يحكم الآن الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز أكبر بلد مصدر للنفط بالعالم، بلد هذا المنتج الذي يمكنه أن يهز الاقتصاد العالمي، تؤثر سياسته الخارجية تأثيرًا كبيرًا على أمن الدول الغربية وخاصة أمريكا، وأيضًا تؤثر عليه تحديات كثيرة، في كلٍّ من اليمن وسوريا والعراق وإيران.

فبعد أيام من مبايعته، أصدر الملك السعودي سبعة وثلاثين أمرًا ملكيًا، شملت تعديلات وزارية أساسية وتغييرات جذرية في مفاصل الدولة السعودية، كان من أهمها تشكيل مجلس للشؤون السياسية والأمنية يرأسه محمد بن نايف، ولي العهد ووزير الداخلية، هذه التعديلات اعتبرها المراقبون جذرية بدرجة كافية لتُعد انقلابًا على سياسات العاهل الراحل عبد الله بن عبد العزيز.

  كل الشواهد توحي بأن المملكة العربية السعودية في عهد ملكها الجديد سلمان صارت على أعتاب عهد مغاير فيما يخص سياستها الخارجية وتحالفاتها الإقليمية، فذلك ما أدركه المحللون العرب والأجانب منذ اليوم الأول لتسلم الملك الجديد مقاليد السلطة. “ساسة بوست” تتساءل في هذا التقرير عن هذا التغير في السياسة الخارجية على الدول الأهم علاقة مع السعودية.

الغرب والولايات المتحدة الأمريكية

بين معتدل ومصلح ومتشدد، انحصرت آراء الغربيين بالملك سلمان، بعضها أكد أن السعودية ستواصل سياساتها نفسها مع الولايات المتحدة ودول الغرب والعالم، وأخرى قالت أن الملك سلمان غير مفضل لدى الغرب.

واحدة من أبرز التحليلات الإعلامية الغربية التي اعتبرت الملك سلمان داعمًا لما أسمته “الإرهاب”، نشرتها مجلة فورين بوليسي الأمريكية  لـ”ديفيد أندرو واينبرغ”، ذكرت فيه أن الملك الجديد لديه علاقات مثيرة للقلق مع من وصفهم بـ”الإسلاميين المتطرفين”، وذكرت الصحيفة أن “سلمان كان المسؤول الرئيس في النظام عن جمع التبرعات لـ”المجاهدين” في أفغانستان خلال الثمانينات، وكذلك لمسلمي البوسنة خلال صراعات البلقان في التسعينات.

وتابعت الصحيفة: “عندما كان حاكمًا للرياض لفترة طويلة، غالبًا ما وُكِل إلى سلمان الحفاظ على النظام والتوافق بين أفراد أسرته. لذلك تطلع إليه أخوه غير الشقيق الملك خالد (الذي حكم ما بين 1975 إلى 1982) في وقت مبكر من النزاع الأفغاني من أجل استخدام هذه العلاقات العائلية لأهداف دولية، ومن ثمَّ عَيّن سلمان لإدارة لجنة جمع التبرعات لحشد الدعم من العائلة المالكة والسعوديين الآخرين للمجاهدين ضد السوفييت”.

كما نشرت راشيل برونسون تفاصيل أكثر في كتابها “أكثر سمكًا من النفط”، حول مساعدة سلمان أيضًا في تجنيد مقاتلين لعبد الرسول سياف، المقاتل السلفي الأفغاني الذي كان مرشدًا لكل من أسامة بن لادن والعقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر خالد شيخ محمد.

وأشارت المجلة أيضًا إلى دوره في البوسنة، حيث عينه أخوه الشقيق، وحليفه السياسي الوثيق، الملك فهد لتوجيه المفوضية العليا السعودية لإغاثة البوسنة والهرسك عند تأسيسها في عام 1992، والتي من خلالها جمع سلمان التبرعات من العائلة الملكية لإغاثة البلقان، وأشرف على اللجنة حتى إغلاقها مؤخرًا في عام 2011. وبحلول عام 2001، كانت المنظمة جمعت قرابة 600 مليون دولار؛ تحت مسمى الإغاثة والأغراض الدينية.

وختمت المجلة بالقول إن سجل سلمان في دعم واحتضان من وصفتهم بـ”المتطرفين” يحتاج إلى أن يكون جزءًا من الحوار الذي يخوضه المسؤولون الغربيون حول كيفية التعامل مع النظام السعودي الجديد.

