في آخر إجازة صيفية قضاها في المغرب عام 2017 أنفق الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز نحو 100 مليون دولار، وهو مبلغ سجل 1.5% من إيرادات قطاع السياحة الأجنبية للمغرب. في العام التالي لهذه الإجازة، اختار العاهل السعودي وجهة غير معتادة قضى فيها إجازته الصيفية بعيدًا عن قصور المغرب، فكانت وجهته مشروع «نيوم» الاقتصادي الضخم في شمال غرب السعودية.

لا يمكن إزاحة توتر العلاقات المغربية-السعودية عن دوافع تغير المغرب باعتبارها وجهة اعتيدت على مدار عقود أن تكون هي بلاد الترفيه الملكي السعودي، وهو التوتر التي وصل لحد استخدام الاستثمار السعودي في موريتانيا لضرب مصالح المغرب كما نستعرض في السطور التالية.

العلاقات المغربية-الموريتانية بين شد وجذب

منذ أعلنت موريتانيا استقلالها عن فرنسا في أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1960، والمغرب لا يغفر  لهذا البلد خطيئة هذا الإعلان، لاعتباره أن موريتانيا هي جزء من ترابه المغربي، وبقي المغرب على ذات الغضب حتى بعد فشل معركته الدبلوماسية التي قادها للحيلولة دون اعتراف المجتمع الدولي بموريتانيا بوصفها دولة مستقلة.

الملك السعودي خلال زيارته للمغرب

لكن الأمور تغيرت أمام احتياج المغرب لتنفيذ مشروع تقسيم الصحراء الغربية بين البلدين، وهو ما عرض موريتانيا -التي وافقت على اتفاق مع المغرب في العام 1976 لتقسيم الصحراء الغربية- لهجمات متكررة من جبهة البوليساريو، تلك الهجمات التي لم تتوقف إلا عام 1979 بناء على اتفاق بين موريتانيا والجبهة، وهو الاتفاق الذي أعاد التوتر للعلاقات المغربية الموريتانية. فقد اختارت نواكشوط أن يكون موقفها في خانة «الحياد الإيجابي» حتى حصول تسوية أممية لهذا الملف، وهو ما اعتبرته الرباط إضعافًا لموقفها الدولي أمام غريمها البوليساريو.

يضاف إلى هذا الملف العلاقات بين نواكشوط والجزائر، والتي لا تنظر إليه الرباط بعين الرضا، ناهيك عن خلافات تتعلق بمحاربة الجريمة وتهريب المخدرات وتنسيق الجهود المشتركة للقضاء على الهجرة السرية والدعم المغربي المفقود لموريتانيا حاليًّا لدى دوائر الدعم الاقتصادي في «البنك الدولي».

فيما كان لموريتانيا عوامل خاصة بها عكرت علاقتها مع المغرب، منها ما هو ناجم عن الدور المتنامي للمغرب في الساحة السياسية الموريتانية الداخلية، باحتضان الرباط الخصوم السياسيين للنظام الموريتاني، بل أنه في العام 1981 -الذي عد الأسوأ في سنوات التوتر بين البلدين- اتهمت موريتانيا المغرب بتدريب عسكريين موريتانيين حاولوا الانقلاب على الرئيس الموريتاني آنذاك محمد خونة ولد هيدالة.

أضف إلى ذلك توجه موريتانيا اتهامات للمغرب بدعم الموقف السنغالي المعادي أحيانًا لموريتانيا، فلا تبرح أن تنسى نواكشوط موقف المغرب المائل أكثر إلى الجانب السنغالي إبَّان الصراع السنغالي الموريتاني في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي.

ومع ذلك لا يمكن انكار ظهور رغبة مشتركة بين البلدين لخلق ديناميكية قوية في العلاقات الثنائية المغربية الموريتانية على كل المستويات، حيث  دفع  مؤخرًا كلًّا من العاهل المغربي والرئيس الموريتاني بهذه العلاقات إلى المستوى الذي تستحقه كما تقول المصادر الدبلوماسية في كلا البلدين.

تسير على كل الحبال.. هل ترضي موريتانيا إيران والسعودية في آن واحد؟

السعودية لا تغض الطرف عن حياد المواقف المغربية

يمكن التأريخ لتميز العلاقات السعودية المغربية بعد العقود الستة الأخيرة المدعومة باتفاقيات تعاون عسكرية واقتصادية وأمنية كثيرة  إلى زمن اندلاع ثورات الربيع العربي التي زاد إثرها التقارب بين البلدين في سبيل مواجهة تهديد الملكيات المحتمل الناجم عن تلك الحركات الشعبية، فقد أخذ المغرب يتلقى قدرًا متزايدًا من الاستثمارات الخليجية، حتى أن السعودية والإمارات أصبحتا من أهم مصادر الاستثمار الأجنبي في المغرب، وعلى سبيل المثال ارتفع التعاون العسكري والدفاعي بين البلدين بعد توقيع القوات المسلحة فيهما اتفاقات أدت إلى استثمار سعودي بقيمة 22 مليار دولار في الجيش المغربي.

لكن الحال لم يبق على ما هو عليه، فقد توترت العلاقة بين البلدين مؤخرًا، تارة إثر تسجيل المغرب موقف الحياد تجاه الأزمة الخليجية مع قطر، وأخرى عند انكفاء المغرب عن إصدار أي موقف متضامن مع السعودية إثر أزمة مقتل خاشقجي، فقد سعى هذا البلد إلى البقاء على مسافة بعيدة عن النزاعات التي ليس له مصلحة مباشرة فيها.

