أعلنت المملكة السعودية من فترة طويلة أنها تريد تحقيق اكتفاء ذاتي من إنتاج الوقود النووي، وغير مهتمة بتحويل التكنولوجيا النووية إلى الاستخدام العسكري. لكن مثلما لم يترك صعود الملك سلمان إلى السلطة حجرًا على حجر ليس فقط داخل القصر الملكي، ولكن أيضًا على المستوى الإقليمي، هدد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان علانيةً عبر قناة «سي بي إس» بتطوير قنبلة نووية إذا أقدمت إيران على ذلك.

كان من الطبيعي أن يربط المراقبون بين تهديد ولي العهد، والمحادثات التي يجريها وزير الطاقة الأمريكي، ريك بيري، مع مسؤولين سعوديين، بشأن الاستفادة من التكنولوجيا النووية الأمريكية، ومشروع القرار الذي قدمه أعضاء من كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمجلس الشيوخ، ويطالب بأن ينص أي اتفاق لتبادل التكنولوجيا النووية الأمريكية مع السعودية على منع المملكة من تخصيب اليورانيوم، أو إعادة معالجة البلوتونيوم الذي تنتجه المفاعلات، وهما الوسيلتان المستخدمتان في صنع قنبلة نووية.

وبعدما أظهرت صور الأقمار الصناعية قبل أشهر قليلة أن المملكة أوشكت على الانتهاء من بناء أول مفاعل نووي، كان متوقعًا أن يطلق خبراء الحد من التسلح جرس إنذار محذرين من أن الرياض لم توقع بعد على الإطار الدولي للقواعد التي تتبعها القوى النووية الأخرى؛ لضمان عدم استخدام البرامج النووية المدنية لصنع قنبلة نووية.

قبل 30 عامًا.. كيف ساعدت أمريكا إيران في الحصول على السلاح النووي؟

 

بمساعدة ترامب.. الانتقال من البرنامج السلميّ إلى إنتاج قنبلة نووية «مجرد وقت»

«يشعر الخبراء بالقلق من أن نقل التكنولوجيا النووية الأمريكية الحساسة قد يسمح للمملكة العربية السعودية بإنتاج قنبلة نووية، تُسهِم في انتشار الأسلحة النووية في أنحاء الشرق الأوسط، الذي يعاني بالفعل من انعدام الاستقرار».

هذا هو ما خلُصَ إليه أحدث تقرير أمريكي، أصدرته الأغلبية الديمقراطية في «لجنة الرقابة والإصلاح» بمجلس النواب يوم 19 فبراير (شباط) 2019، احتجاجًا على الجهود المحمومة التي تبذلها إدارة الرئيس ترامب لتسريع نقل التكنولوجيا النووية الأمريكية شديدة الحساسية إلى الرياض دون الرجوع إلى الكونجرس.

Embed from Getty Images

يحذر النواب الأمريكيون من أن هذه الجهود غير المنضبطة قد تشكل انتهاكًا لـقانون الطاقة الذرية (1954)، وقانون الانتشار النووي السعودي الجديد الذي عرض على مجلس الشيوخ في 28 فبراير الماضي؛ لتعزيز سلطة الكونجرس على نقل التكنولوجيا النووية إلى المملكة.

ثمة علامات استفهام تتكئ على علامات تعجب مثارة حول ستار السرية الذي يغلف العلاقة بين إدارة ترامب، والسعودية، والضغوط التي تمارسها الكيانات التجارية الأمريكية لتسريع الصفقة، ومخاوف أعم تتعلق بـ«بيئة العمل داخل البيت الأبيض، التي تتسم بالفوضى، والاختلال الوظيفي».

والأهم أن الشكوك تحوم حول الاتصالات الوثيقة والمستمرة بين الرئيس ترامب، والكيانات التجارية -التي يتوقع أن تجني مليارات الدولارات مقابل بناء المنشآت النووية في السعودية وتشغيلها- ومن المشكاة ذاتها تخرج الاتهامات الموجهة لكبار مستشاري البيت الأبيض بتضارب المصالح.

من اللافت أن هذه الصفقة المثيرة للجدل تحظى بدعم أصدقاء ترامب داخل الإدارة وخارجها (مايكل فلين، ديريك هارفي، توماس باراك، ريك جيتس)، حتى إن المحامي تشارلز بيرسون، عضو «تحالف بيتسبرج المناهض لحروب الطائرات بدون طيار»، كتب في مجلة «كاونتر بانش» نصف الشهرية الأمريكية ساخرًا: «لو كانت إيران تمتلك ما يكفي من الفطنة لشراء قنبلة نووية من أصدقاء ترامب، لما واجهت عقوبات، أو تهديد بغزو أمريكي».

