«الإفساد في الأرض».. كيف تستخدم السعودية وإيران العقوبات الدينية لقتل المعارضين؟

بين مكة وطهران، لم ينته العداء بعد بين نظامين إسلاميين يسيران عكس الاتجاه؛ فولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، بات يدفع الشعب نحو الانفتاح والتغيير الاجتماعي، ويقودُه للتخلص من قيود السُلطة الدينية القديمة ليستأثر وحده بها، ويخوض معه تجربة النيوليبرالية حتى لو كانت في إطارٍ شكليٍّ، بينما إيران بعد أربعة عقودٍ من الثورة، نجحت في حسم الجدل الدائر بين الدين والعلمانية، وبين التقاليد والتحديث، وبين الاتجاه القومي والاتجاه الإسلامي، فانحازت بقوة إلى نظام ثيوقراطي ديني معقَّد.

غير أنَّ تجربة ابن سلمان في السعودية لم تكن بعيدة عن التحالف القديم الذي نشأت عليه الدولة بين آل سعود ومحمد بن عبد الوهاب، مؤسس المذهب الوهابي؛ وكلا النظامين الإيراني والسعودي ما يزالان يستخدمان تهمًا دينية مثل «الإفساد في الأرض» لإعدام المعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وسط ضغوطات دولية لإلغاء القوانين التي تدخل ضمن نطاق النشاط السياسي.

الإفساد في الأرض.. المعارضة تحت النيران «باسم الله»

بعد أقل من شهرٍ على نجاح الثورة الإيرانية، أُنشئت في مارس (آذار) عام 1979، المحاكم الثورية للتخلص من أعداء النظام الإسلامي الجديد، وفيما منع آية الله الخميني الصحافيين الأجانب من دخول إيران، تسربت صور قيل إنها لإعدام جماعي نُفذ في مجموعة من المعارضين الأكراد المطالبين بالانفصال، وكانت التهمة: «محاربة الله والإفساد في الأرض»، في إشارة لمعارضة نظام الولي الفقيه.

صورة منسوبة للحظة الإعدام الجماعي عقب الثورة الإيرانية، المصدر

والمثير أنَّ القاضي «آية الله صادق خلخالي»، رئيس محاكم الثورة في عهد الخميني، كشف في مذكراته عن أنه أصدر أحكامًا بحق 500 شخص من مسؤولي النظام الملكي والمعارضين، كما أنه يقول في إحدى صفحات كتابه: «هناك الكثيرون كانوا يستحقون الإعدام، لكنني لم أتمكن من اصطيادهم».

وفي عهد أكثر الرؤوساء الإصلاحيين في إيران، هاشمي رفسنجاني، صدر قانون العقوبات عام 1991، والذي ضم عقوبات القتل تعزيرًا، بناءً على نصوص إسلامية فُسرت في مدارس الفقه الجعفرية والاثني عشرية الشيعية، وبموجبها أصبح للسلطة صلاحية القبض على المعارضين، وإحالتهم للمحاكم الثورية، بحيث يكون الإعدام هو عقوبة جريمة «الإفساد في الأرض»، التي لاحقت كل معارض.

وفي يناير (كانون الثاني) عام 2012، وافق مجلس صيانة الدستور، (هيئة دينية غير منتخبة بمراجعة جميع التشريعات لضمان التزامها بالدستور الإيراني والشريعة) على تعديلات لقانون العقوبات الإيراني، والتي شملت توسيع جريمة «الإفساد في الأرض» لتشمل نصوصًا فضفاضة مثل نشر الأكاذيب، ووجود صلة بتنظيمات إرهابية، والجرائم التي تخل بالنظام العام، أو أمن الدولة، وهو التعديل الذي استغله الرئيس أحمدي نجاد، المحسوب على التيار الأصولي في سحق معارضيه.

اللافت أنه قبل الموافقة على التعديل، كان «نجاد» قد أعدم نحو 600 شخص خلال عامين منذ وصوله للسُلطة، بحسب ما وثقته منظمة «هيومان رايتس ووتش» في تقريرها السنوي عام 2012، وتفرض وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على قضاة إيرانيين، لاتهامهم بإجراء محاكمات صورية أصدرت عقوبة الإعدام بحق صحافيين، ومحامين، ونشطاء سياسيين، وأفراد من أقليات عرقية ودينية إيرانية لممارستهم حرية التعبير والتجمُّع.