على النقيض، نشرت مقالا للكاتب جيمس روبين قال فيه أن السعودية تلعب دورًا حاسمًا في محاربة من سماهم المتطرفين الإسلاميين الذين سبق لهم أن هاجموا الولايات المتحدة وأوروبا، وأن الملك سلمان سيتبع خطى أخيه الملك عبد الله في هذا الشأن، مضيفًا أن للسياسة السعودية تأثيرًا كبيرًا على أمن الدول الغربية، وأن السعودية تفعل ما هو ضروري لأمن المنطقة والعالم على النطاق الأوسع.

وربما لأن علاقة المملكة تختلف لحد واضح مع أمريكا عن باقي الغرب، حيث تقوم على أساس التعاون العسكري في مواجهة الأعداء المشتركين بين السعودية والولايات المتحدة، تتمتع قوات الحرس الوطني باهتمام كبير من قبل المؤسسات الدفاعية الأمريكية على قدم المساواة مع الجيش السعودي. وهذا يحيل إلى أهمية قراءة الرؤية الأمريكية في خريطة القوة والنفوذ السعودية وموقع كل طرف منها.

 فمع إعلان سلمان ملكًا على البلاد، تلقى معسكر الملك عبد الله وأولهم الأمريكان ضربة ألحقته بمركز الوصيف في هذه اللعبة. ومع أن هذه القرارات قد يصنفها البعض على أنها أكثر من تحمل المملكة في هذه المرحلة العصيبة التي باتت فيها مهددة من اتجاهات إستراتيجية ثلاثة، إلا أنها تنطوي على تفهم وقبول بقواعد اللعبة المحددة أمريكيًا، والقاضية بعدم الإضرار أو المساس بالحرس الوطني أو زعامة متعب له. ففيما يتعلق بموقع محمد بن نايف كرئيس للجنة الشؤون السياسية والأمنية، فإن دوره في رئاسة اللجنة وكذلك وجوده في سلم العرش السعودي يؤهلانه للعب دور وساطة محوري بين الطرفين، حسب ما تقتضيه الحاجة على الأرض وحسب الرغبة الأمريكية والغربية إن أرادوا. ومن المرجح أن تدعم الولايات المتحدة تحديدًا وجود بن نايف في هذا الموقع بل والحصول له على تأييد متعب بعد إقناعه بمحورية الدور الذي يلعبه في الحرس الوطني.

الإمارات ومصر

تعيش الإمارات “حالة غضب” من ملك السعودية الجديد، ويجمع المحللون أن الأمور سارت في الرياض بعكس ما خطط له محمد بن زايد وأجهزة استخباراته، حيث شكل تعيين محمد بن نايف وليًا لولي العهد، ضربة بالعمق للقيادة الإماراتية، وذلك كون نايف المعروف بدهائه ليس بالخصم السهل لمحمد بن زايد. حيث كان الشيخ محمد بن زايد حليفًا قويًا للأمير متعب بن عبد الله، والأمير بندر بن سلطان، وكلاهما خرج خاسرًا بعد التغييرات التي شهدتها الرياض.

كما شكلت إقالة رئيس الديوان الملكي السابق خالد التويجري ضربة قوية للإمارات، ورفضت السلطات السعودية مؤخرًا وساطة بحرينية لنقل التويجري إلى الإمارات وأبدت انزعاجها من الطلب الذي اعتبرته تدخلاً في الشأن السعودي، وهو ما عبر عنه الكاتب البريطاني ديفيد هيرست في مقال له بعنوان (انقلاب في السعودية): “أطاحت التعيينات برجل بن زايد والسيسي خالد التويجري الذي كان لاعبًا رئيسيًا فيما وصفه بـالمؤامرات الخارجية سواء في إفساد الثورة المصرية وكذلك تمويل تنظيم “الدولة الإسلامية” في سوريا في مراحله الأولى خلال الحرب الأهلية، جنبا إلى جنب مع حليفه السابق الأمير بندر بن سلطان”.

بل إن مصادر  أكدت أن كل ما نشر طيلة الفترة الماضية حول مرض الملك أو “خرفه” أو إصابته بـ”الزهايمر” لم تكن سوى “شائعات مغرضة” كان الغرض منها الإساءة للأمير سلمان.

مع مصر، ورغم تأكيد بعض المحللين على أن العلاقات المصرية السعودية في ظل الملك الجديد سلمان بن عبدالعزيز، ستسير كما جرت على نهج سابقيه من الملوك السعوديين، مستشهدًا بمقولة الملك سعود “إن مصر إذا نكست رأسها، لا يمكن لأحد أن يرفع رأسه بعد ذلك”، إلا أن الغالبية تقرأ في مواقف الملك سلمان غير ذلك. فمباشرة بعد مبايعة الملك سلمان ألمحت مصادر إعلامية مصرية مقربة من المؤسسة العسكرية إلى عدم الارتياح لوصول الملك سلمان إلى الحكم في السعودية، خاصة أن الأمير سلمان في ذلك الوقت – وقت أن كان وزيرًا للدفاع – قال: “السعودية مع الحاكم الشرعي في مصر أيًا كان”.

وأضاف في تصريحاته التي جاءت بتاريخ أبريل 2013: “أن السعودية تساند الحاكم الشرعي في مصر أيا كان، ويجب إعطاء الرئيس محمد مرسي فرصة كاملة في الحكم”.

ويمكننا القول حسب المحللين أن الدعم السعودي لمصر عقب الثلاثين من يونيو، وتوجه المملكة المعادي للإخوان والمضاد للرغبة الأميركية، كان يستند بشكل رئيسي على شخص الملك عبد الله، والجناح المناهض للسديريين الذين ينتمي لهم الملك سلمان ووليُّ وليِّ العهد الأمير محمد بن نايف، ومعظم المسؤولين البارزين في المنظومة السعودية الجديدة في مناصب الدفاع والداخلية والاستخبارات حتى شهور قليلة مضت، حتى أن صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية تساءلت هل سيقف دعم السعودية لمصر وتصطدم طموحات السيسي بسياسة “سلمان”؟ وذكرت الصحيفة على لسان تسفي برئيل – محلل الشؤون العربية – أن المخاوف من توقُّف المساعدات السعودية ليست الوحيدة التي تواجه السيسي، بل أيضًا إمكانية أن تصطدم طموحاته في إعادة مصر للقيادة في المنطقة بسياسة الملك السعودي الجديد، مضيفا: “من غير المعروف إذا ما كان الملك الجديد سيوافق سياساته مع مصر، مثلما اعتاد سلفه، أم أنه سيعلِّم السيسي درسًا في الزعامة؟”.

تركيا قطر الإخوان

تقارب محتمل مع كل من تركيا وقطر والإخوان من قبل الملك سلمان واستعادة الدور التقليدي الذي طالما قامت به السعودية للتوسط بين فتح وحماس على سبيل المثال.

حين كان وليًا للعهد ووزير الدفاع، تولى الملك سلمان بن عبد العزيز ملف العلاقة مع أنقرة، وكانت زيارته لأنقرة في مايو (أيار) عام 2013 هي من أسست القاعدة الصلبة للعلاقات بين البلدين، إذ وقع آنذاك اتفاقية للتعاون الصناعي -الدفاعي بين البلدين، وكان من المفترض تطوير هذا التعاون خصوصًا في شكله العسكري، إلا أن شعرة معاوية انقطعت حين أطاح وزير الدفاع المصري – آنذاك – عبد الفتاح السيسي بحكم الرئيس محمد مرسي بدعم السعودية والإمارات.

ويقول المحللون أن التطورات التي شهدتها السعودية مؤخرًا تدفع باتجاه التفاؤل بحدوث تغييرات في السياسة الخارجية السعودية وفتح صفحة جديدة في العلاقات التركية السعودية، خاصة أن تلك  التطورات أثارت حفيظة ولي عهد الإمارات محمد بن زايد الذي من المؤكد أنه سيسعى لعرقلة هذا التوجه الجديد، كما أنه سعى لإفساد علاقات المملكة مع قطر وتركيا.

وبعد وفاة الملك عبد الله سارع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للعزاء برحيل الملك عبدالله بن عبدالعزيز، ولم يمضِ أسبوع على زيارة الرئيس التركي إلى السعودية معزيًا، حتى أرسلت تركيا السفينة الحربية الوطنية بويوكادا (F-512) إلى ميناء جدة البحري في إطار مناورات عسكرية مع دول البحر الأحمر والبداية في السعودية، وقالت مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية، أنه يبدو أن الملك سلمان يضع العلاقات مع أنقرة على رأس أولوياته، خاصة أنها مؤثرة في العديد من القضايا المهمة للمملكة في العراق وسوريا وما يتعلق بتنظيم داعش.

 ويقول المحلل السياسي، جمال خاشقجي – المقرب من دوائر صنع القرار السياسي في السعودية – في مقال “لكل زمان دولة ورجال.. وسياسة خارجية”: “نحتاج إلى غرفة عمليات مشتركة سعودية – أميركية – تركية وظيفتها إطفاء الحرائق والمصالحة وكل ما سبق”. ويمكن الاعتماد على هذا المقال ليس من الناحية التحليلية فقط، وإنما من الناحية المزاجية للقيادة السعودية الجديدة، أما الكاتب إسماعيل ياشا فيؤكد أن التغييرات في السعودية ستكون لصالح المملكة العربية السعودية ولصالح تركيا؛ بل لصالح المنطقة بأكملها، وهناك مصالح ووجهات نظر مشتركة بين البلدين ويمكن أن يكمل بعضهما بعضًا الدور في كثير من القضايا، إلا أنها بحاجة إلى موقف صارم يحفظها من مؤامرات اللوبي الإماراتي، الذي من المؤكد أنه سيسعى لعرقلة هذا التوجه الجديد كما أنه سعى لإفساد علاقات المملكة مع قطر وتركيا.