لا تقتصر هذه المخاوف على الديمقراطيين، بل يتشاركها النواب الجمهوريون، أمثال ماركو روبيو، وتود يونج، وكوري جاردنر، وراند بول، ودين هيلر، الذين بعثوا رسالة في 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2018، إلى الرئيس ترامب يحثونه فيها على «تعليق المحادثات المتعلقة باتفاقية تعاون نووي مدني محتملة بين الولايات المتحدة، والمملكة العربية السعودية بسبب مخاوف جدية تتعلق بالشفافية والمساءلة».

لكن يبدو أن ترامب مصمم على اعتصار الفوائد المادية التي تتيحها له فترة ولايته الرئاسية لآخر قطرة، لدرجة أن المحامي الأمريكي تشارلز بيرسون يشك في أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيواصل دفاعه الأعمى عن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، حتى لو أطلق الأمير النار على خاشقجي جهارًا نهارًا في وسط الجادة الخامسة بنيويورك.

وإذا كانت روسيا والصين وكوريا الجنوبية وفرنسا قدموا عروضًا لبناء مفاعلات نووية في السعودية، حُقَّ للرئيس الأمريكي أن يتساءل -أو هكذا يعتقد ترامب حسبما يتخيل نيكولاس كريستوف في صحيفة «نيويورك تايمز»– لماذا يتخلى عن نصيبه من الكعكة الشهية المعجونة بريالات النفط، طالما أن الرياض ستحصل على التكنولوجيا النووية التي تريدها في جميع الأحوال؟

Embed from Getty Images

وإذا كان الأمريكيون يتشبثون بالحذر لأن «القدرة على التخصيب وإعادة المعالجة ستمكن السعوديين من الانتقال في وقت قصير من برنامج نووي سلمي مدني إلى إنتاج قنبلة نووية»، كما يقول الأمريكيون؛ فربما كانت السعودية بعيدة النظر حين سعت منذ سنوات لعقد اتفاقيات مع الصين للتعاون في مشاريع الطاقة النووية.

الحل الباكستاني.. البديل الجاهز أسهل من التصنيع المحليّ

إذا كانت هناك طريقة أسهل للحصول على قنبلة نووية من البلد صاحبة «أول قنبلة نووية سنية»، فلماذا يضع السعوديون أنفسهم في عين العاصفة بتصنيعها محليًّا؟ يرتفع سقف التهكنات بالنظر إلى إجمالي الدعم المالي المقدم إلى باكستان من الإمارات والسعودية، ويبلغ حوالي 14 مليار دولار، ما يثير تساؤلًا طبيعيًّا: «هل يمكن أن تسدد إسلام آباد ثمن هذا السخاء الخليجي نوويًا؟».

تفوق المساعدات التي تلقتها باكستان من السعودية ما حصلت عليه أي دولة أخرى خارج العالم العربي منذ الستينيات. على سبيل المثال، عندما كانت باكستان تدرس ما إذا كانت سترد على اختبار الهند خمسة أسلحة نووية في مايو (أيار) 1998، وعد السعوديون بإرسال 50 ألف برميل نفط يوميًّا مجانًا لمساعدتها على مواجهة العقوبات الاقتصادية التي قد تنجم عن التجربة الباكستانية المضادة.

مفاعل خوشاب النووي في باكستان

وكان الالتزام النفطي السعودي هو مفتاح قرار رئيس الوزراء آنذاك، نواز شريف، بالمضي قدمًا في الاختبار، وخفف إلى حد كبير تأثير العقوبات اللاحقة التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على باكستان.

هذه المزاعم حول وجود ترتيب أو تفاهم سري، تنقل باكستان بموجبه الأسلحة النووية إلى المملكة، تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، عندما مولت السعودية مشروع القنبلة الباكستانية النووية الناشئة.

وتستمر التكهنات حتى وقتنا هذا؛ إذ تحاول أجهزة الاستخبارات الأمريكية استكشاف ما إذا كان الأمير محمد بن سلمان يضع الأساس لبناء قنبلة نووية. وأثارت العلاقة المالية بين الرياض، وإسلام آباد تساؤلات لدى المخابرات الأمريكية لفترة طويلة عن المقابل: «هل إذا احتاجت السعودية أن تمتلك ترسانتها الصغيرة، ستوفرها لها باكستان؟»، حسبما أشارت صحيفة «نيويورك تايمز» في 22 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تحت عنوان «السعوديون يريدون صفقة نووية أمريكية.. هل يمكن الوثوق بهم في عدم صنع قنبلة نووية؟».

