الرفاهية والسعادة والترفيه؛ أهداف ترد في خطط الحكومات حول العالم، بل تنصُّ إحدى مواد الدستور الأمريكي على حق المواطن الأمريكي بـ«السعي لتحقيق السعادة». السعادة: خيالٌ أم حقيقة في عالمنا العربي؟

أولًا: السعودية وصناعة الوَهم

دشّن الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي ولي العهد السعودي، في أبريل (نيسان) 2016، رؤية السعودية 2030، بموافقةٍ من مجلس الوزراء ومن الملك سلمان بن عبد العزيز. وتهدفُ الرؤية إلى تطوير السعودية اقتصاديًا وخدميًا، بدءًا من قطاعات الأعمال والتعليم والصحة، وغير ذلك.

وشدّد النص الكامل لرؤية 2030، على ضرورة مُشاركة المواطنين والأفراد في بناء المجتمع السعودي وتقوية اقتصاده، دونَ أيّ ذكرٍ لدور المُواطن السياسي. وتحدثت الوثيقة المذكورة أعلاه عن المواطن السعودي «المسؤول»، الذي قد يُفهم أن مسؤوليته تعني عدم التدخل في شؤون السياسة.

وفي النقطة «1.3.3» (نُمكّن مجتمعنا) تتحدث الوثيقة عن «تطوير منظومة الخدمات الاجتماعية لتكون أكثر كفاءة وتمكينًا وعدالة»، ولكن من خلال ماذا؟ تُجيب الوثيقة «حيث سنعمل على تعظيم الاستفادة من دعم الغذاء والوقود والكهرباء والماء»، في تحييد آخر لتسييس المُجتمع، والتأكيد على رؤية تمكينه بتوفير الخدمات الأساسية له!

لتعرف كيف تتحوّل الحقوق الأساسية لـ«تمكين» و«مكرمات» في السعوديّة وغيرها من الدول العربية، اقرأ أيضًا «المَكرُمات».. حين يتصدق الحكام العرب على المواطن من جيبه!

ولي ولي العهد، محمد بن سلمان، في إطلاقه لرؤية 2030، الصورة من صحيفة سبق السعودية

تتحدث الرؤية في أولى أوراقها عن «الثقافة والترفيه» ودعمهما، ولتحقيق هذا الهدف، أُنشئت الهيئة العامة للترفيه، والتي «تُعنى بتنظيم قطاع الترفيه في المملكة وتطويره، والارتقاء بجميع عناصره ومقوماته وإمكاناته، وذلك من خلال وضع خطط ومعايير إقامة المرافق والمنشآت والفعاليات الترفيهية وإدارتها ودعمها»، وهذا ما حصلَ بالفعل، ووقعت لذلك اتفاقية مع المؤسسة الترفيهية «Six flags» للعمل على إنشاء عدّة مدن ترفيهية في مختلف مُدن السعودية، وتُخطط الهيئة الآن لأكثر من 300 نشاط ترفيهي. وتسعى السعودية من خلال الرؤية أن تحقق في جانب الترفيه والثقافة عدة أمور، كأن تصنف ثلاث مدن سعودية ضمن أفضل 100 مدينة في العالم، وأن متوسط إنفاق الأسرة السعودية على الثقافة والترفيه داخل البلاد من 2.9% إلى 6%، وأن ترتفع نسبة ممارسي الرياضة مرة على الأقل أُسبوعيًا من 13% إلى 40%.

كذلك تسعى الرؤية بشكلٍ عام إلى الوصول بالسعودية إلى دولة «ما بعد نفطية»، أيضًا الوصول بالاقتصاد الوطني إلى أن يعتلي المرتبة 15 على مستوى العالم، بالإضافة لتوطين الاستهلاك العسكري، حيث إن السعودية هي ثالث دولة على العالم في الإنفاق العسكري، ولذا ستعمل الرؤية على توطين 50% من إنفاقها العسكري في داخل السعودية، كما تسعى الرؤية لتغيير «طريقة» الإنفاق، بدلًا من تغيير «اتجاه» الإنفاق لأمور أخرى كالصحة والتعليم وتحسين البنى التحتية بدلًا من التسليح.

لكن ماذا عن حقوق الإنسان في السعودية؟

«تراجع تلو تراجع»، أو هكذا يُستنبط من تعليق سارة ليا ويتسن المديرة التنفيذية لهيومن رايتس ووتش في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إذ قالت: إن «الخطة السعودية للتغيرات الاقتصادية والاجتماعية لا تشمل إصلاحات أساسية لحقوق الإنسان، من شأنها تمكين المواطن السعودية من المشاركة في التخطيط لمستقبله».

وكما يتضح فإنّ أكثر ما قد تصل إليه ألسنة «الإصلاحيين» في السعودية هو موقع التدوينات القصيرة، تويتر، وغالبًا يلحق ذلك اعتقال. يا تُرى، هل توفر السعودية رفاهيةً كافية للمعتقلين السياسيين فيها؟ تُشير المنظمات الحقوقية إلى عكس ذلك.

وتصرّح المصادر الرسمية بوجود 2742 مُعتقل سياسي، ويعلّق الإصلاحيون على ذلك بأنه رقم قليلٌ جدًا، ويرفعه بعضهم إلى أكثر من 10 آلاف معتقل، والرقم قابلٌ للزيادة. ومن الرفاهيات التي توفرها السعودية للمُعتقلين السياسيين محاكماتهم السرية المُتسرعة، واعتقال بناتهم اللواتي يخرجن في اعتصامات ومظاهرات للدفاع عن إخوانهم وآبائهم، ثم بعد انقضاء مدة الاعتقال، يُمنعون من السفر!

https://www.youtube.com/watch?v=7XSPUPgkKhs&feature=youtu.be&t=14s

 

 

فيديو يُظهر اعتداء رجال الأمن السعودي على الأهالي المُتضامنين مع مُعتقليهم، 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2012.