أما فيما يتعلق بمستقبل العلاقة مع قطر، فقد ظل الملك سلمان باستمرار يحتفظ بعلاقة وطيدة بالشيخ تميم بن حمد أمير قطر، وبناء عليه يمكن القول بأن التهديد الذي صدر عن المملكة العربية السعودية في العام الماضي بفرض حصار على جارتها الصغيرة أو بطردها من مجلس التعاون الخليجي يبدو الآن كما لو كان مجرد ذكرى سيئة، وتعد المصالحة المصرية ـ القطرية واحدة من أهم القضايا التي تخص العلاقة بين البلدين، فبعد تلك المصالحة التي كان من أبرز نتائجها وقف بث قناة “الجزيرة مباشر مصر”، بدأت قناة “الجزيرة مباشر” في تغير لهجتها بعد أن وصفت التظاهرات التي خرجت في أنحاء مصر قبل أيام؛ بأنها تظاهرات ضد “الانقلاب العسكري”، فيما اعتبره مراقبون عودة لسياسة القناة المعارضة للنظام الحالي في مصر.
ويعقب الكاتب الصحفي عبد الباري عطوان بالقول أن المصالحة المصرية القطرية ربما تكون قد ماتت بموت الملك عبدالله بن عبدالعزيز مؤكدًا على أن الملك سلمان يعطي المصالحة بين مصر وقطر جل اهتمامه في الوقت الراهن، وتابع القول: “من الطبيعي أن لا تكون المصالحة على سلم أولوياته، فهو منشغل حاليا في ترتيب البيت السعودي الداخلي، وتثبيت رجاله في مفاصل السلطة الرئيسية، وإبعاد من يشك في ولائهم، ووضع بصماته بقوة على تركيبة الحكم، وسياسات المملكة الداخلية والخارجية، ولذلك لا نستبعد توترًا في العلاقات بين النظامين المصري والقطري في الأيام والأسابيع المقبلة”.

أما عن العلاقة مع الإخوان، تحدث مراقبون عن إمكانية تغيير في سياسة المملكة العربية السعودية تجاه جماعة الإخوان المسلمين، بعد أن صنفتها المملكة في قوائم الإرهاب لديها العام الماضي. فيتوقع المحللون أن  يطرأ تغيير على السياسة السعودية التي تعتبر جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية. فقد استقبل سلمان بنفسه الشيخ راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة الذي جاء معزيًا بوفاة الملك الراحل. وكان الغنوشي هو الشخصية الإسلامية الأرفع مستوى التي يرحب بها في المملكة العربية السعودية. ولعل إقالة سليمان أبا الخيل، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، الذي كان العدو اللدود لجماعة الإخوان المسلمين؛ تنضوي على مؤشر آخر إلى أن السياسة تجاه الجماعة توشك أن تتغير.

اليمن

تختلف سياسة الرياض مع اليمن عن بقية المنطقة، هذا اليمن الذي يواجه الآن خطر التفكك بعد صعود حركة الحوثيين المتحالفة تحالفا إستراتيجيا مع إيران، ترى فيه السعودية خطًا أحمر بالنسبة لها، ولكن ما يربط المملكة في سياستها مع اليمن هو اتكالها على الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة التحديات باليمن.

يقول الكاتب اليمني عبد الله أبو الغيث أن المملكة في عهد الملك سلمان سترمي بكل ثقلها من أجل إعادة ترتيب أوراق اللعبة في اليمن، وسترسل رسائل واضحة وصريحة وصارمة لمختلف أطراف الصراع، سيذهب أهمها للرئيس السابق صالح بصفة خاصة، تحدد من خلالها الخطوط الحمراء التي يتوجب التوقف عندها.

بينما توقعت وكالة “رويترز” أن يكون الملك “سلمان” أقل تشددًا تجاه حزب التجمع اليمني للإصلاح (الإخوان المسلمون في اليمن)، مقارنة بسياسة المملكة السابقة التي قطعت علاقاتها القديمة معهم، ورجحت أن تعيد المملكة اتصالاتها بالحزب في ظل تنامي التهديد الحوثي – الإيراني.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد