لماذا تأثرت السعودية من حظر الأسلحة الألمانية رغم تنوع مصادر تسلحها؟

«نداءات متكررة، وصدود ألماني» بهذه الكلمات يمكن تلخيص الجدل الدائر منذ فترة ليست بالقصيرة حول حظر برلين تصدير الأسلحة الألمانية إلى المملكة العربية السعودية، بسبب مشاركة الأخيرة في حرب اليمن ثم مقتل الكاتب جمال خاشقجي.

وجاء آخر نداء من وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان آل سعود، الذي استغل مقابلة مع وكالة الأنباء الألمانية، قبل يومين، لدعوة برلين إلى رفع الحظر، وأوضح الوزير السعودي أنه يأمل «أن تفهم ألمانيا أننا نحتاج إلى وسائل للدفاع عن أنفسنا»، مستشهدًا بالهجمات التي تعرضت لها منشآت نفطية في السعودية العام الماضي، وحملت الرياض إيران مسؤوليتها، وأضاف ابن فرحان أن استمرار الحكومة الألمانية رغم ذلك في عدم إصدار تصاريح بتوريد أسلحة ألمانية للسعودية، يعد أمرًا غير ملائم في إطار العلاقات الجيدة التي تربط بين البلدين.

بيد أن نداء الوزير السعودي لم يكن الوحيد، إذ هاجم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أكتوبر (تشرين أول) 2018، علنًا، في خطوة نادرة، حليفته المستشارة أنجيلا ميركل. وقال الرئيس الفرنسي «إن الكلام عن وقف بيع السلاح إلى المملكة العربية السعودية هو من باب الديماجوجية البحتة»، واعتبر أن بيع السلاح «لا علاقة له بخاشقجي، ولا يمكن خلط الأمور ببعضها البعض».

وفي فبراير (شباط) 2019، انتقدت الحكومة البريطانية نظيرتها الألمانية لتعليقها صادرات السلاح للسعودية، موضحة أن القرار يؤثر على الشركات البريطانية والأوروبية، وناشدت لندن برلين رفع الحظر، وفي مايو (آيار) 2019، قال مصدران مطلعان لوكالة «رويترز» إن شركة إيرباص تدرس مقاضاة الحكومة الألمانية نظرا لأن قرارها بتجميد تصدير أسلحة للسعودية، يعيق استكمال صفقة نظام لأمن الحدود السعودية تكلفتها 3 مليارات دولار.

إلا أن كل هذه الانتقادات، والمناشدات، والنداءات، لم تلقَ صدى في برلين، ولا تزال الأخيرة تحظر تصدير السلاح للسعودية. لكن هذا الحظر يطرح العديد من التساؤلات: لماذا كل هذا الضغط على ألمانيا؟ ولماذا تصر السعودية على رفع الحظر الألماني رغم تنوع مصادر تسلحها؟ 

سياسة  منذ سنتين

هل سيعود الجيش الألماني قريبًا من أقوى جيوش العالم؟

لماذا حظرت برلين الأسلحة الألمانية على السعودية؟

كانت السعودية تحتل المرتبة الثانية في قائمة الدول المستوردة للأسلحة الألمانية من خارج المعسكر الغربي في 2017، أي العام السابق لبدء إجراءات حظر تصدير السلاح للرياض، وفي الفترة بين يناير (كانون ثاني) وأكتوبر (تشرين أول) 2017، وافقت الحكومة الألمانية على صادرات سلاح بقيمة 670.4 مليون يورو إلى الرياض، ما جعل الأخيرة ثاني أكبر مشترٍ للسلاح الألماني بعد الجزائر.

وفي فبراير (شباط) 2018، أبرم الاتحاد المسيحي الحاكم (يمين وسط) بقيادة ميركل، والحزب الاشتراكي الديمقراطي، اتفاق تشكيل حكومة جديدة في البلاد، إثر الانتخابات التشريعية التي أجريت في سبتمبر (أيلول) 2017، ونص الاتفاق صراحة على «وقف تصدير الأسلحة الألمانية لكل الدول المتورطة في حرب اليمن، ما قيد إلى حد كبير صادرات السلاح للسعودية.

