في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قال الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي ولي العهد السعودي، حينذاك، إن دول مجلس التعاون الخليجي أمامها فرصة كتكتل لتكون أكبر سادس اقتصاد في العالم إذا عملت بالشكل الصحيح في الأعوام القادمة، مشددًا على أن هناك الكثير من الفرص يستطيع الخليج أن يغتنمها لضمان الازدهار الاقتصادي والنمو وضمان الأمن الاقتصادي، بل إنه حدد حزمة من الخطوات التي يجب اتخاذها في هذا الشأن.

في ذلك الوقت ربما لم يكن أحد يتخيل أن محمد بن سلمان سيصبح خلال أشهر قليلة من أكثر الأشخاص تأثيرًا في البوصلة الاقتصادية في المنطقة، إذ أصبح الملكَ المنتظر للمملكة العربية السعودية، وصاحب القرار الاقتصادي الأول والأخير بالبلاد، بل وربما القرار السياسي كذلك، وهو ما يجعله أحد الأسباب التي يمكن أن تؤثر في اقتصاد المنطقة سواء سلبًا أو إيجابًا.

ويعتبر الأمير بن سلمان مهندس سياسة التقشف القاسية، التي باتت واقعًا لا مفر منه في المنطقة، إذ يهدف على مستوى المملكة إلى تخفيضات في الإنفاق وزيادات في الضرائب، بحلول 2020، وذلك لمحو عجز في الميزانية بلغت قيمته الإجمالية 79 مليار دولار في 2016، وهذه السياسة ربما تكون جديدة نوعًا ما على المنطقة الغنية بالنفط، ورغم أن الكثيرين يرون أن التقشف أمر لا مفر منه في عصر انخفاض أسعار النفط، إلا أن أسلوب محمد بن سلمان في التقشف جريء بعض الشيء ولم يعتد عليه الخليج من قبل.

ربما تتساءل عن تأثير سياسة محمد بن سلمان التي يتبعها في الدخل السعودي على دول الخليج بشكلٍ عام، وهنا يمكن أن نناقش هذا التأثير على قسمين؛ الأول: مباشر، وهو يعتبر شقًا سياسيًا ولكن له تأثيرًا اقتصاديًا واضحًا، والثاني: غير مباشر، وهو شق اقتصادي بحت، وينتج عن آثار السياسة الاقتصادية لابن سلمان.

الرغبة في الهيمنة السياسية تنذر بكوارث اقتصادية

يعتقد مدحت نافع، الأكاديمي المصري، وعضو اتحاد البورصات العالمية، أن رؤية محمد بن سلمان الاقتصادية تكاد تتماهى مع رؤية المملكة 2030، والتي يبدو فيها اهتمام أكبر بتنويع مصادر الدخل والاهتمام بتوفير فرص عمل للشباب، وهي لفتة ذكية من شاب يدرك غلبة تلك الفئة العمرية على الهرم السكاني السعودي، وارتفاع معدلات البطالة بينهم بصورة غير مسبوقة، في وقت تواجه فيه المملكة تحديات تراجع أسعار النفط، وتعدد بدائله واستنفاد جانب كبير منه في الاستهلاك المحلي لتكنولوچيا تحلية المياه، بحسب نافع.

وخلال حديثه لـ«ساسة بوست» أكد نافع أنه يرى أن التحدي الأكبر يكمن في رغبة ولي العهد في تحقيق قدر كبير من الهيمنة السياسية والعسكرية في منطقة لا يملك مقومات السيطرة عليها، وربما قاده طموحه إلى صدام مبكّر مع إيران وتركيا واحتمال إشعال الاضطراب في الشرق السعودي الشيعي، وهي أمور كلها تعود بكوارث اقتصادية لا قبل للخليج بها.