وبرغم أن التقارير التي تفيد بأن «سلاح الجو الملكي السعودي يحتفظ دائمًا بطائرتين في باكستان؛ ليتمكن من نقل القنبلة إلى الرياض في غضون فترة قصيرة إذا طلب الملك ذلك»، غير مؤكدة؛ إلا أن بروس ريدل يستشهد بها في تحليلاته المنشورة على صفحات «بروكنجز».

ويوافقه مدير «برنامج الخليج وسياسة الطاقة» في معهد واشنطن، سايمون هندرسون، الذي كتب على صفحات كارنيجي: «ربما تمتلك السعودية بالفعل قنبلة نووية، بفضل باكستان، إذ يُفترض أنه بالإمكان إرسال صواريخ باكستانية مزوّدة برؤوس نووية إلى المملكة، سواء بهدف تعزيز قوة الردع السعودي ضد إيران، أو لحماية جزء من القوة الاستراتيجية الباكستانية خلال الأزمات مع الهند».

في هذا الإطار، يُعاد تأكيد تفاصيل التفاهم السعودي الباكستاني، الذي قد لا يكون اتفاقًا مكتوبًا، في كل مرة يطرأ فيها تغيير على الحكومة الباكستانية، أو تغيير مرتبط بالعرش السعودي. وهنا يكمن الدافع وراء الزيارتين اللتين قام بهما وزير الدفاع السعودي (وحاليًا ولي العهد) محمد بن سلمان إلى باكستان منذ تولي والده الملك سلمان العرش في عام 2015. ومن هنا أيضًا تأتي الزيارات المنتظمة التي يقوم بها القادة العسكريون الباكستانيون إلى المملكة.

ورجح كريستوفر كلاري ومارا كارلين في مقالٍ نشرته مجلة «ذي أميركان إنترست» عام 2012، أن «توفر باكستان تكنولوجيا الأسلحة النووية (للسعودية) إذا كانت تبحث عن بديل للمساعدات الأمريكية، تحسبًا لانهيار مستقبلي محتمل في العلاقة (مع الولايات المتحدة)»، خاصة وأن ترامب ألغى بالفعل 300 مليون دولار من المساعدات الأمريكية لباكستان في عام 2018.

ورسمت ورقة بحثية أعدها يوئيل جوزنسكي ونشرها «معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي» يوم 22 يوليو (تموز) 2015 بعنوان «المملكة العربية السعودية والاتفاق النووي مع إيران»، سيناريو يتضمن «قيام باكستان بتثبيت رؤوس حربية نووية على الأراضي السعودية؛ أحد أشكال الردع الموسع، إذا تخطت إيران علنًا العتبة النووية».

حتى أن جوزنسكي نصح إسرائيل بـ«تحسين عملية جمع المعلومات الاستخباراتية، وتعزيز القدرة على تقييم التطورات على المسرح الخليجي، حتى تتمكن – إلى جانب فوائد أخرى- من رصد أي محاولات إضافية من دول أخرى لخلق توازن نووي ضد إيران».

«أنظمة التوصيل».. صواريخ صينية وأمريكية قادرة على حمل رؤوس نووية

حين أظهرت صور الأقمار الاصطناعية في يناير (كانون الثاني) الماضي أن السعودية بنت أول مصنع للصواريخ البالستية، اعتبرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية هذه الخطوة «جزءًا من الطموحات العسكرية والنووية المتزايدة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان».

وأشار الخبراء إلى أن السعودية لا تمتلك في الوقت الحالي قنبلة نووية، لذلك من المرجح أن أي صواريخ منتجة في المصنع «ستكون عنصرًا حاسمًا في أي برنامج سلاح نووي سعودي في نهاية المطاف، مما يمنح المملكة قدرة على إنتاج أنظمة التوصيل المفضلة للرؤوس النووية».

Embed from Getty Images

مفاعل تايشان 1 في الصين

وتعمل السعودية حاليًا على بناء عدة أنظمة أمريكية، ومنها نوعان مختلفان من نظام صاروخ أرض-جو (سام)، ونظامان مختلفان من نظام باتريوت (سام). وهو تطور طبيعي للأدلة الحديثة التي أشارت منذ فترة إلى أن المملكة أصبحت تمتلك القدرة على تطوير صواريخ باليستية محليًّا، إلى جانب ترسانتها التي تتكون أساسًا من صواريخ صينية الصنع.

