في أواخر سبتمبر (أيلول) عام 2014، أسقط الحوثيون العاصمة اليمنية صنعاء ومعها ثلاثة أرباع اليمن، ثم أعلنوا إحياء إمامتهم الضائعة من «الهاشميين الشيعة» الذين حكموا اليمن أكثر من ألف عامٍ قبل تأسيس الجمهورية اليمنية الحالية عام 1964، والبعُد الديني للصراع سُرعان ما حوّل اليمن إلى حربٍ بالوكالة بين تحالفٍ دولي بقيادة السعودية والإمارات، وبين إيران التي مدت نفوذها بقوةٍ في دول الهلال الشيعي بالشام.

وفي ظل غمارِ حرب امتدت خمسة أعوامٍ، تعقدت الأبعاد السياسية لكل الأطراف؛ فالحوثيون والإمارات تناغمت أهدافهم في انفصال الجنوبِ، أمّا السعودية التي ترفض سيناريو التقسيم، باتت في مواجهة اثنين من أعدائها، فهي إما أن تطرد الحوثيين وتُبعد الخطر الإيراني، فيربح بذلك عدوها السُني المتمثل في «حزب الإصلاح» المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين الطامح في حكم اليمن، وإما أن تطول الحرب دون أن ينتصر أحد.

تشابك الأبعاد السياسية والعسكرية والدينية للتحالف العربي من وجهة نظر مادية لم تكن سوى غطاء للبعد الاقتصادي الغائب المتمثل في النفط اليمني، المحرك الرئيس لعناصر أساسية في الصراع.

تمنع استخراجه منذ الثمانينات.. كيف قوّضت السعودية النفط اليمني؟

قبل انتخابه رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية، شنّ دونالد ترامب هجومًا على السعودية والإمارات عبر خطابٍ ألقاه أمام من أنصاره خلال الحملة الانتخابية: «إنهم يلهثون وراء اليمن، وإذا كنتم لا تعرفون السبب الحقيقي لذلك أرجو منكم مغادرة القاعة في الحال؛ لأنكم لستم أذكياء بما يكفي، هل رأيتم حدودهم المشتركة مع اليمن، هل تعلمون ماذا يوجد على الضفة الأخرى؟ النفط، إنهم يسعون خلف ثروة اليمن النفطية، وليس أي شيء آخر».

كانت حرب السعودية في اليمن مدفوعةً بمخاوف اقتصادية بشأن إمدادات النفط وتسليمه، خاصةً بعدما بات مضيق هرمز ممرًا غير آمنٍ لـ30% من إمدادات النفط عالميًا في ظل تهديدات إيران المتكررة بإغلاقه، لذا عمدت السعودية إلى موانئ الشحن البديلة وخطوط الأنابيب في اليمن كعنصر حيوي للاستقرار الاقتصادي المستقبلي للنظام الملكي، إضافةً إلى سبب آخر متعلق بالنفط اليمني نفسه، ومستقبل مشروع خط أنبابيب النفط الذي سبق ورفضه الرئيس السابق علي عبدالله صالح.

وتفصل السعودية أكبر اقتصادٍ في الجزيرة العربية عن اليمن أحد أفقر بلدان العالم، حدودٌ شاسعة تمتد على طوال 266 كيلو متر، لكنّ المفارقة أنّ الصحراء اليمنية المقفرة تحمل في باطنها احتياطات كبرى من نفط اليمن والغاز المسال، خاصة منطقة الجوف الشمالية المحاذية للممكلة، بحسب تقديرات أمريكية.

وفي التقرير السري الذي أعدته «الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه)» بعد مسحٍ جيولوجي عام 2002، أظهرت النتائج احتياطًا نفطيًا غير مستخرجٍ في اليمن يصل مبدئيًا إلى 9.8 مليار برميل، وهو ثلاثة أضعاف احتياط نفط اليمن المسجل رسميًا، والتقرير نفسه يؤكد أنّ الأرقام الحقيقة أكبر بكثير، وأنّ الجنوب اليمني فقط يحتوي على إمكانات نفطية تقدر بخمسة مليارات برميل.