لذلك ردت الرياض بتلقين المغرب -الذي أنهى مشاركته في التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن- عقابًا قاسيًا لما اعتباره خروجًا عن طوعها، فقامت السعودية في يونيو (حزيران) 2018 بالتصويت ضد محاولة المغرب لاستضافة كأس العالم 2026 في الأوساط التقليدية للدبلوماسية العربية، كما استثنى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان المغرب من جولته التي شملت في 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 الإمارات، والبحرين، ومصر، وتونس، والأرجنتين وموريتانيا، والجزائر.

ولم يكن هذا التصرف الدليل الوحيد على حالة الشد والجذب في العلاقات السعودية المغربية، فالرياض التي لم تقدر للرباط انصياعها للضغوط السعودية وقطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران في مايو (أيار) 2018 ولمجرد إجراء وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، لقاء مع قناة «الجزيرة» القطرية في فبراير (شباط) الماضي قال فيها إن «المغرب طور مشاركته أو غير مشاركته انطلاقًا من تطورات وقعت على الواقع، انطلاقًا من تدبير التحالف، وانطلاقًا من تقييم المغرب نفسه للتطورات في اليمن»، خرجت قناة «العربية» بعد أيام قليلة من هذا اللقاء بتقرير مصور يشكك في السيادة المغربية على الصحراء الغربية، وجاء في التقرير أن «الصحراء الغربية كانت مستعمرة إسبانية انسحبت منها إسبانيا عام 1975 ومنحت الرقابة عليها لكل من المغرب وموريتانيا».

 الاستثمار السعودي الإماراتي في موريتانيا يهدد خطط المغرب

لم تتوان الرياض وأبو ظبي عن التوجه لموريتانيا باعتبارها بديلًا عن المغرب الذي تدهورت علاقتهما به، فقد تطورت الهيمنة الإماراتية السعودية على الجار الجنوبي للمغرب بشكل كبير خلال الأشهر الأخيرة، وذلك في وقت كان المغرب ينظر بحذر لما اعتبر ارتفاعًا فعليًّا في درجات الحرارة الدبلوماسية بين الرباط وحلفائها الخليجيين، لذلك زادت حدة غضبه مؤخرًا نتيجة زيادة استثمارات الرياض وأبو ظبي في الموانئ والمنشآت العسكرية في موريتانيا على حساب مصالحه.

فعلى سبيل المثال ترى المغرب أن إقامة السعودية لقواعد عسكرية في موريتانيا أو تمويل الإمارات لمشروع تعزيز مرافق الموانئ في نواذيبو  هي بمثابة ضربة كبيرة لطموحات المغرب الإقليمية والقارية، فالمغرب الغارق في مشاكله الداخلية والذي وجد طوق نجاته في مشاريع حديثة الأطلسية الداخلة وطنجة، تلك المبادرتان اللتان اعتمد عليهما المغرب لتعزيز سمعته الصاعدة بوصفه زعيمًا أفريقيًّا مستقبليًّا في معاملات الموانئ، يعتبر ميناء نواذيبو الذي تتقدم التحضيرات لتشييده بناء على اتفاقية بين السلطات الموريتانية وشركة صينية وقعت في أبريل (نيسان) 2018، تهديدًا لميناء الداخلة المغربي الذي يجري التحضير لبنائه هو الآخر بكلفة 10 مليارات درهم.

ويؤكد الباحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية، والكاتب المتخصص في العلاقات الدولية خالد يايموت أنه برغم كون العلاقات الموريتانية بالسعودية والإمارات هي علاقات قديمة، إلا أنها اتخذت بعدًا آخر في السنوات القليلة الماضية. موضحًا: «يبدو أن التقارب بين النخبة العسكرية والتجارية الموريتانية مع الإمارات أولًا ومع السعودية ثانيًا هو أبرز ما يقع حاليًا، ذلك أن النخبة العسكرية الموريتانية وجدت متنفسًا في علاقتها بهذه الدول الخليجية، كما أن سيطرة الجيش الموريتاني عن بعض مناشط الاقتصاد يحتاج لمنفذ وسوق مالية وهو ما توفره سوق دبي أساسًا».

وحول انعكاس هذه العلاقة على المغرب، يشدد يايموت على أن المغرب دخل منذ 2016 في تناقضات للمصالح الاستراتيجية مع كل من السعودية والإمارات في غرب أفريقيا ودول الساحل والصحراء، ويوضح: «يبدو أن الإمارات خصوصًا استفادت من التجربة المغربية وتعاون دبي مع فرنسا للتضييق على مصالح المغرب في غرب القارة ومنها موريتانيا خاصة بعد سنة 2018، وإعطاء العلاقات بعدًا اقتصاديًا وماليًا».

ويرى يايموت خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن  أكبر تهديد لمصالح المغرب يتمثل في ما يجري حاليًا من الإمارات بالاستثمار في منطقة نواذيبو عاصمة الاقتصاد الموريتاني، والتي فيها تعتزم الإمارات إقامة ميناء لها سيتسبب في  ضربة قاسية لمشروع المغرب القائم على تحويل ميناء مدينة الداخلة لبوابة إقليمية نحو غرب أفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء.

ويتابع القول: «يعني ذلك أن الإمارات تقوم برد فعل اقتصادي معاكس للمغرب، نتيجة لاختياره بناء أنبوب الغاز الرابط بين نيجيريا والمغرب والذي يفترض أن يمر بمحاذاة منطقة الميناء، فالانزعاج المغربي ناتج عن انسحاب كل من السعودية والإمارات من مشروع المغرب الخاص بأنبوب الغاز؛ أكثر من ذلك يرى المغرب أن الخطوات الاخيرة بموريتانيا ستؤدي لعرقلة المشروع خصوصًا أن موريتانيا ظل موقفها ملتبسًا من المشروع المغربي».

كيف استطاعت الإمارات أن «تبسط يدها» في موريتانيا؟

المصادر

تحميل المزيد