كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن احتمال تغير في السياسة السعودية المقبلة، عقب وفاة الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز في الثالث والعشرين من الشهر الماضي، وتسلم الملك سلمان بن عبد العزيز مقاليد الحكم خلفًا له، خاصةً حينما اتخذ جملة من القرارات شملت تغييرات في مواقع العديد من المسئولين النافذين في المملكة.

هذه الاحتمالات تواترت في ظل الأوضاع المتفاقمة التي تعيشها المنطقة العربية، وما جرى مؤخرًا من سيطرة جماعة “الحوثي” على المقرات الرئاسية في اليمن، وتداعيات انخفاض أسعار النفط العالمية على دول الجوار، وبروز تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” وآلية التصدي له، وغيرها.

“إيران” والتي تعد التحدي الأبرز للسعودية خلال الفترة المقبلة، بعد أن وجهت الأخيرة اتهامات لها بدعم الحوثيين في اليمن، و”الميلشيات الشيعية” في العراق، فضلاً عن التدخل في الشأن البحريني عبر دعم المعارضة السعودية، إلى جانب دعمها لرئيس النظام السوري بشار الأسد.

لذلك، مواقف السعودية الأخيرة حيال إيران، هل ستمنح الملك السعودي سلمان اتباع سياسة جديدة معها؟ أم أن السياسة الخارجية للسعودية ثابتة ولن تتغير؟

رسائل العزاء!

العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز

 

لا بد من الإشارة إلى أن البلدين لا يقيمان أبدًا علاقات جيدة بينهما، فالتباعد والعداء السياسي والديني كانا السمة الغالبة للعلاقات بينهما، والصراع على زعامة العالم الإسلامي، وفي المنطقة خاصة، واضح جدًا الآن.

لذلك، فإن محاولات التقارب – منذ البداية- وخاصة في عهد الرئيس الإيراني رفسنجاني، والرئيس نجاد، مع المملكة لم تنجح في إرساء علاقات ودية وجيدة، لأن كل دولة لها حساباتها الخاصة وجدول أعمال خاص به؛ مما زاد حدة التجاذب والانقسام بينهما، خاصة مع بدايات الربيع العربي عام 2011.

وقبل رحيل الملك عبد الله، كانت طهران قد عادت إلى إطلاق الإشارات والرسائل الإعلامية بشأن الاستعداد لتحسين العلاقات مع السعودية، بيد أنها خففت بسبب دور السعودية في التراجع الكبير في أسعار النفط، وما نتج عنه من خسائر اقتصادية لدى إيران.

وثمة من يرى أن إيران تستعد لنسج علاقات مع السعودية، حتى بدى واضحًا حينما أعلن مسؤولون إيرانيون رغبتهم في تحسين العلاقة، وتوطيد أواصر التعاون بين البلدين، خاصة بعد مشاركتهم مراسم تشييع الملك، في رسالة واضحة إلى فتح صفحة جديدة.

وفي رسالة التعزية بوفاة ملك السعودية، أمل الرئيس الإيراني حسن روحاني من الملك سليمان توسيع العلاقات بين طهران والرياض، وتبنيه حوارًا جيدًا، نظرًا إلى الروابط الدينية والتاريخية بين البلدين، في المناطق ذات المصالح المشتركة.

حتى إن سقف المطالبات الإيرانية ارتفع خلال الأسابيع القليلة الماضية، والدعوة إلى فتح حوار صريح مع السعودية حول قضايا متعددة، فالوضع المتأجج في العالم الإسلامي يتطلب مساهمة براغماتية من حكومات إيران والسعودية، كما يقول مسؤولون إيرانيون.

وترى إيران أن سياسات السعودية تجاه دول المنطقة أدت إلى عزلها ومواجهتها لتحديات حقيقية، ومواصلتها في السياسة السابقة ستحملها أيضًا تكاليف باهظة، في إشارة إلى ضرورة وضع قيود للدور الأمريكي في المنطقة والذي كان سببًا لتفاقم مشاكل كثيرة.

ولطالما اعتبرت السعودية إيران وبرنامجها النووي تهديدًا في المنطقة، ومن شأنها أن تؤثر على ملفات كثيرة، فكلتا الدولتين تواجهان بعضهما في “لعبة شطرنج” غريبة تجري أحداثها في مناطق مختلفة في العالم العربي.

