في يناير (كانون الثاني) 2013، قال تقرير أعدّه معهد الملك عبد الله للبحوث والدراسات الاستشارية في جامعة الملك سعود، إن السعودية ثالث أقل دول العالم في نسبة الدَّين العام للناتج المحلي الإجمالي، وفي نهاية 2014، واصل حجم الدين العام السعودي تراجعه ليصل إلى نحو 11.8 مليار دولار، وكان هذا الرقم يعادل حينها 1.6% من إجمالي الناتج المحلي للمملكة، لكن لم يكن يدري أحد أن رحلة الهبوط تلك لن تستمر كثيرًا، فمنذ منتصف 2014 بدأت ملامح كل ما هو اقتصادي في المملكة يتغير، وذلك مع بداية رحلة هبوط أسعار النفط.

كيف تضاعفت ديون السعودية نحو 10 مرات في عامين ونصف؟

سجلت الديون السعودية قفزات متتالية خلال الأشهر الماضية، إذ تضاعفت نسبة الديون لإجمالي الناتج المحلي للمملكة بنحو عشرة مرات خلال عامين ونصف، فمن 1.6% في نهاية 2014، إلى 15.5% بنهاية النصف الأول من العام الجاري انطلقت رحلة الصعود. في 2015، ارتفعت الديون إلى 37.9 مليار دولار لتعادل 5.9% من إجمالي الناتج المحلي للمملكة، وفي 2016 وصل الدين العام إلى 84.4 مليار دولار بواقع 12.3% من الناتج المحلي، ليرتفع حجم الدين السعودي إلى 15.5% من الناتج بالأسعار الجارية، البالغ 2.4 تريليون ريال.

وبالرغم من أن السعودية نجحت، خلال النصف الأول من العام الجاري، في سداد أصل دين بقيمة 443 مليون ريال، إضافة إلى إطفاء سندات حكومية بقيمة 8.5 مليار ريال، بإجمالي يقارب تسعة مليارات ريال، إلا أن ذلك لم يمنع صعود الديون بنسبة 11%، بقيمة 33.5 مليار ريال خلال الربع الثاني من العام الجاري، مقارنة بالربع الأول من العام ذاته، ليبلغ 341.4 مليار ريال، مقابل 307.9 مليار ريال بنهاية الربع الأول.

وتشكل الديون المحلية نحو 60% من الدين السعودي بنهاية الربع الثاني 2017، بقيمة 204.5 مليار ريال، فيما يمثل الدين الخارجي 40%، بقيمة 136.9 مليار ريال، وذلك بحسب تحليل صادر عن وحدة البحوث الاقتصادية بصحيفة «الاقتصادية» السعودية، إذ ذكر أن السعودية مازالت رابع أقل دول العالم في نسبة الدين للناتج المحلي الإجمالي، خلف كل من: الجزائر «8.7 %»، ونيجيريا «10.5%»، والكويت «10.6%»، فيما تخطط السعودية ألا يتجاوز دينها العام 30% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2020.

وكانت المملكة قد نجحت في الحصول على تمويل من الأسواق العالمية والمحلية خلال عامي 2016 و2017، وذلك من خلال إصدار سندات وصكوك دولية، فيما تم تغطية إصدارين من الصكوك المحلية ثلاث مرات، ووصلت قيمة التمويل إلى 166.9 مليار ريال، بما يعادل 44.5 مليار دولار من الأسواق العالمية والمحلية خلال العام الجاري والعام الماضي، وبلغت قيمة إصدار الصكوك المحلية الأول (17 مليار ريال) والثاني (13 مليار ريال)، فيما أعلنت وزارة المالية السعودية – مؤخرًا – أنها انتهت من استقبال طلبات المستثمرين على إصدارها المحلي الثاني تحت برنامج صكوك الحكومة السعودية بالريال السعودي، تم تحديده بمبلغ إجمالي قدره 13 مليار ريال.

واقترضت السعودية للمرة الأولى عشرة مليارات دولار كقرض دولي، إضافة إلى إصدار سندات دولية مقومة بالدولار الأمريكي في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وفي مايو (أيار) الماضي قال وزير المالية السعودي، محمد الجدعان: إن من المرجح أن تلجأ الحكومة السعودية إلى أسواق السندات الدولية والمحلية مجددا هذا العام، وذلك بناء على الطلب على إصداراتها من أدوات الدين والتسعير الذي تحصل عليه.

