1,790

بين أروقة البرلمان الأردني، مرر النواب صورة للملك عبد الله الثاني وهو رافعًا كفيه بالدعاء، وقد ذيلت الصورة بعبارة «خادم أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين». تبادل النواب هذه الصورة، ثم علقوها على صدورهم، وتحديدًا على جهة اليسار، وفيما كان عليهم الاستعداد لجلسة هامة تتعلق بمناقشة مشروع قانون الموازنة لعام 2018، كانت رسالة هامة قد وصلتهم جراء هذه الصورة.

تفيد الرسالة بأن هناك ضرورة لتأكيد قانونية وشرعية الوصاية الدينية الهاشمية على المقدسات الإسلامية في القدس؛ وذلك بسبب وجود محاولات عدة لسحب البساط من تحت أقدام الأردنيين، وقد أتت هذه المخاوف تحديدًا من قبل الرياض، فثمة تكهنات بأن السعودية الآخذة بخطوات واضحة نحو التقارب مع إسرائيل، لديها الكثير من الدوافع لتعمل على نزع الوصاية من الأردن، فإذا كان أول هذه الدوافع هو الظهور بمظهر الدولة التي تمثل السنة في المنطقة، فليس بآخرها لعب الرياض لدور محوريّ في تمرير صفقة القرن الأمريكية الإسرائيلية.

الشواهد تتراكم.. هل تسعى السعودية للوصاية على القدس؟

قبيل أيام وقعت اشتباكات اعتيادية بين قوات الاحتلال الإسرائيلي والمصلين في المسجد الأقصى، أطلق خلالها الرصاص المعدني المغلف بالمطاط وقنابل الصوت والغاز المسيل للدموع على حشود المصلين، الذين أصيب منهم 40، وأغلق المسجد لساعات أمام المصلين، وفيما لم تحرك السعودية ساكنًا كغيرها من الدول العربية تجاه هذه الاعتداءات الإسرائيلية، أخذ الحديث يتعاظم عن وجود نوايا لدى الرياض بنزع الوصاية الأردنية عن المسجد الأقصى لتحقيق مكاسب سياسية.

من مواجهات المصلين مع قوات الاحتلال في المسجد الأقصى قبل أيام (المصدر : شبكات التواصل الاجتماعي)

يسوق البعض العديد من التحركات التي تدلل على ذلك، ففي أبريل (نيسان) الماضي، وخلال افتتاح الدورة الـ29 للقمة العربية (قمة القدس) أعلن الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز تبرعه بمبلغ 150 مليون دولار لدعم الأوقاف الإسلامية في القدس، فخاطب الملك مباشرة الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي تغيب سلطته عن أي دور حقيقي في أوقاف القدس، بأنه يريد تقديم التبرع لدعم الأوقاف في القدس، في محاولة سعودية للتغاضي عن الدور الأردني الرسمي في القدس، أما ما حدث في ديسمبر (كانون الأول) 2017، فيتمثل في تسجيل اعتراض سعودي برلماني للمرة الأولى على «الدور الأردني في القدس الشريف»، وذلك حين اعترض الوفد السعودي المشارك بمؤتمر البرلماني العربي بشدة على رغبة الوفد الأردني في التحدث عن تأثير الوصاية الهاشمية الأردنية، فحاول السعوديون الاعتراض على فكرة الوصاية الأردنية، واقترحوا منح المسألة «بعدًا إسلاميًا أوسع»؛ مما أثار قلق عمان.

على جانب آخر تسعى المملكة السعودية التي عملت مع الإمارات على تقليل قيمة مؤتمري القمة الإسلامية التي دعت إليهما تركيا في إسطنبول – لمواجهة القرار الأمريكي بنقل السفارة إلى القدس – لتخفيض مستوى الاهتمام الإقليمي بالقدس، بالتصدي لتركيا التي تعمل على بناء نفوذ لها في البلدة القديمة، ولم تكتف السعودية بما سبق، فاتخذت خطوات تمهيديّة لتدعيم نفوذها في القدس، كالعمل على توطيد العلاقات مع المقدسيين بالتواصل مع شخصيّات نافذة في السلطة الفلسطينية، والتغلغل في القدس القديمة، من خلال صرف الأموال، وشراء العقارات والدعم للمؤسسات المقدسية.