ويذكر أن العلاقات السعودية الإيرانية شهدت في فترة حكم الملك عبد الله بعض التحسن خصوصًا في مجال زيادة عدد الحجاج الإيرانيين، وكذلك الاتفاق الأمني الموقع بين البلدين.

عودة مشروطة

الرئيس الإيراني حسن روحاني

وحسب الخبير الإيراني “جعفر حق بناه” فإن السياسة السعودية بعد وفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز لن تتغير تجاه طهران، لافتًا إلى أن مواضيع إقليمية عديدة تشهد خلافات بين الرياض وطهران من بينها العراق وسوريا واليمن وفلسطين.

وتكتسب السعودية أهميتها الاستثنائية إقليميًّا ودوليًّا من حيث كونها المصدر الأكبر للنفط في العالم، ومالكًا لخمس الاحتياطات النفطية المؤكدة حول العالم، ما يجعلها مؤثرة للغاية في سوق النفط الدولية.

وبالتالي، فإن فتح صفحة جديدة مع السعودية تتطلب من إيران الانسحاب من العراق، ومن سوريا، ومن اليمن، وأن تترك البحرين، والسعودية لن تغير موقفها وسياستها تجاهها، لذلك تبحث إيران عن فرصة لتقديم نفسها إلى العاهل الجديد في السعودية، لكن من دون تغيير أهدافها وسياستها.

لذلك، فإن السعودية لن تتحاور مع إيران بـ” القطعة”، بل تريد تغييرًا شاملاً في السياسات الإيرانية يطال جميع الملفات الخلافية، وعلى رأسها موضوع التدخل الإيراني في المنطقة العربية، فلن يطرأ أي تغير في العلاقات بين البلدين دون تحقق ذلك، حسب مراقبين.

إيرانيون يعتبرون أن الملك سلمان أكثر صرامة فيما يتعلق بسياسات المنطقة، من سلفه الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، وأن العلاقات التنافسية بين البلدين قد تحتدم مقارنة بفترتي ولاية الرئيسين الإيرانيين السابقين هاشمي رفسنجاني، ومحمد خاتمي، بسبب اختلاف وجهات النظر بين البلدين، فيما يتعلق بملفات سوريا والعراق والبحرين.

إضافة إلى أن التنافس بين البلدين أكبر مما يبدو في العلن، مستبعدين في الوقت نفسه التقارب بين الدولتين، فتطور العلاقات مرهون برغبة طهران في الخوض بهذا الاتجاه، وإعادة النظر في سياستها الخارجية.

ولا يخفى على أحد أن أزمة انخفاض أسعار النفط الأخيرة، ألقت بظلالها على الاقتصاد الإيراني والذي يعاني مزيجًا من الانكماش والتضخم، منذ تشديد العقوبات الأمريكية والأوروبية عام 2011 أيضًا.

فضلاً عن أن استمرار المفاوضات بين إيران وأمريكا، دفعت الرياض إلى التلويح بورقة النفط في مواجهة إيران، وسارعت إلى تخفيض أسعار النفط بشكل كبير.

وبالتالي، فإن سياسة الملك الجديد لن تختلف كثيرًا عما سبقه، خاصةً مع” إيران”، حيث إن الصراع بينهما هو صراع سيطرة، على المستوى الاقتصادي والسياسي والديني، وبالتالي ستمثل إيران تحدٍ كبيرًا لسياسة السعودية الخارجية، في ظل حوزتها للسلاح النووي.

ويعتقد الساسة الإيرانيون أن السعودية ستستمر في الخطوط الإقليمية العامة لسياساتها، لكن مع منحى أكثر تصلبًا في اليمن وسوريا ولبنان، حيث من المرجح أيضًا أن تظهر السياسات الجديدة على الساحة اليمنية بتجميع التركيبة التقليدية الحليفة للسعودية في مواجهة الحوثيين، مع تصليب المواقف حيال حلول التسوية للأزمة السورية.

ويروا أن موضوع الحوار مع إيران سيبقى قائمًا من المنظور السعودي، طالما استمرت المفاوضات النووية بين إيران وأمريكا، لكن إمكانية التوافق الإقليمي بين السعودية وإيران ستظل بعيدة التحقق، مثلما كانت في عهد الملك الراحل عبد الله، إن لم يكن أبعد، مع عدم استبعاد عقد جولات حوار بين الرياض وطهران يصعب أن تؤدي في الفترة المقبلة إلى تسويات في الملفات الإقليمية العالقة.

المصادر

تحميل المزيد