لماذا تشكل الديون خطورة كبيرة على السعودية؟

مقارنة بمعدلات الديون العالمية تبدو ديون السعودية غير مقلقة، بل ربما تكون عند مستويات آمنه جدًا، ولكن هناك عدة أسباب تجعل ديون المملكة تشكل خطورة كبيرة على الاقتصاد في ظل التوسع الكبير في اللجوء إلى أدوات الدين، وتتمثل هذه الأسباب في:

تراجع الاحتياطيات

كشفت بيانات مؤسسة النقد العربي السعودي (البنك المركزي) مؤخرًا عن أن الاحتياطيات الأجنبية للمملكة انخفضت في يوليو (تموز) الماضي، إلى 487 مليار دولار، مسجله أدنى مستوياتها منذ أوائل 2011، وهو ما يعني تراجع الاحتياطيات، بواقع 250 مليار دولار، عن مستواها القياسي البالغ 737 مليار دولار المسجل في أغسطس (آب) 2014.

ويشار إلى أن حساب الاحتياطي العام للدولة يحوّل إليه ما يتحقق من فائض في إيرادات الميزانية، ولا يجوز السحب منه إلا بمرسوم ملكي في حالات الضرورة القصوى المتعلقة بالمصالح العليا للدولة، وبحسب الجدعان، فإنه من المفترض تمويل عجز الموازنة من ثلاثة موارد، هي أدوات الدين الدولية والمحلية، والسحب من الاحتياطيات المالية لدى الحكومة، وسيكون استخدام الاحتياطيات هو الملاذ الأخير.

وتكمن المشكلة هنا في أنه بالرغم من التوسع الكبير في الاقتراض من الداخل والخارج، لا يزال تراجع الاحتياطي مستمر وبقوة، وهو ما يشكل خطورة كبيرة على اقتصاد البلاد، وبالرغم من ضخامة حجم الاحتياطي، إلا أنه من المفترض أن يكون الاقتراض بديلًا للسحب من الاحتياطي، لكن الذهاب بعيدًا في نفس المسارين، يشير إلى مخاطر تآكل الاحتياطي حال استمر السحب والاستدانة بنفس الوتيرة المتسارعة.

انكماش الاقتصاد

على الجانب الأخر، أظهرت بيانات رسمية انكماش الناتج المحلي الإجمالي للسعودية على أساس سنوي في الربع الأول من هذا العام، وذلك للمرة الأولى منذ الأزمة المالية العالمية، إذ انخفض الناتج المحلي المعدل في ضوء التضخم 0.5% على أساس سنوي في الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى مارس (آذار)، مسجلًا أول هبوط منذ عام 2009.

وقاد القطاع النفطي انكماش الاقتصاد السعودي في الربع الأول من هذا العام بأكثر من 2%، وهو ما يرجع بالدرجة الأولى إلى تخفيض السعودية إنتاجها النفطي بموجب اتفاق أوبك لخفض الإنتاج، بالإضافة إلى ذلك، انكمش أيضًا القطاع الحكومي غير النفطي للسعودية خلال الربع الأول بنسبة 0.1%، بينما سجل الناتج المحلي غير النفطي للسعودية بالأسعار الثابتة نموًا بنسبة 0.6% مدعومًا بنمو القطاع الخاص غير النفطي، والذي نما في نفس الربع بنسبة 0.9%، وعلى مستوى العام ككل يتوقع صندوق النقد الدولي نمو الاقتصاد السعودي بنسبة 0.4% خلال 2017 قبل أن يعاود الارتفاع إلى 1.3% خلال 2018.

وفي ظل هذه الأرقام الضعيفة يصبح الاقتراض خطير جدًا بالنسبة لاقتصاد لا ينمو بل ينكمش، وهو ما يشير إلى أن هذه الديون تستخدم في الإنفاق العام، وليس في التنمية، وهو ما يجعل مخاطر الديون متفاقمة.

هبوط النفط

لا شك أن النفط بحكم أنه صاحب نصيب الأسد في إيرادات المملكة، يعد أساس التوازن المالي في البلاد، فارتفاع سعره ينعش اقتصاد البلاد والانخفاض يقود الأسواق إلى الركود، ومع آمال محمد بن سلمان بعودة قوية لاقتصاد البلاد، تصطدم هذا الآمال بأسعار غير مستقرة، بفعل مخاوف المستثمرين بشأن تخمة المعروض في الأسواق العالمية، وتوقعات باستمرار فترة عدم الاستقرار تلك لمدة طويلة.

عمومًا يبقى الخطر الأكبر، وهو أن أسعار النفط قد تهوي مجددًا عن مستويات الـ 50 دولارًا المستقرة عليها الآن، وهو يعد طعنة لخطط المملكة التي تسعى للتنوع الاقتصادي، وكذلك يعني أن المملكة ستكون مضطرة للاعتماد لمدة طويلة على الاقتراض، وهو ما سيجعل الديون تشكل جزء كبيرًا من الاقتصاد السعودي الذي يفقد أغلب إيراداته بسبب هبوط النفط.

