمد طلب

هل السعودية قادرة على تحقيق نمو حقيقي في الإيرادات؟

تحدثنا عن رقم الإيرادات المتوقع وهو الرقم الضخم كما ذكرنا ولكن لم نتحدث تفصيلًا عن  كيفية تحقيق هذه الإيرادات، فالإيرادات نوعان؛ نفطية وغير نفطية، أما النفطية فالمملكة توقع  أن تقفز بنسبة 9% إلى 662 مليار ريال في 2019، لكن يواجه هذا الرقم مخاطر هبوط أسعار النفط بفعل تخمة المعروض وتباطؤ الاقتصاد العالمي جراء التوترات التجارية المتفاقمة، لكن لن نتوقف عند هذا النوع من الإيرادات ففي النهاية هو المصدر الرئيس للدخل في المملكة.

لكن الجانب الآخر الذي تسعى المملكة لتعظيم مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي، فهو الإيرادات غير النفطية، والتي من المتوقع أن ترتفع إلى 313 مليار ريال في 2019 بنسبة زيادة 9% أيضًا، ولكن السؤال الآن من أين ستأتي هذه المليارات؟ بالطبع هناك عدة مصادر لهذه الأموال لكننا سنتحدث عن نوعين فقط منها والتي من المفترض أن تستحوذ على النصيب الأكبر.

العالم والاقتصاد

منذ سنتين
الخصخصة في السعودية .. كل ما تريد معرفته عن ثورة محمد بن سلمان الجديدة
5076
أحمد طلب

المصدر الأول هو الخصخصة، إذ قال محمد التويجري، وزير الاقتصاد السعودي، اليوم، إن هناك خمسة قطاعات جاهزة للخصخصة في الربع الأول من 2019، وتعتمد خطط السعودية لتنويع الاقتصاد على الخصخصة بشكل رئيس؛ إذ تدخل الحكومة مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص لبناء وتشغيل مرافق البنية التحتية إلى جانب مبيعات الأصول في تعريفهم للخصخصة، وفي أبريل (نيسان) الماضي قالت الحكومة إنها تسعى لجمع ما بين 35 و40 مليار ريال من الإيرادات غير النفطية عبر برنامجها للخصخصة بحلول 2020.

أما المصدر الثاني الرئيس للإيرادات غير النفطية، فهو الضرائب، وكما يشير الرسم التالي رقم (7) ، فإن الضرائب على السلع والخدمات تواصل نموها السريع خاصةً بعد تطبيق البلاد لضريبة القيمة المضافة.

بيان الميزانية 2019 شكل رقم (7)

وكما هو موضح في البيانات شكل رقم (1)، فإن المملكة جمعت 45.6 مليار ريال  من ضريبة القيمة المضافة في 2018، بارتفاع إلى أكثر من المثلين عن التقديرات الأولية، بينما تتوقع أن يصل إجمالي الإيرادات الضريبية إلى 166 مليار ريال هذا العام، ارتفاعا من تقديرات أولية عند 142 مليار ريال.

جدير بالذكر أن الحكومة السعودية تفرض رسومًا على تعيين الوافدين واستخراج تأشيرات الإقامة لعائلاتهم وكان من المقرر زيادتها العام القادم في إطار سياسة لتشجيع توظيف المواطنين بدلا من الأجانب، إلا أن وزير المالية السعودي محمد الجدعان، قال اليوم، إنه لا توجد نية لتغيير الرسوم المفروضة على الوافدين.

مما سبق ومن خلال تحليل أرقام الموازنة السعودية لعام 2019، يمكن القول إن نجاح المملكة بإعداد موازنة تريليونية والأكبر على الإطلاق في تاريخ السعودية، لا يمكن اعتباره سوى إنجاز رقمي، لا إنجازًا اقتصاديًا حقيقيًا، كما أن المبالغة الإعلامية في تناول أرقام الموازنة الضخمة تتجاهل الأسئلة المهمة التي يجب تناولها، والتي حاولنا الإجابة عليها خلال هذا التقرير.

المصادر

تحميل المزيد