وكانت مصادر إعلامية قد تحدثت مؤخرًا عن قيام الإمارات وخلفها السعودية بعرض مبلغ 5 ملايين دولار على أحد سكان القدس لشراء بيته الملاصق للمسجد الأقصى، وعندما رفض المقدسي البيع، تم رفع المبلغ إلى 20 مليون دولار، وقالت تلك المصادر إن الهدف هو تحويل هذا المنزل إلى مقر سعودي إماراتي، يقوم بدور موازٍ لدور دائرة الأوقات الإسلامية في القدس، والتي تتبع لوزارة الأوقاف الأردنية، وهو ما يعني خلق وضع منافس للوصاية الأردنية على الأقصى وكافة الأوقاف الإسلامية في مدينة القدس.

العاهل الأردني مع الملك السعودي 

وقد واجهت هذه التحركات السعودية الإماراتية رفضًا من بعض القطاعات الشعبية، حتى أن بعض المقدسيين قاطعوا الوجبات المُقدّمة من قبل الإمارات، للصائمين من رواد المسجد الأقصى في رمضان الفائت، فهؤلاء يربطون بين فرض هذه الوصاية والتقارب السعودي – الأمريكي المتزامن مع صفقة القرن، ولا يستبعدون قيام السعودية بتطبيق الأفكار المنحازة لإسرائيل، ومنها تقسيم المسجد الأقصى، فالسعودية التي تختبئ خلف كواليس «صفقة القرن»، وتملك الوصاية على الأماكن الإسلامية المقدسة في مكة والمدينة، تريد وضع موطئ قدم ومكانة أيضًا في الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس.

 وفي المحصلة تأتي التحركات السياسية السعودية في سياق التغيرات التي يقودها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ضمن ما صار يسمى بـ«صفقة القرن»، التي «تهدف إلى إحداث تحولات كبيرة في المنطقة من خلال تطبيع العلاقات بين إسرائيل ودول الخليج في كافة المجالات العسكرية والاقتصادية والأمنية والدبلوماسية، ومحاصرة التمدد الإيراني العسكري في المنطقة ومحاربة الإرهاب الإسلامي، وأخيرًا القفز على المسألة الفلسطينية من خلال إدارة الصراع وعدم إيجاد حلول في المرحلة القادمة وترتيب موضوع المقدسات في القدس باعتبارها تقع ضمن عاصمة إسرائيل الأبدية»، كما يقول الباحث في جمعية الدراسات العربية بالقدس مازن الجعبري.

ويضيف الجعبري في مقاله: «السعودية بين صفقة القرن ونزع الوصاية الأردنية عن الأقصى»: إن «التحركات السعودية الأخيرة فيما يتعلق بالوصاية الهاشمية الأردنية على الأقصى تأتي بخلفية صراع تاريخي وخصومة قديمة تعود إلى عام 1924 عندما بويع الشريف حسين وصيًا على المقدسات الإسلامية في القدس بعد هزيمته وطرده من الجزيرة العربية، ويلاحظ أن السعودية لديها نوايا دفينة في نزع الوصاية الهاشمية عن المسجد الأقصى لتحقيق مكاسب سياسية في استراتيجيتها بتوثيق العلاقات مع إسرائيل».