ضبابية مستقبل رؤية 2030

تكاد تكون كل الآمال في الاقتصاد السعودي مرتبطة الآن برؤية 2030، فنجاح خطة ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، يعني نجاح اقتصاد المملكة في تخطي الصعاب، وفشل الخطة يعني أن السعودية ستقع في دوامة الاقتراض، في ظل الهبوط المستمر لأسعار النفط، وفق لتقرير نشره موقع «ميدل إيست آي»، فإن تسعه من هذه الخطط العشرة التي تعتمد عليها الرؤية فشلت على نحوٍ بائس في تحقيق هدف التنوع، وما زالت المملكة تحتاج إلى تشييد بنيةٍ تحتية حقيقية بخلاف تلك الموجودة في بعض صناعات البتروكيماويات الأساسية، ومصانع معالجة الأغذية والبلاستيك.

وأضاف التقرير أنه ما زالت نتائج الخطة التنموية العاشرة الأخيرة «برنامج التحوّل الوطني» قيد الانتظار، وهي تُمثّل استراتيجية الحكومة السعودية طويلة الأجل لتنويع الموارد الاقتصادية، وذلك بعيدًا عن ساسة الخصخصة التي يرى التقرير أنه ينبغي أن تحظى مثل هذه الخطط بموافقةٍ شعبية، إذ إنَّ هذه مسؤولية هذه القرارات لا ينبغي أن يتحملها أي شخصٍ بمفرده، بمن فيهم الملك وابنه.

والأهم من ذلك هو أن رؤية 2030 تُفيد بأنَّ الأموال الناتجة عن بيع الأصول العامة سيُعاد استثمارها لتحقيق «عوائد مرتفعة»، إلا أن الخبراء الماليين المخضرمين يحذرون دائمًا من أنَّ البرامج الاستثمارية التي يمكن أن تحقق عوائد مالية مرتفعة تكون محفوفة بالمخاطر، لأنَّها غالبًا تكون عرضةً لتذبذبات حركة السوق الحادة وتقلبات قيم السلع، كما أن تاريخ المملكة في مثل هذه الاستثمارات غير جيد.

إلى أي مدى يمكن أن تصل ديون السعودية؟

في الواقع يمكن أن يتضاعف الدين العام السعودي خلال السنوات القادمة بسهولة، وذلك في حال فرضنا بقاء المعطيات السابقة على حالها، بمعنى أنه في حال واصلت أسعار النفط تراجعها، واستمر الاقتصاد في دوامة الانكماش، وهو ما يعني أن الديون ستكون المصدر الأول لتمويل العجز.

وكانت وزارة المالية السعودية أعلنت في 13 أغسطس (آب) الجاري، تسجيل عجز قيمته 72.7 مليار ريال (19.4 مليار دولار)، في ميزانيتها للنصف الأول من العام الجاري، فيما بلغت إيرادات النصف الأول 307.9 مليارات ريال (82.1 مليار دولار)، وتراجعت المصروفات بنسبة 2%، إلى 380.7 مليار ريال (101.5 مليار دولار)، نتيجة إجراءات التقشف.

الوزير كان قد ذكر في وقت سابق أن الحكومة السعودية تتجه لخفض العجز في موازنتها إلى نحو 200 مليار ريال (53.3 مليار دولار) هذا العام، وهو العجز المتوقع في الخطة الأصلية لموازنة 2017، من 297 مليار ريال في العام الماضي (79.2 مليار دولار)، ولكن على كل لا تكمن الأزمة دائمًا في قيمة العجز، ولكن كيفية علاج العجز، وعلى ما يبدو فإن خيار الاقتراض هو الأوفر حظًا حتى الآن، ما يعني أن قيمة الديون الحالية ربما ستتضاعف في وقت قصير لعلاج العجز.

لكن على ما يبدو ستلجأ السعودية لمنع تفاقم الديون من خلال الاعتماد على الخصخصة، فمن بين 16 قطاعًا تتجه المملكة لدخولهم في خطط الخصخصة بشكلٍ جزئيّ أو كليّ بحلول عام 2020، إذ من المتوقع أن يشهد العام الجاري بيع مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث، بالإضافة إلى دراسة إمكانية خصخصة كافة المستشفيات العامة ونحو 200 ألف صيدلية، ناهيك عن بيع حصة بأرامكو مطلع العام القادم، لكن يبقى السؤال: هل ستستخدم المملكة ما ستجنيه من الخصخصة في سد العجز أم أن لديها خطط أخرى؟

اقرأ أيضًا:

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد