يمكن الجزم بأن أوضح نتيجة خلص إليها علم الاقتصاد، هي أن دور الأنظمة الاقتصادية في أي مكان، تلبية حاجات الإنسان؛ لأن هذه الحاجات ملازمة لوجوده، ولا تزول إلا بزواله، ودور النظام الاقتصادي يقوم في الأساس على توفير الأوعية الممكنة والمتاحة لتلبية حاجات الإنسان المختلفة، وإعطاء الأولوية لبعضها وفقًا لمستوى رغبته أو إمكاناته، إلا أنه على مستوى الدول دائمًا ما تنجم مشكلة اقتصادية عن عملية الاختيار والمفاضلة؛ نظرًا لتعدد الحاجات واستمرارها من جهة، والإمكانات المحدودة من جهة أخرى.

على كلٍّ تتحقق المعادلة عندما يتم الاستفادة من ثروات الوطن دون تبديدها؛ بل وتنمية هذه الثروات والعمل على تعظيمها، حتى يتسنى للأجيال القادمة الاستفادة من هذه الخيرات والثروات، وهذا الأمر يتطلب وعيًا عميقًا من الإدارة الاقتصادية بطرق المحافظة على ثروات الوطن، وهذا الوعي يترجم إلى خطوات تنفيذية وعملية، توائم بين متطلبات الإنسان الطبيعية للحاجات، ومقتضيات الاقتصاد الوطني. ومن هذا المنطلق سنناقش خلال هذا التقرير مطابقة مشروعين من أكبر المشاريع الاقتصادية في المنطقة مع مبدأ إشباع الحاجة، ومدى نجاح أو فشل النظام الاقتصادي في عملية الاختيار والمفاضلة لعلاج الأزمات الاقتصادية بالبلاد من خلال مشروعي: العاصمة الإدارية الجديدة في مصر، ومدينة «نيوم» في السعودية، وفي البداية سنتعرف إلى المشروعين.

«نيوم».. مدينة أحلام «محمد بن سلمان»

أول مدينة رأسمالية في العالم.. هذا هو الشيء الفريد الذي سيحدث ثورة، هذا مكان للحالمين الذين يريدون خلق شيء جديد في هذا العالم.

هكذا قال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، متحدثًا عن المدينة العملاقة «نيوم» البالغة قيمتها 500 مليار دولار التي تخطط السعودية لإنشائها، وهي مشروع طموح، يعد ضمن أحلام الأمير الشاب، إذ يشتمل على أراضٍ داخل الحدود المصرية والأردنية، وله وجهة حيوية جديدة، وتسعى السعودية لتصبح «نيوم» محورًا يجمع أفضل العقول والشركات معًا لـ«تخطي حدود الابتكار».

ويأتي اسم المدينة نيوم (Neom) مشتقًا من كلمة (Neo) بمعنى «جديد»، وحرف الميم أول حرف من كلمة «مستقبل» باللغة العربية، ومن المفترض أن يوفر المشروع العديد من فرص التطوير بمساحة إجمالية تصل إلى 26,500 كم مربع، إذ يتمتع هذا المشروع بعدد من المزايا الفريدة، سواء القرب من الأسواق ومسارات التجارة العالمية، إذ يمر بالبحر الأحمر حوالي 10% من حركة التجارة العالمية، كما يمكن لـ70% من سكان العالم الوصول للموقع خلال ثماني ساعات كحد أقصى، ناهيك عن المناخ الجيد والتضاريس المتنوعة.

وأنشأت السعودية هيئةً خاصة للإشراف على المشروع برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، وتم تعيين الدكتور كلاوس كلينفيلد لمنصب الرئيس التنفيذي لـ«نيوم»، وهو الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس الإدارة السابق لشركتي ألكوا، ووأركونيك. وبحسب ما أعلنت المملكة، فإن هدف المشروع بشكل أساسي هو معالجة مسألة التسرب الاقتصادي في السعودية، إلى جانب تطوير قطاعات اقتصادية رئيسية للمستقبل، من خلال قطاعات (الطاقة والمياه– التنقل- التقنيات الحيوية– الغذاء– العلوم التقنية والرقمية– التصنيع المتطور– الإعلام والإنتاج الإعلامي– الترفيه).

ويسعى، الأمير محمد لإدراج المدينة في الأسواق المالية، لتكون الحلقة الأحدث والأكثر استثنائية في سلسلة من برامج الخصخصة بقيادة الطرح الأولي لأرامكو، ويؤكد خلال حواره مع «رويترز»: «بلا شك سيتم طرح نيوم في الأسواق في نهاية المطاف،أول منطقة تطرح في الأسواق العامة، يبدو الأمر كما لو أنك تطرح مدينة نيويورك في الأسواق»، مضيفًا: «لن تدرج في الأسواق حتى تختمر الفكرة بشكل كافٍ، قد يكون (الإدراج) بعد 2030، وقد يكون قبل ذلك، لكن الفكرة والاستراتيجية أن يتم طرحها (نيوم) في نهاية المطاف».

من أين سيأتي تمويل «نيوم»؟

بحسب صندوق الاستثمارات العامة السعودي، فإن مدينة نيوم ستكون مملوكة للصندوق بالكامل لحين إدراجها، وستجذب استثمارات من شركات في قطاعات الطاقة المتجددة، والتكنولوجيا الحيوية، والصناعات المتقدمة، والترفيه. ويهدف الصندوق لزيادة الأصول التي يديرها إلى 1.5 تريليون ريال (400 مليار دولار) بحلول عام 2020، إذ يدير حاليًا أصولًا بقيمة نحو 230 مليار دولار، ومن المتوقع أن يتلقى الصندوق عائدات من البيع المزمع لحصة نسبتها 5% في شركة النفط الحكومية أرامكو السعودية.

وبالطبع لا تكفي الأموال الموجودة حاليًا في الصندوق لتمويل المشروع، لذلك نجد أن المملكة تدرس بيع حصة كبيرة في شركة الكهرباء إلى صندوق رؤية سوفت بنك، لكن مع احتفاظ الحكومة السعودية بحصة مسيطرة، إذ إن صندوق الاستثمارات العامة يملك 74% في السعودية للكهرباء، وتقدر أصول الشركة بواقع 100 مليار دولار، وتدرس الحكومة السعودية خصخصة الشركة منذ سنوات ،ولم يتضح مدى تأثير الصفقة المحتملة في تلك الخطط.

اقرأ أيضًا:

ومؤخرًا، قال ياسر الرميان مدير صندوق الاستثمارات العامة السعودي، إن الصندوق سيكون متحفظًا في الاقتراض عندما يدخل أسواق السندات الدولية للحصول على تمويل لتوسيع أنشطته، وهو ما يشير إلى أن الممكلة ستلجأ للاقتراض أيضًا لتمويل «نيوم»، بخلاف استثمارات الأجانب المنتظرة.

على كلٍّ، ستحتاج السعودية إلى موارد مالية وفنية ضخمة لإقامة نيوم على النطاق الذي تطمح إليه، وتشير خبرات سابقة إلى أن هذا قد يكون صعبًا، بينما ترى مؤسسة «كابيتال إيكونومكس» أن السعودية على وشك تكرار أخطاء الماضي، معتبرة أن المشروع سوف يجد صعوبةً في تحقيق أهدافه.

العاصمة الإدارية الجديدة.. إنفاق ضخم وجدوى غائبة

وبالانتقال إلى المشروع العملاق الثاني الذي بدأنا نرى جزءًا من ثمارة مؤخرًا، وهو مشروع العاصمة الإدارية الجديدة في مصر، وهو أحد المشاريع التي تم الإعلان عنها في مؤتمر دعم الاقتصاد المصري الذي استضافته مدينة شرم الشيخ في الفترة ما بين 13 – 15 مارس (آذار) 2015، وكان هدف المشروع بناء عاصمة إدارية للبلاد في غضون 5 – 7 سنوات، بتكلفة إجمالية تصل إلى 45 مليار دولار أمريكي، تبلغ مساحة العاصمة الجديدة 700 كيلومتر مربع تقريبًا، وهي تعادل مساحة سنغافورة، ووفقًا لأهداف الحكومة فإنها ستضم حديقة كبيرة على مساحة 8 كيلومترات مربعة أي أكبر بمرتين ونصف من الحديقة المركزية في نيويورك.

ومن المقرر أن تضم العاصمة الجديدة قصر الرئاسة، ومقر البرلمان، ومقر مجلس الوزراء، والوزارات، والسفارات والقنصليات الدولية، كما ستشمل مطارًا دوليًّا على مساحة 16 كيلومترًا، وستضم أيضًا مقار الشركات والمنظمات الدولية، ومراكز للمال والأعمال، و21 منطقة سكنية، وحوالي 100 حي، ومجمعات تكنولوجية، وجامعاتٍ، وفنادق.