نشطاء يرفعون العلم التركي بالقرب من مسجد قبة الصخرة (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي)

ويسمي بعض المراقبين مزاحمة السعودية على المقدسات في القدس بأنها «جزء صغير من الاستراتيجية الكبرى التي تحاول السعودية إعادة رسمها في المنطقة، وتتمثل هذه الاستراتيجية بالنظر إلى إيران كخطر أكبر على العرب من إسرائيل، ومن هنا تحول جوهر الصراع، وتسعى السعودية إلى إعادة اصطفاف العرب طبقًا لهذه المعادلة»، كما يقول أستاذ القانوني الدولي أنيس القاسم متابعًا لـ«عربي21»: «من جملة ما تحاول السعودية السيطرة عليه لقيادة هذا التوجه هو إغراء إسرائيل بأن تصبح حليفًا للعالم العربي، وليس عدوًا مقابل مواجهة إيران، ومن هنا بدأت إسرائيل بلعب لعبة الفساد الكبرى، وتفتيت الجهد العربي، بأن بدأت تلعب لعبة المزاحمة الأردنية – السعودية لخدمة مصالحها».

اليمين الإسرائيلي يفضل السعودية على الأردن

«يجب أن يكون هناك دور ومسؤولية للسعودية على الأماكن المقدسة في القدس؛ بحكم كونها الدولة التي تضم أقدس أماكن الإسلام، خصوصًا أن لها تجربة في إدارة الأماكن المقدسة في مكة والمدينة». *زعيم المعارضة الإسرائيلية إسحاق هيرتسوغ، لصحيفة «إيلاف» السعودية.

ولي العهد السعودي محمد بن سلمان (المصدر : أ ف ب)

إسرائيل التي تريد الوصول إلى قلب العالم الإسلامي من خلال السعودية، تحاول دق إسفين بين دول عربية، فلا تتوقف عن الحديث عن وجود توتر خفي بين السعودية والأردن بسبب محاولات السعودية الحصول على الوصاية على القدس، ولذلك شهدت الأيام القليلة الماضية حديثًا غير منقطع عن هذا الخلاف، فقال الخبير الإسرائيلي في الشؤون الفلسطينية يوني بن مناحيم: إن «السعودية دخلت على خط الصراع الناشب حول السيطرة والإشراف على الأوقاف الإسلامية في مدينة القدس، بين الدول ذات العلاقة كالأردن والسلطة الفلسطينية، حيث أبلغته أوساط فلسطينية أن الرياض تبذل جهودًا لزيادة تأثيرها على المدينة؛ مما يثير غضب رام الله وعمان».

وأضاف في مقاله على موقع المعهد الأورشليمي للشؤون العامة: أن «الرياض تستغل أموالها ودعمها المادي لسحب البساط من تحت أقدام رام الله وعمان، مع العلم أن المسجد الأقصى يعتبر المكان المقدس الثالث لدى المسلمين بعد مدينتي مكة والمدينة المنورة السعوديتين».

فيما تذكر دراسة صادرة عن مركز «بيغن السادات للدراسات الاستراتيجية» الإسرائيلي: أن «سعي السعودية لانتزاع الإشراف على المقدسات بالقدس يهدف إلى دفع الخطة الأمريكية لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، التي يطلق عليها صفقة القرن»، ويشير كبير الباحثين في المركز «جيمس دوسر»، إلى أن الرياض، وحليفتها أبوظبي قامتا بـ«بتعظيم حالة عدم الاستقرار في الأردن، حيث تعتقد قيادة البلدين أنه كلما زادت حالة عدم الاستقرار في البلاد انخفض مستوى ممانعة الحكم في عمان لصفقة القرن».

وتشدد الدراسة على أن: «السعودية ترى في الإشراف على الأماكن المقدسة مظهرًا من مظاهر «الدبلوماسية الدينية»، التي يمكن أن تعزز حضورها الإقليمي، بعد أن أنفقت السعودية على مدى أربعة عقود 100 مليار دولار لتعزيز حضورها في العالم الإسلامي السني».

