لا زالت دول الخليج العربي والمنطقة بأسرها تعيش توابع القرار الثلاثي الذي اتخذته دول المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين بسحب سفرائها من قطر، وهو القرار الذي برره البيان المشترك للدول الثلاث بقيام قطر بانتهاك المبادئ الرئيسية لميثاق التعاون الخليجي التي تشمل الحفاظ على أمن الخليج وعدم التدخل في الشئون الداخلية الخاصة بكل دولة.

وعلى الرغم من محاولة السعودية وحلفائها تفسير قرارهم وفق معطيات داخلية “خليجية” بحتة كتدخل قطر في شئونها ودعمها لتيارات مناوئة للنظم الحاكمة في البلدان الثلاث، إلا أن كثيرًا من المراقبين يميلون إلى تفسير القرار على أساس خلافات سعودية قطرية بشأن الموقف من مجموعة ملفات خارجية بالمقام الأول، يأتى في مقدمتها الملف المصري ثم الموقف من القضية السورية.

1- تهديد الهيمنة الدينية للمملكة

صورة_1

الملك عبدالله

يصدِّر النظام الحاكم في السعودية صورته إلى المنطقة وإلى العالم كنظام إسلامي “سنّي” ويبدو أنه يستفيد من هذه لاكتساب نفوذ إقليميّ على المستوى الخارجيّ ولتثبيت دعاماته سياسيًّا على المستوى الداخلي، لذا يميل المحللون إلى تفسير سلوك المملكة العربية السعودية بكونها تسعى دائمًا إلى محاربة أي نموذج “ديني” للحكم يستمد تصورًا غير تصورها ويدور في فلك غير فلكها مما يفقد المملكة أحد أوراق قوتها السياسية.

ويبدو تاريخ المملكة معزِّزًا لهذا التصور بشكل كبير، بدءًا من التغير الكبير فى مسار العلاقات السعودية الإيرانية بعد ما يعرف بالثورة الإسلامية الإيرانية وظهور قطب دينيِّ جديد في المنطقة، إلى سعيها الدائم لمحاربة تجارب الإسلام السياسي في المنطقة بدءًا من الجزائر في التسعينات مرورًا باليمن وليس انتهاء بمصر بكل تأكيد.

حتى في سوريا تنأى السعودية بنفسها عن توجيه الدعم للمعارضة الإسلامية السياسية منها والمسلحة رغم أن نفوذها أقوى بكثير من غيرها، في حين تميل إلى دعم ما تصفه بالمعارضة المعتدلة التي تتمتع بنفوذ وفرص أضعف في الواقع السوري.

في هذه النقطة بالتحديد تمثل قطر تهديدًا للسياسة السعودية عبر إصرارها على تقديم الدعم الإعلامي للمعارضة الإسلامية في سوريا وفي مقدمتها الإخوان سياسيًّا وجبهة النصرة ميدانيًّا، في حين لا زالت قطر تدعم الإخوان المسلمين في مصر عبر استضافة المطاردين منهم في أرضها وعن طريق قناة الجزيرة التي توفر غطاء إعلاميًّا قويًّا لمعارضي الانقلاب العسكري في مصر، كما أن قطر تصر على الاحتفاظ بعلاقات متزنة مع إيران.

2- تفكك مجلس التعاون الخليجي

مجلس التعاون الخليجي

مجلس التعاون الخليجي

تأسس مجلس التعاون الخليجي عام 1981 بعد عامين فقط من الثورة الإيرانية، وهو ما جعل كثير من المحللين يفسرون نشأته بكونه رد فعل سعودي – خليجي ضد تهديد المشروع الجديد الناشئ في إيران، وذهب البعض إلى أبعد من ذلك بوصف الاتحاد الخليجي بكونه مقترحًا أمريكيَّ النشأة يهدف إلى إحداث توازن قُوَى في المنطقة في مواجهة إيران.

وهيمنت المملكة العربية السعودية على مجلس التعاون الخليجي منذ نشأته وحتى وصول حمد بن خليفة إلى السلطة في قطر برؤية جديدة تضمنت الخروج من دائرة الهيمنة السعودية إلى الوجود كلاعب مستقل على الساحة يحمل مواقفه الخاصة، ونظرًا لكون قطر دولة فقيرة من الناحية الديموغرافية؛ حيث لا يتعدى سكانها 2 مليون شخص نصفهم على الأقل من الوافدين؛ فقد عمدت إلى تقوية نفسها باستخدام إستراتيجيتيْن رئيسيتيْن أولهما تأسيس قناة الجزيرة وثانيهما استضافة القاعدة العسكرية الأمريكية لتحمي نفسها من خط أي تدخل عسكري – سعودي في المقام الأول -.