وبالفعل تحدثت وثيقة رؤية السعودية 2030 عن حقوق الإنسان في السعودية، لكن سؤال «أي حقوق، ومن يحددها؟» يبقى مُعلقًا بلا إجابات مُحددة.

في الإمارات وزارة للسعادة

الإمارات الدولة العربية التي لا تفتأ تُفاجئ المواطن العربي بتقدمها الاقتصادي وقفزاتها في تقديم الخدمات للمواطنين الإماراتيين. كذلك، لا تفتأ تُفاجئ الإنسان والناشطين للحفاظ على حقوقه بانتهاكاتها المتكررة له، وفقًا لما ترصده منظمات حقوق إنسان دولية.

اقرأ أيضًا: «الإخفاء القسري».. مسلكٌ قمعي يتزايد في الإمارات

في الثامن من فبراير (شباط) 2016، استحدث الإمارات منصب «وزير دولة للسعادة»، والإمارات هي أول دولة استحدثت هذا المنصب الذي عُيّنت فيه الوزيرة عهود الرومي، سيّدة إماراتية ذات خبرات سابقة، وهي عضو مجموعة القيادات الشابة العالمية التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمية «دافوس»، وهي أول وزيرة للسعادة.

تظهر الرومي دائمًا مُبتسمة، تنشرُ الإيجابية وتردّد «السعادة رحلة وليست هدف»، و«أرى السعادة في كل مكان»، وتُصبّح على مُتابعيها بـ«صباح الإيجابية»، هكذا هي وزيرة السعادة، سعيدَة دائمًا. مهمّة هذه الوزارة أن «تحقق السعادة للمجتمع»، وتحقيقها «أمرٌ غير قابل للتأجيل»!

عهود الرومي، وزيرة السعادة وهي سعيدة

«لماذا علينا أن نهتم بالسعادة؟»، يقول محمد بن راشد، حاكم دبي: «لأن السعادة مفتاح الإنتاجية»، وبالرغم من ذلك، فإن غير السعداء في الإمارات ممن يُسمون بـ«الإصلاحيين»، كانوا من أكثرهم إنتاجيةً في دولة الإمارات. وتُحقق الإمارات يومًا بعد يوم تقدمًا في مؤشرات اقتصادية وتنموية كبيرًا، وفي الوقت نفسه تُحقق تراجعًا في مؤشرات حقوق المجتمع المدني وحقوق الإنسان.

و«السعادة لمن؟»
يُعلّق ملهم الأحدب، ناشط وصحافي سوري، على مبادرات محمد بن راشد بقوله «كم شابًا عربيًا ساهمت الإمارات في قتله؟ وكم حلم عربي بالتغيير ساهمت الإمارات بوأده! وكم شاب إماراتي حلم بأن يكون صاحب نشاط سياسي لا يوافق إرادة الحكام؛ فرمي بالسجن أو سحبت جنسيته؟»

يبدو إذن أن السعادة لإماراتيين دون إماراتيين، ففي الإمارات عددٌ كبيرٌ من مُعتقلي الرأي، يُحاكمون بذريعة تهديد النظام، أو السعي لقلب الحكم، و«مكافحة الإرهاب»، أو إيجاد فروع للإخوان المسلمين في الإمارات، وتتنوع العقوبات ما بين السجن لخمس سنوات وعشر سنوات، وغرامات تصل لنصف مليون درهم إماراتي، فضلًا عن الإخفاء القصري لمدد تزيد عن 20 شهرًا، وسحب جوازات السفر والجنسية، من المعتقلين وأُسرهم.

وعلى سبيل المثال، فإنّ موقع «ساسة بوست» محجوب الآن في الإمارات، ومَن يحاول استخدام «في بي أن، بروكسي» لتخطي حجب المواقع، أو الخدمات المختلفة (اتصال «واتس آب» مثلًا)، يُرجّح تعرضه إما لعقوبة السجن أو غرامة تتراوح قيمتها بين نصف مليون إلى مليوني درهم إماراتي.

هذا وصُنفت الإمارات برقم 119 عالميًا من 180 في مؤشر حرية الصحافة لعام 2016، الغريب أن الإمارات، بالرغم من حجبها لعدد كبير من المواقع الصحفية، حصلت على المركز 55 عالميًا في مؤشر حرية الإنترنت العالمي 2016، مُتضمنًا لـ65 دولة شملها المؤشر.

وفي بلد توجد فيه «وزارة للسعادة»، تحلُّ الإمارات في المرتبة 88 عالميًا من حيث وجود العبودية الحديثة، ومؤشر العبودية الحديثة العالمي يُشير إلى قدرة فردٍ واحد على التعدي على القرارات والحياة الخاصة لأفراد آخرين، للاستفادة والانتفاع بهم.

كذلك، حصلت الإمارات على المركز 41 عالميًا في مؤشر الابتكار العالمي، وفي ذات الوقت كانت تُمارس أساليبًا «مبتكرة» للتجسس على مُعارضيها، أغسطس (آب) 2016، كشفت مجلسة «فورين بوليسي» عن استعمال الإمارات لبرمجية اختراق إسرائيلية نادرة جدًا، للتجسّس على المُعارض والناشط الإنساني الإماراتي أحمد منصور، من خلال استغلال ثغرات في هاتفه المحمول (آيفون)

تبدو الأهداف المطروحة مشروعة وربما مُتفقٌ عليها: تمكين المجتمع، وإسعاده، ولكنَّ السؤال المُلح بلا إجابة «بأي طريقة وفي أيّ اتجاه؟»

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد