أكثر من عرض قُدم من المملكة العربية السعودية لروسيا، من أجل التخلي عن رئيس النظام السوري، بشار الأسد. آخر هذه العروض كان مقايضة نفوذها في الشرق الأوسط برحيل الأسد، وسبق عرض شراء صفقة أسلحة ضخمة، وعروض لدفع أسعار النفط.

لعلّ السعودية تُؤمن أن تخلي روسيا -التي تعاني صعوبات اقتصادية وعزلة دبلوماسية- عن الأسد، سيعجل من إنهاء الأزمة السورية، وسيخلصها من النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، كما أن تراجع الدعم الروسي للأسد له تأثيره الإيجابي في أسواق النفط التي تأثرت بالسياسة الدولية، لكن يقابل هذا الموقف السعودي تعنت روسي بالبقاء في الشرق الأوسط، ولعب دور محوري حتى تحقيق الهيمنة الروسية، ولذلك وقفت روسيا في صف الأسد منذ اللحظة الأولى للثورة السورية في عام 2011، حتى تدخلت عسكريًّا في سوريا قبل عام.

لماذا لا ترى السعودية حلًّا للأزمة السورية إلا بتخلي روسيا عن الأسد؟

تُعد روسيا الداعم الأساسي لبشار الأسد، ومع ثقلها الدولي سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا، فقد عرضت عليها السعودية، قبل نحو عامين، حوافز اقتصادية، تشمل صفقة أسلحة كبيرة أو حل أزمة النفط بما يتوافق مع المصلحة الروسية.

قبل أيام تكرر العرض السعودي، إذ قال وزير الخارجية السعودي عادل الجبير لصحيفة «بوليتيكو» الأمريكية، إن «المملكة مستعدة لفتح فرص جديدة لروسيا للوصول إلى أسواق الخليج، والاستثمار أكثر من الأسواق الصينية، في حال التخلي عن رئيس النظام السوري بشار الأسد».

وأضاف الجبير أن «هذا الأمر سيجعل روسيا أقوى مما كان عليه الاتحاد السوفيتي، لافتًا إلى أنه من الأفضل لروسيا أن تنظر في هذا الأمر لأنه سيخدم مصالحنا المتبادلة».

يُعلّق أستاذ القانون بجامعة محمد بن فهد في الخبر بالسعودية، صالح النويجم، على هذا الأمر لـ«ساسة بوست»، قائلًا، إنّ «التدخل العسكري قوّى من عمر النظام السوري، وأعطى ذريعة له لقتل شعبه وتدمير بلاده، بل أعطى ذريعة لإيران وتدخلاتها العدائية السافرة في شؤون سوريا، وفرض إرادتها لتنفيذ مخططاتها ضدّ أهل السنّة».

ويرى النويحم أنه إذا نظرت روسيا إلى مصالحها الإستراتيجية، «فإنها سوف تتخلى عن الأسد عن قريب، وسوف تستجيب لرؤية المملكة في حل الأزمة السورية»، متابعًا: «المملكة في رؤيتها للأحداث والتعامل معها متوازنة، والمملكة من خلال تعاملها مع الملف السوري، أو ملف ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، أو العدوان الحوثي على اليمن المدعوم من إيران، كل هذا يؤهل نجاح ما تطرحه المملكة من حلول لمعالجة هذه الملفات بحكم خبرتها في مواجهة الإرهاب والتصدي له».

وأكّد النويجم أنّ ما تطرحه المملكة على روسيا «ينطلق من إستراتيجيتها لمواجهة التطرف والإرهاب، حيث لا ترى إمكانية لحل القضية السورية باستمرار بشار الأسد في الحكم»، كما أنّه يعتقد أنّ «روسيا تعرف ذلك، وتنظيم الدولة بقاؤه في سوريا مرتبط ببقاء نظام بشار، فإذا أزيل زالت معه، فالتعقيد الذي تمر به القضية السورية سببه تضارب مصالح القوى الغربية مع روسيا، وفي النهاية لا بد من حل هذه القضية لأنها أصبحت منبع الإرهاب الدولي الذي طال بريطانيا وفرنسا وأوروبا، ويهدد الدول الكبرى في عمق بلدانها».

هل أساءت السعودية التقدير بعرضها المالي على روسيا؟

بكل ما أوتيت من قوة تدعم روسيا النظام السوري، بالأسلحة التي جعلته يتماسك حتى اليوم في نظام الحكم، وبالغطاء الدبلوماسي الذي يصد أي قرار يحاول مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة اتخاذه، ويعارض مصلحة هذا النظام. لذلك هناك تعارض في المصلحة الإستراتيجية بين السعودية، وروسيا حول سوريا.

 

هذا التعارض اقتصاديًّا يتعلق بمسارات وأسواق الطاقة، وعسكريًّا يتعلق بوجود خطر داهم من قبل نظام بشار والجماعات البعثية التابعة له على أمن السعودية والخليج، وأيضًا أيديولوجيًّا يتعلق باصطفاف روسيا مع إيران التي تعتبر العدو الأول والأكبر للنظام السعودي، حسب ما يقوله الخبير في الشؤون الدولية والإستراتيجية أنس القصاص.

ويعقب القصاص على العرض السعودي الأخير فيقول لـ«ساسة بوست»، إنّ «السعودية بعرضها المالي أساءت التقدير، وظنت أن روسيا الحالية التي تدفعها أحلامها وآمالها في استرداد بعض من هيبة الاتحاد السوفيتي قد تقبل تحت ضغط الحاجة بالعرض السعودي لتمويل عجز الموازنة بسبب انخفاض أسعار الطاقة عالميًّا».

