في الوقت الذي تمر فيه المملكة العربية السعودية بمجموعة من المشاكل الاقتصادية الصعبة، والتي بدأت منذ منتصف 2014، عندما تراجعت أسعار النفط بأكثر من النصف، يتساءل البعض عن إمكانية إفلاس المملكة حال استمرت أسعار النفط في التراجع، خاصة أن مصادر دخل البلاد تعتمد بشكل أساسي على النفط، في الوقت الذي فشل فيه تمديد اتفاق خفض إنتاج النفط في إنعاش الأسعار، فهل يمكن أن تفلس السعودية قريبًا، أم أن هناك عوامل تجعل المملكة في مأمن على الأقل لبعض الوقت؟

في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 2016، قال نائب وزير الاقتصاد السعودي محمد التويجري، إن بلاده كانت عرضة للإفلاس خلال 3 سنوات، في حال لم تُتخذ إجراءات تقشف وخفض النفقات الجارية، إذ وصف إفلاس المملكة بالأمر الحتمي، حال استمر سعر برميل النفط عند 40 – 50 دولارًا، بدون اتخاذ إجراءات وقرارات اقتصادية لترشيد الإنفاق، جاء ذلك التصريح بعد أيام من إلغاء بدلات وعلاوات موظفي الدولة، وخفض رواتب الوزراء بنسبة 20%، ومكافآت أعضاء مجلس الشورى بنسبة 15% في محاولة لترشيد الإنفاق.

وأثارت تصريحات التويجري جدلًا واسعًا حينها، إلا أنه تراجع بعدها بأيام قائلاً: «خانني التعبير بكلمة قوية، ولكن هذا لا يعني أنه ليس لدينا مشكلة اقتصادية هيكلية أو لا نعمل بجد في الفترة المقبلة»، فيما فسر البعض هذه التصريحات بأنها للترويج للتقشف خاصة فيما يتعلق حينها بقرار إلغاء البدلات والمكافآت، ولكن عدول المملكة عن هذه القرار مؤخرًا يثير تساؤلًا آخر، وهو هل باتت المملكة لا تخاف من الإفلاس؟

في الواقع، منذ أن أعلنت السعودية في 25 أبريل (نيسان) 2016، عن رؤية اقتصادية لعام 2030، هدفها خفض اعتمادها على النفط الذي يشكل المصدر الرئيس للدخل، بات ينظر إلى الاقتصاد السعودي من خلال زوايا أخرى قادرة أن تكون مصدرًا أساسيًا لا يقل أهمية عن النفط، ويحاول «ساسة بوست» خلال هذه التقرير الوقوف على أهم هذه المصادر والتي تعتبر قادرة على حماية السعودية من الإفلاس قريبًا.

1- أرامكو

تعمل شركة أرامكو السعودية الحكومية التي تأممت عام 1988، بكل الأعمال المتعلقة بالنفط والغاز والبتروكيماويات، فيما تتضارب التقديرات الحديثة حول القيمة المالية للشركة، فالبعض يرى أنها تصل إلى 10 تريليونات دولار، وهو ما يساوي 35 مرة قيمة شركة إكسون موبيل أكبر شركة نفطية مطروحة للاكتتاب، و17 مرة قيمة شركة آبل التي تعتبر أكبر شركة يتم تداول أسهمها في البورصة.

ويعمل بالشركة أكثر من 61 ألف موظف ينتمون إلى 77 دولة، كما توجد شركات تابعة ومنتسبة لأرامكو داخل المملكة، وفي الصين ومصر واليابان والهند وهولندا وكوريا وسنغافورة والإمارات وبريطانيا وأمريكا، وفيما يخص الطاقة الإنتاجية للشركة، فلديها القدرة على رفع إنتاجها حتى 12 مليون برميل يوميًّا، فيما يقترب الإنتاج حاليًا من 10 ملايين برميل من النفط يوميًّا، وهو ما يمثل نحو 10% من العرض العالمي من النفط.

شركة أرامكو السعودية

وتصل احتياطيات النفط السعودية المؤكدة إلى 261 مليار برميل، كذلك تملك أرامكو أكبر احتياطيات النفط التقليدية في العالم، والمقدرة بنحو 265 مليار برميل، وإنتاجها أيضًا من بين الأرخص، بمعدّل أقل من 10 دولارات للبرميل، ومن المنتظر إدراج مزمع لأسهم الشركة في السوق العام المقبل، إذ من المتوقع أن يصبح هذا الإدراج أكبر طرح عام أولي في العالم ويمثل إحدى ركائز خطة الحكومة السعودية لتحقيق التحول في المملكة عبر جذب الاستثمار وتنويع موارد الاقتصاد وتقليص اعتماده على النفط.

2- السياحة الدينية

يقول عبد الله صادق دحلان، رجل الأعمال والاقتصادي، وعضو مجلس الشورى السعودي (سابقًا)، «إن البترول سينضب في يوم من الأيام، فهو دخل زائل، وإذا لم نفكر من اليوم في البدائل، فإن الأجيال القادمة ستواجه كارثة»، إذ يقول أنه في ظل التوقعات بأن يتجاوز عدد المسلمين في العالم الـ 2 مليار مسلم، من المتوقع أن يزداد الطلب على أداء الركن الخامس للإسلام وهو الحج، وتزداد أعداد الراغبين في أداء العمرة، حيث يتوقع بعض المحللين والباحثين، بأن يصل عدد المعتمرين والحجاج إلى سبعين مليون معتمر وحاج سنويًا في بحلول 2040، إذا سمحت الحكومة السعودية بمنح التأشيرة لكل من يرغب بالحج والعمرة»، ولكن هذا الأمر يتوقف على قدرة مكة المكرمة والمدينة المنورة على استقبال هذا العدد.

وفي ظل خطط المملكة لتنويع مصادر الدخل، تبرز السياحة الدينية بديلًا لإيراد النفط، وهو مصدر دخل مهم يحمي البلاد في المستقبل من شبح الإفلاس المخيف، ويؤكد مروان عباس شعبان رئيس اللجنة الوطنية للحج والعمرة وعضو مجلس إدارة الغرفة التجارية أن الخطة الاقتصادية «رؤية 2030»، تظهر أن عائدات الحج ستصل إلى 47 مليار ريال (حوالي 12.53 مليار دولار)، موضحًا أن أرقام النشاط الاقتصادي تختلف من عام لعام حسب عدد الحجاج والقدرة الشرائية عند الناس وحسب الجنسيات، فيما يتوقع نمو مواسم الحج المقبلة نتيجة اكتمال البنى التحتية لبعض المشاريع.

مدينة مكة المكرمة

وأضاف مروان أن التحليلات وفقًا لـ«رؤية المملكة 2030»، فإن عوائد الحج ستصل إلى 47 مليار ريال سعودي (حوالي 12.53 مليار دولار)، متوقعًا أن تظهر تباشيرها من 2020، ويوضح أن في مكة حاليًا طاقة استيعاب فندقية تبلغ 3 ملايين سرير، مشيرًا إلى أنه عند الانتهاء من تطوير المشاعر المقدسة… تستطيع المملكة أن تستوعب 3.7 مليون حاج عام 2020 و6.7 مليون بحلول عام 2042.

وقالت دراسة نشرتها جامعة «أم القرى» السعودية أن الحج يترك آثارًا كبيرة على صعيد الإنفاق الكلي، وذلك من خلال المداخيل التي تحصل عليها القطاعات العاملة في الحج من مؤسسات وشركات ونقل ومواصلات ومحلات تجارية.

وفي مقدمة القطاعات التي يؤثر فيها الحج قطاع العقارات؛ إذ تؤكد بعض الدراسات أن ما ينفق على الإسكان يستحوذ على 30-40% من إجمالي ميزانية الحاج، كما يترك الحج آثارًا اقتصادية على الاحتياطات الأجنبية للملكة؛ إذ إن قدوم الحجاج يُنشئ طلبًا ملحوظًا على الريال السعودي؛ لتغطية نفقات الحج، وهذا يشكل موردًا هامًا للدولة من العملات الأجنبية، لا سيما الرئيسة منها.

ويضاف إلى ذلك حجم الإنفاق على الأضاحي، والذي يقدر بأكثر من 4 مليارات ريال سعودي، مقابل التضحية بأكثر من 5 ملايين رأس من المواشي، مما دفع الحكومة السعودية لاستغلال ذلك اقتصاديًا عن طريق مشروع خاص للإفادة من الهدي والأضاحي، يقوم البنك الإسلامي للتنمية بإدارته وتنفيذه بتكليف من الحكومة السعودية، ويتمثل في مصنعين لاستخلاص مادة الجيلاتين الحلال المستخدمة في صناعة الكبسولات الطبية، وتبلغ الطاقة الإنتاجية للمصنع 900 طن سنويًا.

3- الأصول الأجنبية

قال تقرير حديث صادر عن البنك الأهلي بالسعودية، إن احتياطات المملكة من الأصول الأجنبية أعلى من كافة النسب المطلوبة، وأن صافي الأصول الأجنبية يغطي نحو 30 شهرًا، بعد تقييم كفاية الأصول الخارجية الصافية للسعودية، إذ بين التقرير أن توافر الاحتياطات في شكل أصول أجنبية صافية، يمثل مصدرًا كبيرًا لدعم سيولة الاقتصاد في ظل الظروف غير المواتية، وأن المستوى الأمثل للاحتياطات يعتمد على النضج الاقتصادي، والمعاملات المالية الدولية، وحجم النظام المصرفي ودرجة انفتاح حساب رأس المال.

وبلغت الأصول الاحتياطية السعودية في الخارج، 1.876 تريليون ريال خلال شهر أبريل (نيسان) الماضي، مقارنة بـ 1.907 تريليون ريال بنهاية مارس (آذار)، الذي يسبقه، وذلك حسبما كشفت بيانات مؤسسة النقد العربي السعودي «ساما»، إذ بلغت الاستثمارات في أوراق مالية في الخارج نحو 1.272 تريليون ريال، حيث استحوذت على 67.8% من الأصول الاحتياطية الأجنبية للسعودية.

الدولار الأمريكي

ورغم أن السعودية فقدت، نحو 30% من الأصول الاحتياطية الأجنبية منذ بدء تراجعات النفط في منتصف 2014، إلا أنه تظل قيمة ما تبقى من احتياطيات عند مستويات مريحة، كونها تكفي لتمويل واردات البلاد لنحو ثلاث سنوات، فيما تعد السعودية ثالث أكثر دولة في العالم من حيث حيازة النقد الأجنبي، والتي تصدرتها الصين ثم اليابان، وفقا لبيانات «هافر أناليتكس» في رصد احتياطيات الدول.

وكان وزير المالية السعودي محمد الجدعان، ذكر بنهاية أبريل (نيسان) الماضي، أن المملكة تملك أصول نقد أجنبي لدى البنك المركزي تعادل 84% من الناتج المحلي الإجمالي، -وهي ثالث أكبر نسبة من حيث الناتج المحلي الإجمالي عالميًا-، مضيفًا أن الأصول الحكومية العامة للمملكة تتجاوز الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 100%، وهي نسبة مطمئنة إلى حدٍ كبير وتؤكد أن إفلاس المملكة ما زال بعيدًا.

4- الصناديق السيادية

تعتمد رؤية ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، على أن صندوق الاستثمارات العامة سيتحول إلى صندوق سيادي سيرفع استثماراته إلى ما يتجاوز التريليوني دولار، كما ينوي زيادة حصة استثماراته الخارجية من 5%، إلى 50%، من إجمالي قيمة الصندوق بحلول عام 2020، وهو ما سيمثل حجم أكبر ثلاثة صناديق سيادية في العالم مجتمعة.