وتمنع السعودية منذ الثمانينات الحكومة اليمنية من استخراج النفط في المحافظات الحدودية المحاذية لها بدعوى تهديد احتياطات النفط السعودية المقابلة، وفي عام 1984 أعلنت شركة «هنت أويل» الأمريكية اكتشافًا نفطيًا ضخمًا في محافظتي الجوف ومأرب، وهو ما اعترضت عليه الرياض لتتوقف عمليات التنقيب لأسبابٍ غير معروفة، لكنّ وزير المحلية اليمني الأسبق كشف عام 2013 بأنّ المملكة هي التي تقف وراء منع التنقيب عن نفط اليمن.

وقبل أشهرٍ من انقلاب الحوثيين على العاصمة اليمنية صنعاء، كانت الحكومة اليمنية قد شرعت في إعادة عمليات الاستكشاف والتنقيب في محافظات الشمال بداية بالجوف عبر شرطة صافر الحكومية، لكنّ أعمالها ما لبثت أن توقفت بالرغم من تأكيدات بوجود النفط في تلك المنطقة، وهي نفس تأكيدات شركة «هنت الأمريكية» التي توقفت أيضًا لأسباب غير مُعلنة.

اللافت أنّ السعودية وقعّت مع الحكومة اليمنية عام 2000 اتفاقيةً تقضي بألا يتم التنقيب عن النفط والغاز واستخراجهما في منطقة تبعد 40 كيلومترًا عن الحدود، إلا بموافقة كلا الجانبين اليمني والسعودي، إضافةً إلى تبادل المعلومات المتعلقة بالثروات النفطية في المناطق الحدودية، وبحسب الصحافي اليمني عبدالكريم سلطان لـ«ساسة بوست»: «فالسعودية بتلك الاتفاقية منعت اليمن من استغلال النفط الموجود في المساحة المُقدرة بـ40 كليو مترًا، بالرغم من علم الحكومة المسبق بوجود بحيرة نفطية في تلك المنطقة». وبعيدًا عن الحدود، فالمحافظات اليمنية التي تقبع في داخلها المنشآت النفطية، كانت لها حسابات خاصة في المعارك الدائرة.

5 أرقام لم يلتفت إليها أحد في حرب اليمن

 3 محافظات نفطية رسمت خريطة التحركات العسكرية

حين دخلت السعودية إلى اليمن في مارس (آذار) عام 2015 لإعادة الشرعية اليمنية بعد انقلاب الحوثيين، تراجع إنتاج اليمن من النفط الخام من 100 – 150 ألف برميل في اليوم، إلى نحو 16 ألف برميل يوميًا، نتيجة مغادرة الشركات النفطية، وعلى رأسها «توتال الفرنسية»، أكبر مستثمر للغاز، التي اعترفت أنّ مواقعها لم تتأثر بالعمليات العسكرية، لتدخل بعدها شركات إماراتية وسعودية.

ويعتبر النفط المحرك الرئيس لاقتصاد اليمن، ويمثل 70% من موارد الموازنة، و63% من الصادرات، و30% من الناتج المحلي، ويتركز الإنتاج النفطي في ثلاث محافظات (شبوة، ومأرب، وحضر موت) شكلت إلى حدٍ كبير خريطة التحركات العسكرية للتحالف العربي.

واحدة من المحافظات التي لم تتأثر بالعمليات العسكرية في اليمن، هي محافظة حضر موت النفطية – شرق اليمن – التي تحتل المركز الأول بين القطاعات النفطية  الأكثر إنتاجية في اليمن، وبقيت ضمن المدن القليلة التي لم تتعرض للقصف الجوي، رغم أنّ تنظيم القاعدة كان يسيطر على ميناء المكلا أهم الموانئ في البحر العربي، وهو المنفذ البحري الوحيد المحافظة.

كانت إحدى الأسباب التي دفعت السعودية لعدم تدمير البنية التحتية للمحافظة، هو المشروع القديم للمملكة المتمثل في بناء خط أنابيب نفط يمر من الأراضي السعودية إلى خليج عدن والمحيط الهندي عبر حضرموت، وهو ما يسمح لها بتجاوز مضيق هرمز، في وقتٍ تعتمد فيه المملكة النفط مصدرًا رئيسًا لاقتصادها، والمشروع نفسه أكثر فاعلية، وأقل تكلفة نظرًا؛ لأن النفط سيعبر صحراءها الشرقية عبر المحافظة مباشرة.