وفي المحصلة، تشكل الوصاية الهاشمية على المقدسات، أكبر التحديات التي تقف في وجه اليمين الإسرائيلي، فالحكومة الحالية تريد فرض السيادة الإسرائيلية على الأقصى والتخلص من السيادة الهاشمية، ولذلك ترى الحكومة الإسرائيلية أن الفرصة سانحة لإثارة خلاف بين الأردن والسعودية مستغلة التقارب السعودي – الإسرائيلي، بعد أن جعلت هذه الحكومة اليمينية الوصاية على المسجد الأقصى شكلية، وعملت على تقليص صلاحيات الأوقاف الإسلامية في القدس.

فرض الوصاية السعودية ليس سهلًا

في العام 1924 وقعت ما يعرف «بيعة الشريف» التي أصبح بموجبها الأردن وصيًا على المقدسات في مدينة القدس المحتلة، وتقضى هذه الوصاية بإشراف الحكومة الأردنية عبر وزارة الأوقاف فيها إداريًّا وأمنيًا على المقدسات الإسلامية بالقدس، فتشرف مديرية المسجد الأقصى المبارك على ألف موظف فلسطيني، موزعين بين حراسة المسجد الأقصى وإداراته، فيما تبقى المقدسات المسيحية مسؤولية الطوائف المسيحية في القدس، حيث تقوم بإدارة وصيانة الكنائس والأديرة، لكن بدعم أردني.

العاهل الأردني (المصدر : الخليج أون لاين)

وتعود الخصومة التاريخية بين السعودية والأردن على هذه الوصاية إلى زمن بعيد؛ إذ تعتبر الأسرة الحاكمة في السعودية أن الهاشميين يهددونهم بالبعد الشرعي الديني والتاريخي، فالوصاية على القدس هي ورقة قوية بيد الهاشميين، تعطيهم مشروعية تاريخية ودينية، يقول السفير الأردني الأسبق لدى اليمن فؤاد البطاينة: «مخطئ من لا يعتقد اليوم بأن الأردن مستهدف من السعودية على خلفية جديدة لا تقوم هذه المرة على الابتزاز، بل في سياق التفاهمات الإسرائيلية السعودية وجزئيتها المتعلقة بصفقة القرن، التي تتطلب حسم مسألة القدس بالصدمة والترويع كمقدمة أساسية لها، ولتصفية القضية الفلسطينية في الأردن وسيناء».

ويضيف في مقاله «هل الأردن مستهدف من السعودية؟» أن «على الأردن أن يعلم بأنه أمام قيادة سعودية تبدو انتقامية، انسلخت عن ماضي السعودية وتقاليدها العائلية وعن دبلوماسية التعامل مع التقاليد العربية أو الإسلامية، واتجهت للأسوأ ضد نفسها وغيرها معتمدة على نصائح وطلبات إسرائيل، برعاية ترامب دون حسابات أو ضوابط».

وفيما يشكل الموقف الفلسطيني الرسمي الرافض لنزع الوصاية الأردنية موقفًا ضعيفًا، يوازيه أيضًا موقف ضعيف للأردن؛ فالأردن رسميًا لا يستطيع مواجهة السياسة السعودية في المنطقة؛ بسبب أن الرياض من أكبر الداعمين والمستثمرين في الأردن، حيث يتوقع أن تدفع الإغراءات المالية الكبيرة في ظل التغول الإسرائيلي والهيمنة الأمريكية عمان لقبول الدور السعودي، لكن هناك من يرى أن مشوار السعودية نحو الوصاية على الأماكن المقدّسة في القدس ليس مفروشًا بالورود؛ لعدة عراقيل، منها: عدم وجود ارتباط جغرافيّ بين السعوديّة والقدس، وكذلك الحاجة إلى نيل تأييد الرموز الدينية في القدس ورؤساء دول العالم العربي، وهو أمر ما يزال بعيد المنال أمام السعودية، خاصة أن السلطة الفلسطينية معنية بالحفاظ على وصاية الهاشميين للمقدسات، ولا تستطيع التنازل عن هذا الحق لأية جهة كانت حتى للفلسطينيين أنفسهم، كما قال السفير لدى منظمة التحرير الفلسطينية، فاروق العزة.