وبعد مقتل خاشقجي في الثاني من أكتوبر (تشرين أول) 2018، قررت ألمانيا تشديد قيود تصدير السلاح إلى السعودية، ما جعل الأخيرة خارج قائمة مستوردي السلاح الألماني. وتملك ألمانيا نظامًا مقيدًا لتصدير الأسلحة. إذ يشترط القانون على الحكومة، حين إبرام صفقات لبيع السلاح لدول أجنبية، منع بيع أي قطع ألمانية لطرف ثالث، أو استخدامها في انتهاكات لحقوق الإنسان.

خريطة السلاح السعودي

كان قرار ألمانيا حظر تصدير الأسلحة الألمانية للسعودية كاشفًا عن أهمية الإنفاق العسكري السعودي بالنسبة للحكومات والشركات الغربية على حد سواء. وعلى مدار سنوات، احتلت السعودية مرتبة متقدمة بين الدول الأكثر استيرادًا للأسلحة الغربية، مع تبني القيادة في الرياض أهدافًا أمنية بالأساس، في الشرق الأوسط، بما فيها التدخل في اليمن، تحتاج إنفاق عسكري ضخم وآليات عسكرية متقدمة.

سياسة  منذ 5 سنوات

السعودية المستورد الأول للأسلحة عالميًّا: من أين تحصل على ترسانتها من السلاح؟

في الجهة المقابلة، فإن صادرات الأسلحة للسعودية مهمة للغاية للدول الغربية، مثل الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وغيرها، لأنها توفر الآلاف من فرص العمل، وتساعد شركات كبرى على البقاء في السوق، ما يعني أن وقفها ضربة كبيرة لصناعات وشركات كبرى.

لكن رغم الحظر الألماني وأهمية اقتناء السلاح في استراتيجية السعودية الدفاعية، فإن الأخيرة لا تستطيع اللجوء إلى روسيا والصين للحصول على احتياجاتها كاملة، لأنها تحتاج إلى أنظمة تسلح يمكن أن تعمل معًا بشكل سلس، ولا تريد إرباك قواتها المسلحة بين أسلحة مختلفة المصادر، وطرق التشغيل، والإمكانات.

وفي 2017 على سبيل المثال، احتلت السعودية المركز الأول في قائمة الدول الأكثر استيرادًا لمعدات وخدمات الدفاع، إذ أنفقت المملكة ما يفوق 7 مليار دولار في مجال التسلح. وحصلت الرياض على 53% من أسلحتها من الولايات المتحدة، فيما تتوزع النسبة الباقية على المملكة المتحدة، وكندا، وألمانيا، وفرنسا على الترتيب.

وأوروبيًا، باعت المملكة المتحدة أسلحة بنحو مليار دولار إلى السعودية في العام ذاته، فيما تخطت ألمانيا حاجز النصف مليار دولار بقليل. ورغم الحصة الألمانية الضئيلة في واردات السلاح السعودية، إلا أنها تعد رئيسية وضرورية في آن واحد لمنظومة الدفاع السعودية.

إذًا لماذا تهتم السعودية بالأسلحة الألمانية تحديدًا؟

تملك السعودية أنظمة تسلح ألمانية خالصة، تعد بالغة الأهمية في استراتيجيتها العسكرية، ما يجعل توقف عمليات تصديرها، والذخائر الضرورية لعملها، ضربة موجعة للجيش السعودي الذي يخوض قتالًا في اليمن منذ 2015، ويحشد أحدث الأسلحة تحسبا لسيناريو وقوع مواجهة عسكرية مع طهران.

وبين عامي 2001 و2018، صدرت ألمانيا أسلحة بقيمة 4.2 مليار يورو للسعودية، شملت معدات مكافحة الحرائق والطائرات والسفن الحربية والدبابات والمعدات الكهربائية والبرمجيات والأجهزة المتفجرة والذخيرة والأسلحة الصغيرة «البنادق». 