وبحسب وكالة «أسوشيتد برس» الأمريكية، فالسعودية دخلت في تحالفات مباشرة مع «تنظيم القاعدة»، وأبرت اتفاقات سرية مع التنظيم للانسحاب من بعض المناطق وسط وجنوب البلاد، لتحييد المنشآت الإستراتيجية وعلى رأسها الموانئ، مقابل الحصول على ملايين الدولارات في صفقةٍ عقدت تحت رعاية أمريكية كاملة.

أمّا الإمارات فكان الاقتصاد أحد أجندتها للمشاركة في التحالف العربي، فما زالت بعد ثلاث سنواتٍ من الحصار الخليجي المفروض على قطر تعتمد على غاز الدوحة في سد ثلث حاجتها من الطاقة، لذا مثلت محافظة شبوة الغنية بالنفط والغاز، أهمية كبرى ضمن مخططاتها وقف استيراد الغاز القطري، عبر الاستمثار في الموارد النفطية اليمنية من خلال شركة غاز نمساوية تستحوذ أبوظبي على 24.9% من رأسمالها، بحسب تسريبات.

ركَّزت أبوظبي تواجدها منذ البداية على الجنوب اليمني من خلال عملية «السهم الذهبي» التي استطاعت تحرير مدينة عدن الجنوبية، والسيطرة على مضيق باب المندب الإستراتيجي، ثم انتزعت محافظة شبوة من أيدي الحوثيين، ثم شكلت قوات النخبة الشبوانية، لإحكام السيطرة على المنشآت والموانئ النفطية، وبينما تتمدد الإمارات للسيطرة على النفط، تعمل في المقابل على عرقلة جهود الحكومة لرفع إنتاجها الشحيح بالأساس.

ثالث المحافظات النفطية في اليمن هي مأرب؛ البوابة الشرقية للعاصمة صنعاء، وأقرب نقطة إستراتيجية سارع الحوثيون للاستيلاء عليها للاستفادة من مدخراتها النفطية الضخمة، لذا كانت استعادة المحافظة النفطية هدفًا ذا أولوية كبرى للتحالف العربي أكثر من العاصمة اليمنية نفسها، واللافت أنّ مأرب التي استعادتها السعودية كاملةً في سبعة أشهرٍ فقط، بقيت قوات التحالف العربي على تخوم صنعاء لنحو أربع سنوات.

وتعد مأرب حاليًا المقر الرئيس للحكومة، حيث تحتضن مقر وزارة الدفاع والكليات الحربية، وتتمركز فيها أكبر الألوية العسكرية منذ اندلاع الحرب، والتي تنطلق منها عمليات القوات الحكومية ضد الحوثيين في منطقة الشمال، كما يوجد بها أهم شركة نفطية في اليمن، هي «صافر» التي تسعى السعودية لتحييدها لصالحها.

أحد أهم الاتفاقات التي توضح البُعد الاقتصادي لللصراع، هي اتفاقية «إعمار اليمن» التي تُعطي السعودية صلاحيات كاملة في إدارة موارد الدولة اليمنية بما في ذلك النفط والغاز والموانئ والمنافذ البرية، وتستطيع السعودية بموجب الاتفاقية إدارة الملف الاقتصادي لليمن دون الرجوع للحكومة الشرعية.

وفي الوقت الذي يهاجم فيه الحوثيون محافظة مأرب، تزامنًا مع تسلم الحكومة اليمنية محافظة شبوة بدلًا عن المجلس الانتقالي – هيئة غير سياسية تشكلت عام 2017 – ترتسم خريطة أخرى لمستقبل الصراع، تحدده المحافظات النفطية مرةً ثانية.

5 دروس يجب أن تتعلمها السعودية من حرب اليمن

إلى أين وصل الصراع على الأراضي النفطية؟

نجحت السعودية في أكتوبر (تشرين الاول) العام الماضي في التوصل إلى «اتفاق جدة» بين الحكومة اليمنية الشرعية والمجلس الانتقالي، يقضي بتقاسم الجانبين السلطة وإعادة الحكومة لعدن، وانسحاب الانفصاليين المدعومين إماراتيًا من كافة المحافظات التي سيطروا عليها وأبرزها (حضر موت، وشبوة).