وكانت تقديرات سابقة ذكرت أن تكلفة العاصمة الإدارية تبلغ نحو 90 مليار دولار، منها 45 مليار دولار سوف تضخ في المرحلة الأولى للمشروع، إلا أن الحديث عن أي أرقام حول المشروع لن تكون دقيقة، فبعد انسحاب شركة «إعمار» الإماراتية التي عرضت المشروع من البداية في المؤتمر، أعلنت الحكومة إلغاء المشروع بسبب عدم توفر التمويل اللازم، ثم فوجئ المصريون بحفل افتتاح فندق الماسة مؤخرًا، وذلك بتكلفة قدّرت بنحو مليار جنيه.

يشار إلى أن ما يقرب من ثلثي الاستثمار الحكومي في موازنة العام المالي الجاري يذهب إلى قطاع الإسكان، والمرافق العامة الذي يستحوذ على 40% من إجمالي الاستثمارات المخططة في الطرق والكباري والمياه والصرف والكهرباء.

وتقدر هذه الاستثمارات بحوالي 135.4 مليار جنيه، بنسبة 66% من المصروفات المتوقعة، و3.2% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو المبلغ الذي يعادل ثلاثة أضعاف المبلغ المقرر للاستثمار في التعليم والصحة، والبالغ 10.1% و7.5% على التوالي من إجمالي الاستثمارات.

وأنفقت الحكومة مبالغ ضخمة لم تحددها على توصيل البنية التحتية للعاصمة الإدارية، وقررت وزارة الإسكان في وقت سابق بدء ترفيق المرحلة الأولى بالكامل، والتي تبلغ مساحتها 40 ألف فدان، وكان رئيس جهاز مشروع العاصمة الإدارية، محمد عبد المقصود، أكد، في 19 سبتمبر (أيلول) الماضي، أن نسبة تنفيذ المرافق في الحى الحكومي وصلت إلى 90%، فيما وصلت نسبة تنفيذ مرافق الحي السكني إلى 60%.

مصر والسعودية.. مشاكل اقتصادية كبرى تنتظر حلولًا سريعة

يمكن القول إن الحديث عن مشاكل الاقتصاد السعودي قبل منتصف 2014، لا يمكن مقارنتها بما بعدها، فعلى سبيل المثال، سجل الدين السعودي منذ ذلك الوقت ارتفاعات بنسبة 861%، إذ قفز بنهاية الربع الثالث من العام الجاري إلى 113.4 مليار دولار، مقارنة بنحو 11.8 مليار دولار بنهاية 2014، ويمثل الدين في الوقت الحالي 17.7% من الناتج المحلي للبلاد، الذي بلغ 2.4 تريليون ريال (640 مليار دولار) في العام الماضي.

وعمومًا، لجأت البلاد إلى إجراءات تقشفية غير مسبوقة، وفرضت ضرائب لم يكن يسمع عنها السعوديون من قبل، وذلك وسط عدة أزمات يعاني منها الاقتصاد مثل مشكلة الإسكان، والبطالة التي صعدت في نهاية الربع الثاني من 2017، إلى 12.8%، مقارنة مع 12.7% في الربع الأول السابق له، بحسب الهيئة العامة للإحصاء (حكومية)، فيما تشير تقديرات غير رسمية، أن معدل البطالة يتراوح ما بين 29% و33% في صفوف الذكور الذين يتراوح سنهم بين 20 و24 عامًا، و38% في الفئة التي يتراوح عمرها بين 24 و29 عامًا، فيما يتوقع صندوق النقد الدولي أن تسجل السعودية عجزًا في ميزانيتها نسبته 9% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الجاري، على أن يتراجع في العام القادم.

اقرأ أيضًا:

كما أعلنت وزارة المالية السعودية في أغسطس (آب) الماضي، تسجيل عجز قيمته 72.7 مليار ريال (19.4 مليار دولار)، في ميزانيتها للنصف الأول من العام الجاري، بينما أظهرت بيانات الهيئة العامة للإحصاء (حكومية)، انكماش الناتج المحلي الإجمالي للسعودية، خلال الربع الثاني من العام الجاري بنسبة 1.03%، وتعد هذه الأرقام مجرد عناوين رئيسية بين جملة مشاكل اقتصادية هيكلية تحتاج إلى حلول سريعة، فكيف ستساهم مدينة نيوم الجديدة في حل هذه المشاكل؟