وفيما يلي أهم الأسلحة الألمانية في الجيش السعودي: 

 بنادق «هكلر آند كوخ»

يعتمد تسليح القوات البرية السعودية على بنادق هكلر آند كوخ الألمانية التي ظهرت بشكل كبير في حرب اليمن. وتقتني القوات البرية السعودية نوعين من هذه البنادق هما: «هكلر آند كوخ HK33»، و«هكلر آند كوخ جي 35»، وهي بنادق هجومية من عيار «5.56×45» ملم ناتو، صممت في أوائل تسعينيات القرن الماضي، عن طريق شركة هكلر آند كوخ في ألمانيا بديلًا للبندقية الأثقل (جي 3) من عيار «7.62×51» ملم ناتو.

ودخلت هذه البنادق الخدمة في الجيش الألماني عام 1997، ويغذيها مخزن ذخيرة قابل للفصل والاستبدال يتسع لـ30 طلقة أو مخازن أخرى بسعة 100 طلقة. وتملك السعودية عشرات الآلاف من هذه البنادق التي تستخدمها قواتها البرية على نطاق واسع، لكن حظر ألمانيا تصدير الأسلحة للمملكة، خلق فجوة كبيرة في احتياطي الذخيرة التي تستخدمها هذه البنادق، في السعودية.

 زوارق دورية

بقدر أهمية البنادق للقوات البرية السعودية، فإن هناك سلاحًا ألمانيًّا آخر يعد بالغ الأهمية للقوات البحرية السعودية، ويلعب دورًا كبيرًا في مراقبة وتأمين الملاحة في الخليج العربي والبحر الأحمر، للحيلولة دون تكرار الهجمات على ناقلات النفط وغيرها، هو زوارق الدورية من نوع «CSB 40» التي يبلغ طولها 40 مترًا.

وتسلمت السعودية خلال السنوات الماضية، 15 زورق دورية (CSB 40) من تصنيع شركة بناء السفن «Luerssen» الألمانية التي تعمل خارج حوض بناء السفن في بلدة فولج جاست الساحلية المطلة على بحر البلطيق في شمال ألمانيا، من أصل 35. لكن قرار حظر تصدير الأسلحة الألمانية للسعودية علق تسليم 20 زورقًا آخرين.

وتتميز زوارق (CSB 40) بمستوى تسليح مرتفع للغاية، حيث يحمل الزورق الواحد 20 جنديًّا، ويضم مدافع 20 ملم، واثنين من الرشاشات الثقيلة. وكان اقتناء البحرية السعودية هذه الزوارق التي صممت خصيصًا للحماية الساحلية، نقلة كبيرة، إذ كانت تعتمد إلى وقت قريب على زوارق دورية من إنتاج الاتحاد السوفيتي الذي انهار في 1991.

ويعمل الـ15 زورقًا حاليًا في الخليج العربي وقبالة سواحل اليمن في البحر الأحمر، وفق تقديرات ألمانية، وتلعب دورًا كبيرًا في رصد سفن تهريب السلاح للحوثيين، لذلك فهي ضرورية للغاية في استراتيجية الدفاع السعودية. وتخفي السعودية نطاق ومهام عمل الزوارق الألمانية التي تسلمتها، مثل تلك التي يطلق عليها فرسان والأفلاج ورفحاء، حيث أغلقت أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بهم منذ التاسع من مارس (آذار) 2018، لإخفاء بياناتها من مواقع التتبع.

عصا ألمانية في عجلة الدفاع السعودية

بخلاف القطع البحرية والبنادق، والذخائر المتعلقة بها، فإن ألمانيا تضع «العصا» في عجلة الدفاع السعودية بطرق أخرى غير صادرات الأسلحة المباشرة. وبصفة عامة، تدخل المكونات الألمانية في العديد من الأسلحة، ومنظومات التسلح التي تصنعها عدة دول أوروبية وخاصة فرنسا، ما يعني أن حظر تصدير الأسلحة الألمانية للسعودية يهدد ترتيبات ومبيعات دول أخرى، بل تشل أنظمة الدفاع السعودية بسبب عدم توافر قطع الغيار للأسلحة والذخائر التي تمتلكها المملكة بالفعل. 