وينظر الفرع 15 لمحكمة طهران الثورية أغلب القضايا السياسية بموجب المادة 508 من «قانون العقوبات الإسلامي»، ويرأسها حاليًا القاضي أحمد زرغر، الموضوع على قوائم العقوبات الأمريكية، وبحسب آخر تقرير منشور لمنظمة العفو الدولية، المعنية بحقوق الإنسان، في شهر أبريل (نيسان) الماضي، فتحتل إيران والسعودية المركز الثاني والثالث على التوالي، ضمن أكثر الدول تنفيذًا لحكم الإعدام في العالم.

إيران.. قصص إعدامات بتهمة «محاربة الله»

قبل يومين، أعدمت السلطات الإيرانية الصحافي «روح الله زام»بعدما أيدت المحكمة العليا الحكم بإعدامه، بعدما وجهت له تهمة الإفساد في الأرض، والتجسس لصالح جهات أجنبية، بينما علَّقت منظمة العفو الدولية، بأنه كان ضحية محاكمة غير عادلة اعتمدت على اعترافات انتزعت بالقوة.

Embed from Getty Images

(الصحافي الإيراني روح الله زام قبل إعدامه)

وكان «زام» يدير موقع «آمد نيوز» الإخباري المعارض الذي تتهمه الحكومة الإيرانية بالمسؤولية عن إثارة المظاهرات التي شهدتها البلاد عامي 2017 و2018، كما نشر الموقع الذي يحظى بشهرة واسعة في الداخل الإيراني، وثائق حول ما وصفه بالفساد داخل أوساط كبار المسؤولين القضائيين والسياسيين والأمنيين في إيران، من بينها وثائق عن فساد صادق لاريجاني، رئيس السلطة القضائية السابق.

وقبل ثلاثة أشهرٍ، نفذت إيران حكم الإعدام بحق المصارع الدولي، «نافيد أفكاري» بعد إدانته بالقتل خلال احتجاجات عام 2018، وبينما بث التليفزيون الرسمي اعترافًا لـ«أفكاري» وهو يقول: «لقد سددتُ إليه طعنتين»، انتشر فيديو آخر له على مواقع التواصل الاجتماعي وهو يقول إن الاعتراف انتُزع منه تحت التعذيب، ورفضت طهران مناشدات دولية لإيقاف تنفيذ العقوبة.

وفي عام 2018، أعدمت إيران 22 ناشطًا من عرب الأحواز – جنوب غرب إيران – دون محاكمة، بعدما احتجزتهم في سجن «كيلينك» سيئ السمعة في الأحواز، وذلك ردًّا على التظاهرات التي شهدها الإقليم ضد القمع الأمني والتهميش الاجتماعي والاقتصادي للسكان ذوي الأصول العربية، كما استهدفت الحكومة المركزية علماء السنة في الإقليم وخارجه، وأعدمت العشرات منهم بتهمة «محاربة الله».

وفي العام نفسه، احتجزت إيران ثمانية نشطاء بيئيين أكثر من 550 يومًا بدون محاكمة، ووجهت لهم تهمة «الإفساد في الأرض»، بدعوى أنهم سعوا إلى الاقتراب من مواقع عسكرية تحت غطاء مشروعات بيئية للحصول على معلومات عسكرية منها، وهي القضية الأكثر جدلًا في طهران منذ عامين، ودفعت منظمة «هيومان رايتس ووتش» للضغط بحملة دولية لمنع إصدار أحكام إعدام بحقهم، قبل أن تصدر المحكمة العام الجاري حكمًا على ستة منهم بأحكام بالسجن يبلغ مجموعها 58 عامًا.

وفي فبراير (ِشباط) عام 2014، أعددمت طهران الشاعر هاشم شعباني، المُلقب بـ «شاعر الأحواز»، وهو ناشط حقوقي، أسس معهد «الحوار» بهدف نشر الأدب العربي والثقافة العربية في إيران، وأٌعدم شعباني، أسوة بالعديد من المعارضين للنظام الإيراني؛ بتهمة محاربة الله ورسوله، والإفساد في الأرض، والتشكيك في ولاية الفقيه ومحاربة النظام، وكان إعدامه ضمن 14 آخرين.

ونقل عن شعباني رسالة بعث بها قبيل إعدامه، قال فيها: «لا أستطيع الصمت إزاء الجرائم الفظيعة التي ترتكبها السلطات الإيرانية ضد الأحواز، لا سيما تلك الإعدامات التعسفية الظالمة. حاولت الدفاع عن حق العيش بحرية، بحقوق مدنية كاملة، ورغم كل هذه المآسي والتراجيديا، لم أستعمل قط سلاحًا لمحاربتها، فيما عدا القلم».