على الجانب الآخر، لا يخفى على أحد المشاكل الاقتصادية المتفاقمة التي تعاني منها مصر، وبنظرة عامة نجد أن وزير المالية المصري عمرو الجارحي، يتوقع ارتفاع عجز الموازنة في بلاده خلال العام المالي الجاري إلى 9.5%، بينما توقعت وكالة «موديز» للتصنيف الائتماني، أن يُسجل عجز الموازنة بمصر 10% من الناتج المحلي الإجمالي في العام المالي الجاري 2017-2018، في الوقت الذي كشفت فيها وزارة المالية، استمرار توسعها في إصدار أدوات الدين (السندات والأذون)، وذلك بنسبة زيادة بلغت 51.2% خلال الربع الثاني من العام المالي الجاري.

وبحسب ما أعلنه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في سبتمبر (أيلول) 2016، بلغت نسبة الفقر المدقع نحو 5.3% من إجمالي السكان، ونسبة السكان تحت خط الفقر 28%، وبالتالي يوجد ما يقرب من 30 مليون مواطن مصري تحت خط الفقر، أي نحو 7.5 مليون أسرة فقيرة في مصر، وحسب برنامج الحكومة المصرية تحتاج 86% من القرى إلى توصيل صرف صحي.

اقرأ أيضًا:

وبعيدًا عن الركود التضخمي الذي تعاني منه الأسواق المصرية، تواصل مصر اعتمادها على سياسة الاستدانة من الخارج، إذ كشف البنك المركزي عن صعود الدين الخارجي بنسبة 41.5% على أساس سنوي في يونيو (حزيران) 2017، فقد ارتفع الدين الخارجي إلى 79 مليار دولار، مقابل 55.8 مليار دولار في الشهر نفسه من عام 2016، وبالرغم من هذه الزيادة الكبيرة في الديون، يقدر وزير المالية، حجم الفجوة التمويلية لبلاده بين 10 إلى 12 مليار دولار خلال العام المالي الجاري 2017 – 2018.

يشار إلى أن فوائد ديون مصر تستحوذ على 35.1% من إجمالي نفقات الحكومة المصرية (الميزانية)، خلال 11 شهرًا من السنة المالية الماضية 2016 /2017، وبحسب وزارة المالية المصرية، فإن فوائد الدين بلغت 277 مليار جنيه، من إجمالي المصروفات البالغة 787.1 مليار جنيه (44.5 مليار دولار)، منذ يوليو (تموز) 2016– مايو (أيار) 2017، وبشكل عام وبعيدًا عن سرد قائمة المشاكل التي يعاني منها اقتصاد مصر، والتي يطول الحديث عنها، يبدو أن معظم هذه المشاكل هيكلية، وتحتاج إلى حلول اقتصادية سريعة، وهنا نسأل: هل يمكن أن توفر أو تساهم العاصمة الإدارية الجديدة في حل هذه المشاكل؟

هل تحل هذه المدن الجديدة أزمات القاهرة والرياض؟

بالنظر إلى أهداف المدينتين، قد نجد أن هناك تجاهلًا للأولويات أو الحاجات للغالبية من السكان، سواءً في السعودية أو مصر:

السعودية

في الواقع بحسب المعطيات السابقة ربما تكون «نيوم»، مساهمًا رئيسيًّا في زيادة حدة المشاكل الاقتصادية بالسعودية، فبحسب تقرير «كابيتال إيكونومكس» تجازف الحكومة السعودية بتحويل الانتباه بعيدًا عن إصلاحاتها الاقتصادية التي أعلنتها سابقًا، وربما كان من الأفضل للحكومة أن تتوسع في هذا المجال، وخاصةً أن العديد من المجالات الأساسية في رؤية 2030 لم تحقق غاياتها، بما في ذلك إصلاح النظام التعليمي، والجهود التي تهدف إلى معالجة الهوة في الرواتب بين العمالة السعودية، والعمالة الوافدة، وتحسين بيئة الأعمال التجارية.

على الجانب الآخر، تحتاج المملكة كما ذكرنا للاقتراض وذلك لتمويل المشروع العملاق، وهو ما سيرفع نسبة ديون المملكة بشكل أكبر، مع استمرار السحب من الاحتياطات من النقد الأجنبي، وهو الأمر الذي سيضعف المالية العامة للبلاد، وربما يضع العملة المحلية في وضع حرج.

اقرأ أيضًا:

وبالحديث عن طموح ولي العهد بأن تكون «نيوم» أول مدينة في العالم تضم روبوتات أكثر من البشر، ربما لا يكون هذا التوجه له فائدة اقتصادية كبيرة، في مجتمع به نسبة بطالة تقترب من 13% بحسب الإحصاءات الرسمية، إذ لا يتماشى مثل هذا الأمر مع حاجات المجتمع التي يجب على الحكومة السعودية مراعتها.

وبالرغم من أن البعض قد ينظر إلى أن إعلان السلطات السعودية منح مشروع «نيوم» الاستثماري امتيازات عدة، منها الاستثناء من أنظمة وقوانين الدولة الاعتيادية -كالضرائب والجمارك وقوانين العمل والقيود القانونية الأخرى على الأعمال التجارية، فيما عدا الأنظمة السيادية- مميزات وفوائد استثمارية كبيرة، لكن في الواقع يمكن النظر إلى هذه الإعفاءات على أنها حرمان للسعوديين من حق أصيل لهم؛ إذ إن هذه الأموال تذهب لخزينة الدولة، وبالتي يكون المستفيد الأول منها هو المواطن السعودي، كما أن كل المدن التجارية والصناعية حول العالم تفرض مثل هذه الرسوم، وهذا أمر طبيعي حتى تتمكن الدولة من استرداد جزء من الإنفاق على البنية التحتية وخلافة.

مصر

يقول الخبير الاقتصادي المصري، عبد الحافظ الصاوي، لـ «العربي الجديد»: «لا توجد دراسات جدوى، ولا أولويات لمشروع العاصمة الإدارية»، مضيفًا: «أولوية الإنفاق في الاقتصاد المصري تحتاج لإعادة نظر؛ فالحكومة تلجأ إلى الاختيارات السهلة»، مفسرًا: «الإنفاق الذي يؤدي إلى تغير هيكل الناتج المحلي الإجمالي في قطاعي الصناعة والزراعة، لا يلقى أي اهتمام، في الوقت الذي تعلن فيه الحكومة عن بيع مؤسسات عامة وبنوك، وزيادة الأسعار؛ استجابةً لاتفاق صندوق النقد الدولي».

اقرأ أيضًا:

وقالت مصادر حكومية بوزارة الإسكان في تصريحات لصحيفة «العربي الجديد»، إن الهيئة الهندسية للجيش، قامت في ديسمبر (كانون الأول) 2016، بتوجيه 80% من قوة شركات المقاولات المصرية الصغيرة إلى العاصمة الإدارية الجديدة، بدلًا من إنجاز المشاريع الحكومية الأخرى، وكذلك المشاريع التي تديرها الهيئة الهندسية نفسها في مناطق أخرى، ما أدى إلى تعطيل معظم المشاريع المرفقية التي كان من المقرر افتتاحها، أو إنجاز مراحل كبيرة منها خلال عام 2017، على رأس تلك المشاريع المعطلة: الطريق الدائري الإقليمي، وخط الجيزة في مترو أنفاق القاهرة، ونفق النهضة في الجيزة، وتطوير الطريق الدولي الساحلي.

فضلًا عن تطوير طريق الصعيد الغربي، ومحور «30 يونيو» الرابط بين محافظات الدلتا والقناة، وتطوير ميناء الإسكندرية، وإضافة أراضٍ لمشروع الاستصلاح «المليون ونصف المليون فدان»، فضلًا عن مشروع «سكن مصر» الذي كان من المقرر الانتهاء من مرحلته الأولى هذا العام، ولم يتم إنشاء أي مجمع عمراني به، كل هذه المشاريع وغيرها، توقف العمل بها فعليًّا لصالح المنشآت المبدئية بالعاصمة الإدارية الجديدة، وعلى رأسها المنتجع الفندقي، وذلك في الوقت الذي لا تعتبر العاصمة الإدارية ضمن حاجات أغلب المصريين، بينما بعض تلك المشاريع أكثر حيوية واتصالًا بمصالح المواطنين.

بالإضافة إلى أن مشروع العاصمة الإدارية الجديدة ساهم بشكل مباشر في زيادة أسعار مواد البناء، لأن الحكومة تسعى لإنجاز المشروع في وقت قياسي، وهو ما تسبب في طلب متفاقم على مواد البناء في البلاد، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعارها بشكل ملحوظ، في وقت تعاني فيه البلاد من معدلات مرتفعة من تضخم الأسعار، مع استمرار الإجراءات التقشفية التي تنتهجها الحكومة.