ويُضيف: «روسيا تسير خلف فانتازيا موجودة في مخيلتها فقط بأنه بإمكانها إعادة بعض المجد السابق عن طريق تكثيف وجودها العسكري والسياسي في سوريا، وتقديم نفسها للعالم بشكل مختلف».

لا يعتقد أنس القصاص أن روسيا قد تتخلى عن «أحلامها بسهولة»، هذا الأمر يقتضي، وفقًا لرؤية القصاص، إستراتيجية تحفظ بها روسيا ماء وجهها دوليًّا، وعلى ما يبدو فإن هذا ما لا تضمنه الصفقة السعودية.

«الفشل» مصير العروض السعودية

لم يكن العرض السابق هو العرض السعودي الأول لروسيا كما أسلفنا، لذلك يتضح أن روسيا لا تعتزم في المستقبل القريب على الأقل تغيير مواقفها من دعم بشار الأسد، لا هي ولا حلفاؤها إيران وحزب الله، فبينما قال أمين سر مجلس الشعب السوري خالد العبود إن العرض السعودي الأخير يندرج تحت مسمى «الخيال السياسي»، وصفت المستشرقة يلينا سوبونينا الاقتراح بأنه «قلة خبرة دبلوماسية وسياسية».

يؤكد المحاضر في جامعة القدس والمحلل السياسي أحمد رفيق عوض، أن عروض السعودية لروسيا محكوم عليها بالفشل: «روسيا تعتقد كل الاعتقاد بأن السعودية في فلك آخر غير الفلك الروسي، ولا يمكن لها الاقتراب من المصالح الروسية في المنطقة، وهناك عدم ثقة روسية لوجود اتهامات للسعودية بأنها ترعى حركات و رؤى وتيارات إسلامية متشددة».

لكن لماذا يحكم عوض على فشل هذه العروض؟ يجيب عن هذا بقوله: «هناك إغراءات أمريكية أوروبية معروضة على روسيا هي أفضل و أكثر ضمانًا وأكثر ثباتًا من عروض السعودية، كما يمكنا إرجاع فشل العروض السعودية لكون روسيا لا تريد أن تجني أرباح اقتصادية فقط، فهي تريد أن يكون لها نفوذ سياسي واقتصادي ولتحمي بطنها الرخو، وهي تريد أن يكون لها موقع قدم عسكري أمني إستراتيجي في المنطقة ليكون جزءًا من التنافس الدولي عمليًّا».

وأضاف: «نحن عدنا إلى ما يشبه الحرب الباردة التي سادت بالخمسينيات والستينيات والسبعينيات، وروسيا تتقدم إلى العالم العربي بزرع فكرة النفوذ، عمليًّا حزب روسيا الأم وبوتين وكل القيادة الروسية تتبنى العقلية القيصرية، عقلية التوسع عسكريًّا وبالقوة، وبالتالي روسيا لا ترى نفسها حليفًا للسعودية».

علاقة العرض السعودي بالانقلاب التركي وتراجع التحالف الأمريكي

تزامن العرض السعودي لروسيا مع الأيام الأولى لعقاب الحكومة التركية للانقلابين، ليقرأ ترابط بين العرض والظروف التي نجمت عن هذا الانقلاب الفاشل، يقول الكاتب صفوان أبو حلا: «يعجب المراقبون لتصريح الوزير السعودي، إذ جاء في وقت يجمع فيه فريق عريض من المتابعين، أن الانقلاب التركي الفاشل الذي حاول إطاحة سلطة منتخبة وشرعية في بلد له ثقله في المنطقة والعالم، إنما كان نتيجة لإدراك القيادة التركية «وصول السكين إلى اللحية»، إثر تفجيرات إسطنبول التي أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أعقابها أنها من فعل تنظيم الدولة».

 

من جانبه، يقول المحلل السياسي أحمد رفيق عوض: «نحن في منطقة مضطربة، والكل يبحث عن حلفاء جدد، ومنطقتنا يتشكل فيها أحلاف كثيرة، فنجاح أردوغان في فشل الانقلاب وعودة العلاقات التركية يجعل تركيا تقف وحيدة أو تريد أن تبحث عن حلفاء».

وأضاف عوض قائلًا، إنّ «هناك عدة دول تتنافس على المنطقة، تركيا وإسرائيل وإيران، والسعودية إن لم تكن ذات أنياب أو ذات قوة وذات حلفاء معينين عمليًّا سيتم تجاوزها، بالتالي هذه العروض أو غيرها قد تكون جزءًا من سياسية السعودية الجديدة في البحث عن حلفاء».

ويتطرق عوض إلى التحالف الأمريكي السعودي، إذ يرى أن الولايات المتحدة الأمريكية، عمليًّا تتحول عن السعودية، على حساب علاقتها مع إيران، «ومع فرض أن العلاقة ما زالت جيدة بين الولايات المتحدة والسعودية، فالواضح أن أمريكا الآن تبحث عن حلفاء جدد وأصدقاء جدد»، لذا يعتقد عوض أن السعودية «تشعر بالعراء وأنه تم خيانتها، ولهذا السبب نرى السرعة والتسارع في السياسات السعودية، وعروضها المختلفة غير المدروسة».

عرض التعليقات
تحميل المزيد