على الجانب الآخر، يرتبط الملف اليمني بشكل أو بآخر بولي العهد السعودي، إذ يعد هو أول الملفات المعنية والمتعلقة بسيرة الأمير الذي قاد تحالفًا عسكريًا مؤلفًا من دول عدة، لشن حرب غيرت وجه اليمن، وكذلك المملكة إذ أنتجت هذه الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين، وضعًا مرتبطًا بشكل كبير بقرارات وتصورات المملكة التي تقود التحالف، ممثلة بمحمد بن سلمان، الذي يشغل أيضًا منصب وزير الدفاع.

ارتباط حرب اليمن بمحمد بن سلمان لا يتوقف على المنظور العسكري، بل إن تداعياته على الوضع الإنساني والاقتصادي والصحي، سواء بالمملكة أو اليمن يجعل منه في نظر البعض مشروع محطة فشل كارثية في سيرة الأمير، وربما تكون صنعت فكرة عند كثيرين أن بن سلمان رجل يتخذ قرارات «متسرعة»، وهو الأمر الذي يجعل من هذه التجربة مصدر قلق للاقتصاد الخليجي.

وبعيدًا عن اليمن فإن الملف القطري يعد الشرخ السياسي والاقتصادي الأكبر في تاريخ الخليج، ومحمد بن سلمان يعد ضلعًا فاعلًا في هذه الأزمة التي كانت لها نتائج كبيرة على اقتصاد الدول المشاركة في الأزمة.

تعرف على الخسائر الاقتصادية من الأزمة الخليجية:

أوراق محمد بن سلمان الاقتصادية

يرى أحمد ذكر الله، رئيس قسم الاقتصاد في الجامعة العالمية للتجديد بتركيا، أن محمد بن سلمان على المستوى الاقتصادي لا يملك الكثير من الأوراق، إذ إن الاقتصاد السعودي الريعي يئن تحت وطأة انخفاض أسعار البترول والانكماش الحاد الذي يعانيه السوق الداخلي نتيجة التقشف في الإنفاق الحكومي، الذي يعتبر المستهلك الأكبر على مستوى المملكة.

ويقول ذكر الله خلال حديثه لـ«ساسة بوست» إن المعاناة الاقتصادية ستتزايد لا سيما في ظل استمرار سياسة البذخ والإسراف الذي تعيشه الأسرة الحاكمة ونلاحظ في هذا الإطار الإسراف اللا معقول في زيارات الملك سلمان للخارج واصطحابه عددًا مهولًا من المرافقين والأثاث والمتعة والسيارات وغيرها، بحسب ذكر الله.

وتابع: «هذا بالإضافة إلى استمرار النزيف الاقتصادي في حرب اليمن، والتي لا نعرف الجهة التي تحاربها السعودية فيها، فالكل يمول الكل ويحارب الكل، والعامل الأهم هو استمرار تراجع البترول على المدى المتوسط والقريب، فالتقارير الدولية تشير إلى ترجيح تراجع أسعار البترول خلال الفترة المقبلة، إذ ذهبت بعض التقديرات إلى تراجع سعر البرميل إلى حدود 33 دولارًا فقط وهو ما سيشكل ضربة قاصمة لاقتصاديات دول الخليج بصفة عامة».

ويقول ذكر الله إنه يمكن القول إن حدود تحركات بن سلمان محددة بإطار زمني لن يتخطى عامًا على الأكثر وبعده ستمنعه الأزمة الاقتصادية الداخلية، وذلك في ظل انقسام اقتصادات المنطقة إلى دول مانحة وكلها تعاني نفس الأزمة ودول مستقبلة.

وشدد الخبير الاقتصادي على أن الدول المستقبلة أوضاعها الداخلية مزرية والتمويل – إن وجد – فسيتوجه لمشروعات سياسية أكثر منها اقتصادية، ولنا في مشروعات تنمية سيناء عبرة؛ فالمشروعات لا علاقة لها بالتنمية لا بمفهومها الشامل ولا حتى على المستوى الجزئي، وإنما تستهدف موقفًا يعد له منذ فترة والتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير جزء منه، ونلاحظ في ذلك أيضًا الموافقة مؤخرًا على طريق جديد لصحراء النقب وهو ما يؤكد المنحى السياسي للمشروعات وغياب الرؤى التنموية، بحسب ذكر الله.

ويختتم ذكر الله حديثه قائلًا إن المشروع السعودي الإماراتي للمنطقة والمبارك إسرائيليًا وأمريكيًا وغربيًا، بحسبه، ينقض على الأوضاع الاقتصادية للدول المانحة والمستقبلة على السواء وهوامش الأرباح محدودة للغاية في ظل الديكتاتورية التي تحكم الجميع.

الخصخصة نقطة تحول في اقتصاد الخليج

تعد سياسة الخصخصة أمرًا حديثًا، سيقوم الأمير محمد لأول مرة بالعمل عليه بقوة في بلاده، وهو ما يشير إلى أن البلدان المجاورة ستكسر حاجز الخوف من هذا الجانب، خاصةً أن برنامج بن سلمان للخصخصة بقيمة 200 مليار دولار واستثمار حكومي للمساعدة في تدشين صناعات جديدة مثل بناء السفن وأجزاء السيارات والسياحة، ورغم أنها خطوة جديدة نحو التنوع الاقتصادي، إلا أنها كذلك خطوة جريئة جدًا ومحفوفة بالمخاطر.

ويتوقع بعض المسؤولين التنفيذيين أن السير نحو تنفيذ تلك الخطط، التي ما زالت إلى حد كبير خططًا على الورق بعد عام من إعلان الأمير محمد عنها، سيتسارع بعد ترقيته.

ويقول خبير اقتصادي أجنبي يقدم المشورة للحكومة السعودية، بحسب رويترز، إن «الكثير من الإصلاحات هي في الاسم فقط – لا شيء يحدث، إنهم يجدون مشقة في التفاصيل»، فعلى سبيل المثال، يصطدم تطوير قطاع الترفيه بمجتمع محافظ يرفض حتى الآن العديد من أشكال الترفيه العام، وهو الأمر الذي يعرِّض جزءًا كبيرًا من خطط ولي العهد للفشل.

طرح أرامكو.. بوصلة التغير الأكثر حرجًا

يتخوف الكثير من السعوديين سواء مواطنون أو اقتصاديون من قرار بن سلمان بطرح الشركة النفطية الكبرى «أرامكو» للبيع، مشبهين هذا القرار بمقامرة، قد تربح فيها السعودية الكثير أو تخسر الكثير، وبلا شك نجاح المملكة في هذه الخطوة سيعود بنتائج إيجابية على المنطقة بشكلٍ عام، أما الفشل في هذه الخطوة فسيمثل كارثة كبيرة للمملكة، وسيلقي بظلاله على المنطقة.

وعملية الاكتتاب العام لأرامكو تواجه تأخيرات بسبب تعقيدها، على الرغم من أن المسؤولين السعوديين يقولون إنها ستحدث في 2018 كما كان مقررًا، وتهدف عملية الطرح في البورصات العالمية إلى تزويد صندوق الثروة السيادية في البلاد بالموارد اللازمة للاستثمار في الخارج.

وعلى الرغم من اتفاق أوبك لخفض الإنتاج إلا أن سعر خام القياس العالمي مزيج برنت تراجع إلى نحو 48 دولارًا للبرميل وهو مستوى غير بعيد عما كان عليه الخام عندما توصلت الرياض للاتفاق في أواخر العام الماضي، وهو ما يعني أن السعودية ستواجه متاعب في تقييم أرامكو بقيمة مقبولة، في وقت أظهرت بيانات رسمية انكماش الناتج المحلي الإجمالي للسعودية على أساس سنوي في الربع الأول من هذا العام للمرة الأولى منذ الأزمة المالية العالمية.

المصادر

تحميل المزيد