825

أعلنت السلطات السعودية في وقت متأخر من مساء أول أمس الجمعة قيام جهاز أمن الدولة السعودي الذي تم إنشاؤه بأمرٍ ملكي في يوليو (تموز) الماضي بالقبض على سبعة ناشطين سعوديين وُجِهت لهم تهم قاسية، على رأسها: «التجاوز على الثوابت الدينية والوطنية، والتواصل المشبوه مع جهات خارجية فيما يدعم أنشطتهم، وتجنيد أشخاص يعملون بمواقع حكومية حساسة، وتقديم الدعم المالي للعناصر المعادية في الخارج بهدف النيل من أمن واستقرار السعودية وسِلْمها الاجتماعي، والمساس باللحمة الوطنية التي أكدت المادة الثانية عشرة من النظام الأساسي للحكم وجوب تعزيزها وحمايتها من الفتنة والانقسام».
وشملت قائمة المعتقلين كلًا من الناشطات في مجال حقوق المرأة: لجين الهذلول، والأستاذة الجامعية المتقاعدة، عزيزة محمد اليوسف، والأكاديمية بجامعة الملك سعود، إيمان النفجان، بالإضافة إلى المحامي الحقوقي دكتور إبراهيم المديميغ – الذي سبق وأن دافع عن لجين الهذلول إبان توقيفها وسجنها في عام 2014 – ود. عبد العزيز المشعل، والناشط في مجال مناصرة القضية الفلسطينية، والمعادي للتطبيع مع دولة الاحتلال، محمد الربيعة، علاوة على معتقل سابع قالت السلطات السعودية أن التحقيقات تتطلب عدم الإفصاح عن هويته.

صورة يتم تداولها عبر حسابات إخبارية سعودية رسمية – مصدر الصورة: موقع التواصل الاجتماعي

اقرأ أيضًا: خطة السعودية للإصلاح: قمع الإصلاحيين والليبراليين

وبالتزامن مع انتشار خبر القبض على هذه المجموعة من الحقوقيين والنشطاء، ضجت مواقع التواصل الاجتماعي السعودية، بمنشورات وتغريدات وتصاميم، تتهم المعتقلين بالخيانة ووصمتهم بأنهم «عملاء السفارات»، في إشارة إلى ما ذكره بيان رئاسة أمن الدولة من تواصل هذه المجموعة المشبوهة مع جهات خارجية (لم تُحدد).

ولي العهد يريد الكعكعة كاملة.. وتمكين المرأة مجرد «شو»!

سنعود ببساطة إلى الإسلام المعتدل المفتوح على العالم وجميع الأديان. إن 70% من السعوديين أصغر من 30 عامًا، وبصراحة لن نضيع 30 عامًا من حياتنا في مكافحة الأفكار المتطرفة، بل سنقوم بتدميرها الآن، وعلى الفور. *ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

منذ أن اعتلى كرسي ولاية العهد في العام الماضي بعد الإطاحة بسلفه الأمير محمد بن نايف، دأب محمد بن سلمان على الحديث عن خطوات إصلاحية كبرى، تُعيد المملكة إلى مضمار الحداثة والانفتاح على العالم وتقبل الآخر، لكن هذه الأحاديث الإصلاحية التي رافقتها بالفعل بعض القرارات التي كانت تبدو بعيدة المنال، مثل السماح للمرأة بقيادة السيارة، وإنشاء هيئة للترفيه في المملكة والسماح بإقامة حفلات غنائية وافتتاح دور عرض سينمائي في بلاد الحرمين الشريفين، تزامنت مع حملات اعتقال كبرى، طالت إصلاحيين وتنويريين وليبراليين ونشطاء في مجال حقوق المرأة بوجة خاص، وحقوق الإنسان بوجهٍ عام، قبل أن تمتد لتشمل أمراء من الأسرة المالكة ورجال أعمال، بالإضافة إلى المنع من السفر، والمنع من الظهور في الإعلام، ووقف البرامج التلفزيونية أيضًا، مثلما حدث مؤخرًا مع الداعية الإسلامي عدنان إبراهيم.

ابنة الرئيس الأمريكي إيفانكا ترامب

وبسؤال صحافية وباحثة سعودية – اشترطت عدم ذكر اسمها – عن السبب وراء هذه الاعتقالات،خاصةً وأن المعتقلين من الداعين إلى الإصلاح، وسبق وأن أثنوا على القرارات الملكية الإصلاحية المتعلقة بتمكين المرأة، وطالبوا ولي العهد بإصدار أوامر أكثر جرأة فيما يتعلق بقانون إسقاط الولاية وباقي الملفات العالقة، قالت الباحثة لـ«ساسة بوست»: «لا فيه تمكين للمرأة ولا يحزنون، القرارات الإصلاحية والخطوات التي ترون أنها جريئة؛ مجرد «شو» من أجل إيفانكا ترامب لا أكثر، واعتقال هذه المجموعة الحقوقية بالذات، يعود إلى قُربها من وسائل الإعلام الغربي، وقدرتها على تسريب ما يحدث في الحقيقة على أرض الواقع دون تجميل، وبعيدًا عن التصريحات البراقة التي يُدلي بها الأمير الشاب».

وتستطرد الباحثة قائلة، «وبالرغم من قرار السماح للمرأة بالقيادة، فهم لم ينسوا لـلجين الهذلول ما فعلته قبل ثلاثة أعوام تقريبا، لما طلعت من الحدود الإماراتية لتدخل المملكة بسيارتها، الجوازات الإماراتية تركتها لأن كل شيء كان نظاميًا، السيارة باسمها ومعها رخصة قيادة، لكن ربعنا وقفوها، لُجين كانت تصور وترفع على «تويتر»؛ العالم كله وأنا أعني استخدام كلمة (العالم) غطى ما حدث، قبل أن يتحفظوا عليها ويسجنوها، كانت فضيحة بجلاجل حرفيًا، مثلما يقول المصريون».

وتقف الباحثة السعودية قائلة: «كذا الأمر مع إيمان النفجان، فهي نشيطة في الحملات الداعية لتمكين المرأة، وتكتب في الجرائد الأجنبية، إلى جانب مدونتها الشخصية، وأحد المؤسسين لحملة 26 أكتوبر التي دعت لرفع الحظر عن قيادة المرأة للسيارة، أما عزيزة اليوسف، فهي ناشطة في كل ما يخص المرأة وحقوقها، وتسعى بشدة لإسقاط قانون الولاية»، وأردفت: «إبراهيم المديمغ كان عضوًا في لجنة الخبراء بمجلس الوزراء، وهو شخص وطني حتى النخاع، لكنه محامي لجين وإيمان وداعم بشدة لحقوق المرأة»،  وتوضح كذلك أن محمد فهد الربيعة محسوب على التيار العروبي القومي، وأنه مناصر للقضية الفلسطينية، وتربطه علاقة وثيقة بأولاد الناشطة عزيزة اليوسف؛ مما قد يوضح ملابسات اعتقاله، بحسبها.

وترى الباحثة أن حملة الاعتقالات الأخيرة، تحمل «رسالة ترهيب وتسكيت لأي صوت لا زال يتكلم»، إذ أن الحكومة -بحسبها- اعتقلت هذه المجموعة، دون أن تعير أي اهتمام لقربهم هؤلاء من الإعلام الغربي، أو حتى صفتهم الحقوقية، وجاءت قائمة الاتهامات، متضمنة تهم قاسية، من بينها تواصل مشبوه مع جهات أجنبية والتعدي على أمن واستقرار المملكة، لتمنع أي تدخل أو وساطة أجنبية حقيقية، بعيدًا عن بيانات الشجب والإدانة التي لا تُسمن أو تُغني من جوع، مؤكدة على أنه لم يسبق وتم اتهام أي حقوقي أو ناشط بالخيانة بشكل رسمي من قِبل الحكومة في السابق، وأن هذا الاتهام أمر جلل، وستتبعه – بحسب اعتقادها – عواقب وخيمة على المعتقلين.

اقرأ أيضًا: عام استثنائي في تاريخ المملكة.. دليلك لفهم كل التحولات السعودية في 2017

السماح للمرأة السعودية بقيادة السيارة

وبسؤال الصحافية «أ.م» عن كم التأييد الذي ضجت به مواقع التواصل الاجتماعي بعد حملة الاعتقالات الأخيرة، قالت: «حملة الاعتقالات هذي بالنسبة للخارج، قد تكون فضيحة عالمية، لأنها تمس حقوقيين، ومنشغلين بتمكين المرأة، لكن ولي العهد – من وجهة نظري – يهمه الداخل أكثر. يعني الشعب السعودي وخاصة الإسلاميين منهم، لا يحبون تودد البعض للإعلام الغربي، وقد يقبلون على مضض بعض القرارات الإصلاحية إن جاءت من فوق، أعني من ولاة الأمر، لكن أن يدّعي البعض ممن يراهم عامة الشعب دعاة تحرر وانقلاب على القيم السعودية المحافظة، أن هذه القرارات جاءت بفضل نضالهم ورضوخا لمطالبهم، فهذا أمر غير مقبول ومستهجن.

ثم أردفت قائلة: «ولي العهد ذكي، ويعرف ذلك، ويعرف كيف يكسب أرضًا جديدة كل يوم ويرفع من شعبيته، فأتت حملة الاعتقالات التي طالت ليبراليين، لتُخبر عامة الشعب أن القرارات الإصلاحية، جاءت من«فوق»، بفضل الفكر المنفتح الذي يتبناه الأمير، وتحقيقًا لوعوده الإصلاحية ورؤية 2030، وليست وقوفًا على رغبة هؤلاء الحقوقيين الذين يستقوون بعلاقتهم بالخارج، لذا وجدتم هذا التأييد الكبير لها في مختلف وسائل الإعلام ومن كافة الطوائف».

اقرأ أيضًا: ابن سلمان لـ«ذي أتلانتك»: سنصالح قطر ومن حق الإسرائيليين العيش على أراضيهم (حوار)

فيما رأت صحيفة «صنداي تايمز»، أن السبب وراء هذه الاعتقالات، التي جاءت قبل أسابيع من بدء السماح للنساء بقيادة السيارة، في 24 يونيو (حزيران) القادم، يعود إلى رغبة ولي العهد في اعتلاء المشهد بمفرده، وعدم مزاحمة هؤلاء النشطاء له وتلقي الثناء أو الإشادة، إذ أشارت الصحيفة بحسب مصادرها إلى أنه في  اليوم الذي أُعلن فيه العام الماضي، أن النساء سيكون بإمكانهن قيادة السيارات واستخراج رخُص قيادة على حدٍ سواء مع الرجال؛ تلقت العديد من الناشطات اتصالات هاتفية من السلطات، أمرتهن بعدم التحدث إلى وسائل الإعلام أو النشر على وسائل التواصل الاجتماعي، ونسب فضل تلك الخطوة التي سبق وأن طالبوا بها واعتقلوا بسببها، لأنفسهن.

اقرأ أيضًا: رغم هزائمه الخارجية.. هل ترتفع شعبية ابن سلمان في الداخل السعودي؟

ما بين حملات التشويه وإغلاق الحسابات.. «تويتر» في قبضة الحكومة السعودية

استنكرت «منظمة العفو الدولية» في بيانها، حملات التشهير والتشويه التي طالت مجموعة المعتقلين الستة الذين أُلقي القبض عليهم ، وانتشار تصميمات تتهم المعتقلين بالخيانة والتعاون مع جهات أجنبية، دون صدور حكم نهائي يؤكد ذلك، مؤكدة على أن أساليب الترهيب السافرة هذه، غير مبررة على الإطلاق.

صورة من العنوان الرئيسي لإحدى الصحف السعودية – مصدر الصورة: موقع التواصل الاجتماعي تويتر

وقالت سماح حديد، مديرة حملات الشرق الأوسط في المنظمة: إن ادّعاء ولي العهد السعودي أنه إصلاحي، يتنافى مع حملة الاعتقالات التي طالت حقوقيين جاهدوا من أجل السماح للمرأة بقيادة السيارة، وطالبوا بالمساواة عن طريق الحراك السلمي، مطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن المعتقلين الستة، وكافة معتقلي الرأي الذين يقبعون خلف القضبان بسبب عملهم في مجال حقوق الإنسان.

في حين تداول رواد موقع التواصل الاجتماعي، المؤيدين لحملة الاعتقالات، صورا مأخوذة من بعض الحسابات السعودية التي تدعم المطالب النسائية وحقوق المرأة، وقد أُغلقت، مدعين أن أصحاب هذه الحسابات التي يُعتقد أنها وهمية، قد لاذوا بالفرار.

وبسؤال ناشط سعودي – طلب عدم ذكر اسمه – أكد أن هذه الحسابات قد أُغلقت عن طريق إدارة «تويتر»، ولم يقم أصحابها بإغلاقها كما يدّعي البعض، إذ إن رسالة «يصعب الوصول لهذا المعرف» أو «خطأ في التحميل» وغياب التغريدات القديمة، والمتابعين، كما حدث مع حساب «العنود التميمي» يؤكد ذلك، على عكس الرسالة التي تظهر عند إغلاق صاحب الحساب لحسابه بنفسه، كما هو الحال مع حساب الممثل فهد البتيري زوج المعتقلة لجين الهذلول.

الأمر الذي يؤكد – بحسب الناشط السعودي – سيطرة جهاز أمن الدولة السعودي على «تويتر»، سيطرة تامة منذ عام 2017، عن طريق الاستيلاء على حسابات ذات عدد كبير من المتابعين، ومسح التغريدات والمتابعين بمساعدة إدراة الموقع (حدث هذا الأمر مرة في عام 2015، مع حساب «مجتهد»، المعارض السعودي مجهول الهوية)، وإنشاء وسوم سطحية، لا تمس الواقع، أو الأحوال في المملكة، وملأها بتغريدات عن طريق حسابات تابعة لهم لرفع هذه الوسوم وإغراق تويتر بها، من أجل التشويش على أية وسوم حقيقية تمس مشكلة يُطلقها المعارضون.

وذكر الناشط السعودي لـ «ساسة بوست»، عن واقعة اختفاء وسم «#أوقفوا_تبذير_آل_الشيخ_لأموال_الشعب»، والذي أطلقه المعارض السعودي المقيم بالخارج عمر عبدالعزيز، وكأنه لم يكن، وأن تطبيق تويتر أصبح «مختطفًا» من بعد انتباه الحكومة لمدى قوته.