يبدو أن السعوديين كانوا يفكرون في «أنظمة التوصيل» منذ فترة طويلة؛ فقد اشتروا صواريخ «دونج فينج 3» متوسطة المدى من الصين، صُممت لحمل رؤوس حربية نووية أو كيميائية أو بيولوجية، في عام 1987، ما أثار احتجاجات المسؤولين الأمريكيين آنذاك.

وتشير بعض التقارير إلى أن المملكة اشترت صواريخ باليستية طراز «دونج فينج 21» من الصين في عام 2007؛ من أجل تحديث، أو استبدال صواريخ «دي إف 3»، ورغم أن مدى الصواريخ الجديدة أقصر، إلا أنه أكثر دقة.

لكن السعودية تكتفي حاليًا بنشر صواريخ من طراز «دي إف 3» برؤوس حربية تقليدية، وتعهدت بعدم تزويدها بحمولات غير تقليدية. وإن لم تختبر هذا النوع أبدًا؛ مما يجعل أهميته بالنسبة لاستراتيجية الدفاع السعودية غير واضحة.

ووقعت الرياض في نوفمبر 2018 اتفاقًا بقيمة 15 مليار دولار، لشراء منظومة الدفاع الجوي الصاروخي أرض-جو (THAAD) من صنع شركة «لوكهيد مارتن»، التي يمكنها اعتراض الصواريخ البالستية القصيرة والمتوسطة المدى داخل الغلاف الجوي وخارجه.

إيران الحافز الأكبر.. القنبلة السعودية بين التطمينات والتهديدات

صحيحٌ أن السعودية اتخذت كل الخطوات التي تؤكد عدم رغبتها في حيازة أسلحة نووية، ووقعت على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، وأبرمت اتفاق التفتيش الشامل مع «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، وصادقت على معاهدة حظر الأسلحة النووية في الأمم المتحدة.

صحيحٌ أيضًا أن البنى التحتية السعودية بدائية وغير متطورة، وبالتالي قد لا تمكن المملكة من تخصيب اليورانيوم. وليس من المغري -لاعتبارات أمنية وتجارية- أن تتشاطر أيٌّ من الدول التي تقوم بتخصيب اليورانيوم لإنتاج الوقود النووي تقنياتها مع دول أخرى، حسبما يلفت الباحث الأول في برنامج الشؤون النووية في «مؤسسة كارنيجي»، مارك هيبز.

Embed from Getty Images

لكن ما بين التطمينات والتهديدات؛ تسعى المملكة لتوسيع مساحة تعاونها النووي مع الولايات المتحدة وفرنسا والأرجنتين وكوريا الجنوبية والصين وروسيا، إلى جانب مفاوضات تجريها مع تركيا وجنوب أفريقيا والمجر وفنلندا وبلجيكا وأستراليا.

وما يثير الشكوك أكثر هو إصرار السعودية على إنتاج وقودها النووي الخاص بها، على الرغم من أن بإمكانها شراءه بسعر أرخص من الخارج. إذ يمكن استخدام مثل هذا الوقود للأغراض السلمية أو العسكرية؛ ذلك أن تخصيب اليورانيوم إلى درجة نقاء 4% يكفي لتشغيل محطة توليد الطاقة، أما الوصول إلى نسبة 90% فيضعها على عتبة قنبلة نووية.

وكم كان النائب الديمقراطي براد شيرمان صريحًا ولاذعًا في آن حين قال: «أن تبيعهم طائرات مسألة، لكن أن تبيعهم قنبلة نووية أو القدرة على بنائها، مسألة مختلفة. والبلد الذي لا يمكن الوثوق به وبحوزته منشار عظم، لا ينبغي الوثوق فيه وهو يمتلك قنبلة نووية».

وخلال مقابلة مع برنامج «60 دقيقة» بثتها قناة «سي بي إس» في 18 مارس (آذار) 2018، قال ولي العهد الأمير محمد بن سلمان: «المملكة العربية السعودية لا ترغب في الحصول على أي قنبلة نووية، لكن دون شك، إذا طورت إيران قنبلة نووية، فسنتبعها في أقرب وقت ممكن».

ورغم تأكيده في المقابلة ذاتها أن «إيران ليست منافسة للسعودية. جيشها ليس من بين الجيوش الخمسة الأولى في العالم الإسلامي. والاقتصاد السعودي أكبر من الاقتصاد الإيراني. وإيران بعيدة عن أن تكون ندًا للسعودية»، إلا أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ستظل هي مفتاح بوابة القنبلة النووية السعودية، والدافع الأكبر لكي تخوض المملكة هذا التحدي.

«إف-14 توم كات».. قصة مقاتلة اعتراضية تملكها إيران وتخشاها أمريكا 

 

المصادر

تحميل المزيد