عموما يمكن القول إن الـ 30 مليون فقير الموجودين في مصر لن يكونوا ضمن دائرة المستفيدين من المشروع، كما أن المشروع يساهم في زيادة الدين العام، وهو ما يتحمله المواطن الغني والفقير على حدٍّ سواء.

مدن اليوتوبيا.. هكذا ترسخ لعزل الفقراء

المدن المنعزلة ليست جديدة بالنسبة للسعودية، إذ تحولت الكمباوندات السكنية داخل السعودية إلى ملاذ لآلاف الأثرياء داخل مدن المملكة منذ مدة، إذ تتراوح أسعار إيجار الوحدات السكنية داخل الكمباوند في المدن السعودية ما بين 220 ألف ريال إلى 75 ألف ريال شهريًّا، وهو أدنى سعر، بينما تُمثل مجمعات الخطوط الجوية السعودية، وإعمار أوجيه، وأرامكو الأكثر شهرةً ورفاهيةً وكذلك سعرًا، سواء للإيجار أو للتملك داخل هذه المجمعات التي يشغل الأجانب فيها النسبة الأكبر.

وبالرغم من عدم وجود أرقام دقيقة عن نسبة الفقر في المملكة، فإن تقارير غير رسمية في عام 2003، كانت قد أكدت أن نسبة الفقر في السعودية بلغت 12.5%، لكن أرقامًا أخرى تشير إلى أن نسبة الفقراء تصل إلى 25%. ويبلغ عدد السكان في البلاد 31.7 مليون نسمة، بينهم 11.7 مليون من الأجانب، بحسب أحدث بيانات لهيئة الإحصاء السعودية.

ويوجد أحياء تعاني الفقر في المدن الكبيرة مثل الرياض، وذلك مثل السويدي والجرادية والشميسي، وأيضًا أحياء الكرنتينا والرويس في جدة، وفي المدينة المنورة تعيش أحياء سيح والمصانع والزاهدية والمغيسلة وغيرها على حافة الفقر، وهناك عشوائيات يقطنها السعوديون الفقراء والعمال الأجانب، إذ يبلغ متوسط ​​دخل العمالة الأجنبية أقل من 266 دولارًا شهريًّا، وعموما بعيدًا عن نسبة الفقر فإن مثل هذه المدن ترسخ لعزل الفقراء في المجتمع، كما أنهم لا يحصلون على فائدة تذكر من مثل هذه المشروعات الضخمة.

اقرأ أيضًا: هل تحقق «العاصمة الإدارية الجديدة» نبوءة رواية «يوتوبيا»؟

ومن ناحية أخرى وعلى المستوى المصري، يأتي الاهتمام بمثل هذه المشاريع العملاقة على حساب إهمال أولويات، منها مكافحة الفساد، وعدم التصدي للتهرب من الجمارك والضرائب وغيرها، وهو ما يضيع مليارات الجنيهات على مصر، في حين أن إنفاق هذه المليارات على مشاريع لن يستفيد منها معظم المصريين يغزي الكراهية بين الناس بشكل مستمر، ففي الوقت الذي تواصل فيه الحكومة رفع أسعار المواد الأساسية، وفرض ضرائب مباشرة على كل ما يتعلق بالخدمات للوصول إلى إلغاء الدعم بالكامل خلال سنوات، تنفق المليارات على رفاهية نسبة ضئيلة من المجتمع متمثلة في الأغنياء.

اقرأ أيضًا:

عامر عبد المنعم، الصحافي والكاتب المصري، يقول إن الأسوار المحيطة بالعاصمة الجديدة «دليل على الخوف، ترمز لعقلية قلقة تشعر بالخطر، تبحث عن الأمن خلف الجدران العالية، والهروب من خطر زاحف على الأرض، وليس من هجوم جوي من جيش نظامي، وهذا الخوف مصدره بركان الغضب الشعبي المحتمل انفجاره مع استمرار الإدارة الفاشلة على كل المستويات».

ويضيف عبد المنعم: «نحن أمام تأسيس عاصمة معزولة، بها طبقة دخيلة لا تنتمي لنسيج المجتمع المصري، ويفضح الانتقاء السكاني عملية العزل العنصري التي تجري، فالتركيز على الأثرياء فقط وبمواصفات خاصة، يؤكد صناعة كيان عنصري له طبيعة خاصة، فالطرح الأول لفيلات تتراوح بين 3 و9 ملايين جنيه، وأقل شقة لا يقل سعرها عن المليون جنيه».

المصادر

عرض التعليقات
s