وبدأت قطر تتخذ مواقف مخالفة للثوابت السعودية كإقامة علاقات مع إيران، بل بلغت إلى حد إقامة علاقات مع تيارات معارضة داخل حدود المملكة سواء كانوا من الإخوان المسلمين أو من الشيعة، وفعلت قطر الشيء نفسه في البحرين خلال احتجاجات العاميْن الماضييْن، ورغم كون كل من قطر والسعودية اتفقتا على أهمية بقاء النظام البحريني إلا أن قطر دعمت الفكرة القائلة بضرورة إجراء إصلاحات، وتشير أقوال إلى معارضتها لتدخل القوات السعودية المعروفة بدرع الجزيرة من أجل قمع تظاهرات البحرين.
المواقف الجريئة لقطر شجعت صناع القرار في مسقط لاتخاذ مواقف مشابهة فأقامت علاقات منفتحة ومعلنة مع إيران، مما جعل  السعودية تشعر بغضب شديد، خاصة حين علمت بأن الاتفاق الإيراني الغربي كان نتاج مفاوضات ماراثونية في مسقط دون أن تعلم بها الرياض، كما أن التقارب الإيراني الإماراتي أغضب المملكة أيضًا، ولذلك لجأت السعودية إلى إعادة فكرة الاتحاد الخليجي والذي رفضته مسقط علنًا وقالت إنها ستنسحب من مجلس التعاون إذا أصرت الدول الأعضاء على فكرة الاتحاد.
حتى العلاقات بين الإمارات والسعوية ليست على ما يرام كما قد يبدو للوهلة الأولى، فالإمارات هي الأخرى بدأت تلجأ لصناعة علاقات مع إيران بعد الاتفاق الأمريكي رغم استمرار احتلال إيران لجزرها الثلاث، كما أن هناك نزاع قائم بين الدولتين بسبب سيطرة السعودية على حقل الشيبة وخور العيديد النفطي، واحتلال أراض واسعة في محيط الحقل تقدر بأربعة آلاف كيلومتر مربع من أرض الإمارات، الأمر الذي جعل الإمارات تقوم بحملات إعلامية شرسة ضد السعودية، وسمحت للكاتب الإماراتي سالم حميد بأن ينعت السعودية بأنها صاحبة الفكر الأقبح والأنكر على وجه الأرض.

3- تغير خريطة مصادر الطاقة

النفط على الحدود السعودية اليمنية

النفط على الحدود السعودية اليمنية

رغم كون المملكة العربية هي المصدر الأول للنفط في العالم إلا أن هذا الأمر لن يستمر إلى الأبد، فيشير تقرير لمركز كارنيجي إلى احتمال أن تبدأ السعودية في فقد هذه الهيمنة اعتبارًا من عام 2030 مما يجعلها مضطرة للبحث عن مصادر أخرى للدخل أو للتنقيب عن حقول جديدة للنفط.

وفي هذا الإطار يمكن تفسير النزاع السابق الإشارة إليه مع الإمارات حول حقل الشيبة، والنزاع الأكبر منه الذي يدور في شمال اليمن، عقب الكشف عن امتلاك اليمن لمنبع نفطي جديد على حدوده الشمالية مع السعودية، والذي يمتد قسم منه إلى داخل السعودية، بجزء بسيط على عمق 1800 متر، وقالت مصادر إنه «إذا كانت الرياض تمتلك 34 في المئة من مخزون النفط العالمي، إلا أن اكتشاف هذه الآبار النفطيّة في اليمن يوفّر الفرصة لامتلاكها 34 في المئة من المخزون الإضافي، ما يمنح تفوّقًا لليمن تخشى السعودية عواقبه في المستقبل”.