وتشير التقديرات إلى أن السلطات الإيرانية نفَّذت حوالي 814 عقوبة إعدام خلال السنة الأولى من حكم الرئيس الإيراني الحالي، حسن روحاني، عام 2013، بينما تضاعف الرقم بحسب زعيمة المعارضة الإيرانية مريم رجوي، ليصل في أواخر العام الماضي إلى نحو 4 آلاف من أصل 120 ألفًا جرى إعدامهم منذ الثورة الإيرانية.

السعودية.. التعزير بالقتل عقوبة المعارضين

بينما يعتمد المُشرع الإيراني على فهمه الخاص للنصوص الدينية، لتحديد عقوبة «الإفساد في الأرض»، استفاد نظام الحكم في السعودية من الشريعة محاولًا تطويعها لإنشاء عقوبة «التعزير بالقتل»، في القضايا والمسائل التي لم يُحدَّد لها عقوبات بموجب الشريعة الإسلامية، وللقضاة سلطة تقديرية واسعة لتحديد العقوبات في القضايا الفردية، وتنفذ السعودية حكم الإعدام بتهم نقض البيعة مع ولي الأمر، والتحريض عبر الحركات الاحتجاجية، أو انتقاد مسؤولين سامين في الدولة.

Embed from Getty Images

(صورة لرجل الدين الشيعي نمر النمر)

وبحسب تقرير منظمة العفو الدولية، فالسعودية العام الماضي أعدمت 184، وهو أعلى رقم جرى تسجيله حتى الآن نقلًا عن أرقام وزارة الداخلية منذ عام 2000، بينما أعلنت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا أنه منذ تسلم الملك سلمان بن عبد العزيز مقاليد الحكم في أوائل عام 2015، وحتى منتصف العام الماضي، أعدمت المملكة 709 أشخاص.

ووثقت منظمة «مشروع مناهضة عقوبة الإعدام» أنَّ أغلب من أُعدموا في تقرير المنظمة الدولية هم من معارضي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ومن منتقدي سياساته، أو من المدافعين عن حقوق الإنسان في السعودية، واللافت أنَّ أغلب الإعدامات في المملكة نُفذت ضد شيعة سعوديين بالمنطقة الشرقية التي تمثل الكثافة الأكبر للسكان الذين يدينون بالمذهب الشيعي، وتنظر إليهم السعودية على أن أغلبهم أتباع لإيران.

وفي عام 2016، أقدمت السعودية على إعدام 47 شخصًا دَفعةً واحدة، بتهم تتعلق بالإرهاب بينهم رجل الدين الشيعي البارز نمر النمر، المعارض الأشهر الذي دأب على انتقاد النظام السعودي، ومطالبته المستمرة بمنح الأقلية الشيعية حقوقًا أكثر، وتسبب إعدامه في قطع العلاقات الدبلوماسية رسميًّا بين إيران والسعودية إلى اليوم.

وفي عام 2019، جرى تنفيذ عمليات إعدام جماعية لـ37 شخصًا، بينهم 32 رجلًا شيعيًّا أُدينوا بتهم الإرهاب، وتقول منظمة العفو الدولية إنهم «أُعدموا إثر محاكمات استندت إلى اعترافات انتُزعت منهم تحت وطأة التعذيب».

وبينما تتفق السعودية وإيران في اعتمادهما على الفهم الخاص للشريعة في إصدار أحكام بالإعدام بخصوص الممارسات السياسية، فإنَّ الطريقة تختلف، فبينما توجه طهران سلاحها لمعارضيها من المذهب نفسه، فإنها تختص بتوجيه تهم الإفساد في الأرض إلى المعارضين السُنة أكثر، وخاصة رجال الدين، والعكس بالعكس تفعل السعودية الأمر نفسه مع المعارضين والمطالبين بحقوق الإنسان من السنة لكنها تختص أكثر في أحكامها بالمعارضين الشيعة. وبالرغم من أنَّ‌ كلا النظامين تجمعهما خصومة سياسية، تقربها في الواقع طريقة استخدامهما لما يعدونه الشريعة الإسلامية، للتنكيل بالمعارضين.

إعدامإيرانالإفساد في الأرضالثورة الإيرانيةالسعوديةالقتل تعزيراقتلمحاربة اللهمحمد بن سلمانمعارضة

المصادر