ويقول مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية في السعودية (حكومي)، أن الصندوق يهدف ليكون محركًا للاقتصاد ولتعزيز استثماراته حتى يصبح أكبر صندوق ثروة سيادية في العالم، إذ تسعى الدولة إلى رفع أصول الصندوق وإطلاق قطاعات جديدة من خلاله، إلى جانب توطين التقنيات والمعرفة في المملكة، وبناء شراكات اقتصادية استراتيجية.

الريال السعودي

وكشف تقرير صادر عن (SWF Institute)، المتخصصة في دراسة استثمارات الحكومات والصناديق السيادية، عن أن أصول صندوق الاستثمارات العامة حاليا تبلغ 183 مليار دولار، يحتل بها المرتبة الـ 13 عالميًا بين أكبر صناديق الثروة السيادية، فيما دخل الصندوق، منذ الإعلان عن الرؤية السعودية 2030 العام الماضي، في العديد من الاستثمارات معظمها بقطاع التقنية أبرزها «سوفت بنك» و«أوبر» لنقل الركاب.

ومن المخطط أن يعمل الصندوق السيادي، على زيادة إيرادات السعودية من الأصول المملوكة وزيادة الإيرادات النفطية، بالإضافة لوضع المملكة على خارطة الاستثمارات العالمية، من خلال جذب الاستثمار الأجنبي المباشر، بينما سيسهم على الصعيد المحلي في زيادة القيمة المتحققة من قطاع التعدين وتوطين الصناعات الواعدة والعسكرية، ورفع نسبة المحتوى المحلي في القطاعات غير النفطية، إلى جانب زيادة مساهمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد، الأمر الذي يجعل الصندوق السيادي بمثابة صمام أمان يحمي البلاد من تقلبات النفط المستقبلية.

5- الثروة المعدنية

تعتبر الثروة المعدنية الموجودة بالسعودية من الكنوز المدفونة والتي من الممكن أن تكون قاطرة لاقتصاد البلاد، إذ تقدر الموارد المعدنية الموجودة بالمملكة بنحو 20 مليون طن من الذهب والمعادن النفيسة، و60 مليون طن من النحاس، بالإضافة للكثير من المناطق غير المستكشفة، ويشير الخبراء إلى أن السعودية مقبلة على ثروة معدنية من المتوقع أن تكون عمودًا أساسيًّا لاقتصاد البلاد.

ويعمل هذا القطاع من خلال شركة «معادن» وهي شركة مساهمة سعودية لها شخصية معنوية وذمة مالية مستقلة برأس مال قدره أربعة مليار ريال سعودي، ويتركز اهتمامها على تشغيل خمسة مناجم للذهب، وتقوم بتوسيع نشاطها ليشمل تطوير الفوسفات ومشروع الألمنيوم، ووفقًا للبيانات الصادرة عن الشركة فإنها تحقق نموًا كبيرًا في الإيرادات في السنوات الأخيرة.

شركة معادن السعودية

ومؤخرًا أبرمت الشركة الوطنية السعودية لصناعة السيارات اتفاقية تعاون مع «معادن» وذلك للعمل على زيادة محتوى معدن الألمونيوم في السيارات المنتجة، ليشكل بديلًا استراتيجيًّا للحديد، إذ تدير الشركة أحد أكبر مجمعات الألمنيوم تكاملا وأكثرها كفاءة على مستوى العالم، وعلى الجانب الآخر تعمل الشركة على تطوير المشروع الثالث لتصنيع الأسمدة الفوسفاتية، حيث من المتوقع أن يتم تنفيذ المشروع على مراحل إلى أن يصل إلى طاقته الإنتاجية المقدرة بـ 3 مليون طن سنويًا عند اكتماله المتوقع في العام 2024، كما تقدر تكلفة المشروع بما يقارب 24 مليار ريال، فيما تشير المعطيات السابقة إلى أن قطاع التعدين بالمملكة واعد ويمكن أن يجنب البلاد صدمات اقتصادية خارجية في المستقبل.

المصادر

تحميل المزيد