كما أن القرار الألماني يقوض صفقة بـ13 مليار يورو لبيع 48 مقاتلة «يوروفايتر تايفون» ذات الإمكانات التسليحية الكبيرة والقدرة الفائقة على المناورة، للسعودية، لأن المكونات الألمانية ضرورية في صناعة المقاتلة التي تعد إنتاجًا مشتركًا بين خمس دول هي ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا والمملكة المتحدة.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن المكونات الألمانية ضرورية أيضًا في تصنيع أنظمة تسلح «يوروفايتر تايفون»، ما يشل 72 مقاتلة من هذا النوع تمتلكها السعودية بالفعل منذ 2007، وتوقفت مروحيات فرنسية أخرى عن العمل في المملكة العربية السعودية، بسبب عدم وجود قطع الغيار الألمانية.

ويعطل غياب المكونات الألمانية أيضًا، تحرك شحنات صواريخ «ميتيور جو-جو» للسعودية من إنتاج شركة «إم.بي.دي.أي» التي تملكها شركات «إيرباص» و«باي سيستمز» البريطانية وشركة «ليوناردو» الإيطالية. وتصنع ألمانيا أنظمة الدفع في صواريخ ميتيور وأيضًا رؤوسها الحربية، وتستخدم هذه الصواريخ على مقاتلات تايفون.

وفي تصريحات خاصة عبر الهاتف، قالت الباحثة المتخصصة في الشؤون الألمانية، وزميلة مجلس الشؤون الخارجية، أورلكه فرانكه: إن «قرار ألمانيا حظر تصدير السلاح للسعودية، الذي أصبح مطبقًا بشكل فعال عقب مقتل خاشقجي، لم يؤثر على السعودية فقط، بل اضر صفقات تصدير السلاح لدول أوروبية أخرى مثل فرنسا وبريطانيا». وتابعت «بالنسبة للسعودية، فإن الأسلحة أو الذخائر أو حتى المكونات الألمانية تعد عناصر أساسية وضرورية في أنظمة تسلح الجيش السعودي».

وأوضحت «بنظرة فاحصة، ترى أن المكونات والأسلحة الألمانية الصنع تؤثر على جميع أفرع القوات المسلحة السعودية، بداية من القوات البرية، مرورًا بالقوات البحرية، وحتى القوات الجوية».

ومضت قائلة «الزوارق الدورية الألمانية مهمة جدًا لمراقبة وتأمين الملاحة في الخليج العربي والبحر الأحمر، وامتناع برلين عن تسليم الـ20 زورقًا المتبقين يؤذي الاستراتيجية الدفاعية السعودية بقوة».

وأضافت: «كما أن القوات الجوية السعودية تعتمد بشكل كبير على مقاتلات يوروفايتر بشكل كبير، خاصة في اليمن، وامتناع ألمانيا عن تقديم المكونات الألمانية الضرورية في صناعة المقاتلة، وتسليحها، يعد ضربة قوية لسلاح الجو السعودي».

ولفتت إلى أن القرار الألماني بمثابة «وضع العصا في عجلة أنظمة التسليح السعودية، لذلك لا أتفاجأ من مطالبة السعودية بشكل صريح رفع الحظر»، مضيفة «لا أتوقع أن تتراجع ألمانيا، وستظل على موقفها، لأن الحزب الاشتراكي الديمقراطي (يسار وسط) لن يسمح بأي حال بتصدير السلاح مجددًا للسعودية بسبب انتهاكات حقوق الإنسان».

 

ألمانياالأسلحة الألمانيةالجيش السعوديالسعوديةحرب اليمنخاشقجيماكرونميركل

المصادر