وبالرغم من انسحاب الإمارات من عدن وتسليمها للسعودية، فإن أبوظبي ما زالت تسيطر بنسبة كبيرة على ستة جيوش في جنوب اليمن يقودها «جنرالات حرب» لديهم ولاء كبير للإمارات، ويعملون تحت قيادة القائد العام الإماراتي مباشرةً، أبرزها ميليشيات «قوات الحزام الأمني» في عدن، والنخبتان الحضرمية والشبوانية في كل من حضرموت وشبوة، وهي الميليشيات التي أسست ما يمكن اعتباره دولة موازية، لها أجهزتها الأمنية الخاصة بها، ولا تخضع للمساءلة أمام الحكومة اليمنية الشرعية.

تمسك أبوظبي بالسيطرة على المحافظات النفطية التي تحتوي على النسبة الأكبر من نفط اليمن، يهدد حاليًا بانهيار اتفاق جدة، خاصة أنّ التوترات المسلحة لم تنتهِ بين قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا، وبين قوات الحكومة اليمنية، وهو ما يهدد مشروع السلام في اليمن، ويُعيده إلى النقطة صفر.

أمّا في الشمال فتدور حاليًا المعركة الأهم والأعنف منذ عام 2015؛ فالحوثيون بعدما سيطروا على محافظة الجوف التي تطفو صحاريها على بحار ضخمةٍ من نفط اليمن والغاز، صوّبوا مدافعهم نحو محافظة مأرب التي لا يعني سقوطها سوى بدء الفصل الأخير في القصة.

تتضح تحركات الحوثيين العسكرية للاستيلاء على المحافظات النفطية التي ترتكز أراضيها على نفط اليمن في الرسالة التي بثّها عضو المجلس السياسي الأعلى للحوثيين محمد علي الحوثي لأنصاره: «نحن معنا نفط صخري في عمران، وفي بعض صعدة إلى الجوف إلى حجة، يقولون إن هناك نفطًا صخريًّا كثيرًا، يعني إذا وقفت الحرب معنا خيرات».

وطبقًا للإستراتيجية الاقتصادية للحرب، فسيناريو إسقاط مأرب لا يعني للحكومة اليمنية سوى أن يُصبح حسم الحرب حُلمًا صعب المنال؛ لأنها تُمثل حائط صد لمحافظات الجوف وصعدة وعُمران وصنعاء من جهة، بينما تشكل خطرًا وتهديدًا مُباشرًا على المحافظات النفطية المجاروة من الشرق (حضر موت، وشبوة) المتاخمتين لها.

النفط يرسم سيناريوهات المستقبل

سيناريو انتهاء الحرب لا يخلو من اعتبارات اقتصادية يرسمها النفط وحده؛ فالحوثيون الساعون للانفصال يضعون في مخططاتهم الاستئثار بمحافظة مأرب والجوف، اللتان تحويان أكبر خزان نفطي في جزيرة العرب لم يُستخرج بعد، بحسب تقديرات متفائلة، وهو يُنسف تحركات سعودية منذ الثمانينات لمنع التنقيب عن تلك المنطقة تحديدًا التي تحوي أغلبية شيعية.

النفط أيضًا كان المحرك الرئيس لدعوات انفصال الجنوب التاريخية، فمحافظتا شبوة وحضر موت اللتان تسيطران على 80% من النفط اليمني، كانتا دومًا الفتيل الذي دفع اليمن الجنوبي لطلب انفصاله عن الشمال الفقير المهدد بالجفاف، ويعوّل المجلس الانتقالي الداعي للانفصال على ورقة النفط في تغيير شكل الحياة في اليمن، في وقتٍ ترى فيه السعودية أنّها أكثر المتضررين من نهضة اليمن.

الوجه الآخر للوجود السعودي في اليمن يتمثل في الورقة الاقتصادية؛ فبخلاف المعارك التي شلّت كافة مناحي الحياة، قصفت السعودية المصانع، وعمدت قوى التحالف إلى إغراق السوق اليمني البعيد عن محاور القتال بالسلع الإماراتية، إضافة إلى الحصار المفروض على المنافذ الحدودية، والتحكم في خطوط الطيران والملاحة والموانئ، ومنع الحكومة من رفع إنتاجها النفطي، واسئتناف الكشف عن آبارٍ جديدة، وهو ما يعني أنّ السعودية لن تنسحب من الحرب إلا بترتيب أوراق الحكم في اليمن بما لا يسمح بالإضرار بمصالحها.

 

الأعنف منذ 2015.. لماذا ستحدد معركة الجوف المصير الأخير لليمن؟

المصادر

تحميل المزيد