ربما يكون هذا المدخل قادرًا على تفسير السلوك العجيب للمملكة العربية السعودية بدعم جمعية الحوثي – المقربة من إيران – رغم ما يشكله ذلك من خطر على حدودها؛ حيث يبدو أن السعودية تريد الحفاظ على هذه المنطقة ملتهبة لأكبر وقت ممكن لتحول ضمن ترسيم حدودها في الوقت الحالي حتى تطمئن إلى النظام السياسي القادم في اليمن بعد رفض الرئيس هادي مشروع ترسيم الحدود الذي طرحته السعودية العام الماضي.

في هذا المقام تمثل قطر تحديًا للسعودية من وجهيْن طبقا لتقارير المحللين؛ أولهما احتمال مواجهة السعوية عجزًا ماليًّا في فترة ما يحول دون تمويل حلفائها السياسيين مما سيفسح المجال أمام المال القطري في المنطقة، خاصة وأن قطر دولة متعددة الاستثمارات وغير مثقلة بأعباء داخلية كالبطالة – التي تثقل كاهل السعودية – نظرًا لانخفاض عدد سكانها، من وجه آخر تخشى السعودية من وصول الإخوان – حلفاء قطر – إلى السلطة في اليمن بما يحمله ذلك من آفاق سياسية واقتصادية كبيرة للدولة الصغيرة من جانب، وتهديد كبير للسعودية من جانب آخر.

4- تحالف إخواني إيراني محتمل

الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي أثناء زيارته لطهران

الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي أثناء زيارته لطهران

يبدو أن السعودية قد قررت أن  تخوض حربًا على الإخوان المسلمين،  بداية من دعمها لإسقاط نظام الإخوان في مصر إلى دعم الحوثيين على حساب بني الأحمر في اليمن واستخدام حلفائها من نظام المخلوع عبدالله صالح والحوثيين لعرقلة أي اتفاق سياسي في اليمن، خوفًا من أن يحمل ذلك الاتفاق الإخوان إلى السلطة، وليس انتهاء بإعلان السعودية للإخوان كجماعة إرهابية.

الأمر ليس مجرد حربًا سعودية على الإسلام السياسي كنموذج مجرد، فالأمر يحمل مخاوف سياسية لا يمكن الاستهانة بها حال وصول الإخوان إلى الحكم في اليمن على الحدود السعودية الجنوبية ووجودهم السابق على رأس السلطة في مصر إضافة إلى وجود إيران على حدودها الشمالية مع استعداد كل من الإخوان وإيران لإقامة علاقات منفتحة مع بعضهم البعض – فى ظل دعم إيران لحركة حماس الإخوانية مثلاً – بما يعني ذلك من فقدان السعودية لمركزيتها السياسية في المنطقة وتحولها إلى كيان محبوس بين تخوم تحالف إستراتيجي قوي ومؤثر.

5- تصدير الثورة وتهديد نظام الحكم في المملكة

الملك عبدالله وولي العهد الأمير سلمان والأمير مقرن نائب رئيس الوزراء.

الملك عبدالله وولي العهد الأمير سلمان والأمير مقرن نائب رئيس الوزراء.

تبدو السعودية من أكثر دول العالم جمودًا على المستوى السياسي؛ حيث أفزعت الاضطرابات في المنطقة حكام السعودية، وانعكس هذا الشعور في مصطلح يستخدم للتعريف بالسنوات القليلة الماضية: المتاعب العربية بدلاً من الصحوة العربية أو الربيع العربي.

لذا وقفت السعودية شكل عام ضد الربيع العربى – باستثناء سوريا نظرًا لتحالف نظام بشار الأسد مع إيران – وعمدت إلى إجهاض الحراك العربي ليس فقط لتعارضه مع مصالحها السياسية الخارجية ولكن لاحتمالية انتقاله للداخل السعودي مما يشكل خطرًا على بقاء النظام.

مرحليًّا تبدو الأمور مستقرة والعائلة المالكة تسيطر بشكل جيد باستثناء احتجاجات في المناطق الشرقية ذات التكتلات الشيعية تدعمها إيران وتتهم السعودية قطر بدعمها، إضافة إلى موجات جدل يثيرها بين الحين والآخر كل من الإخوان والسروريين.

العائلة المالكة كذلك ليست في أفضل أحوالها، فصحة الملك في تدهور مستمر كما يسيطر كبر السن والمرض على معظم أبناء الملك عبدالعزيز مع المرض الشديد للملك عبد الله والتقدم فى السن لولي عهده الأمير سلمان – عمره 77 عامًا وتولى ولاية العهد عام 2012 بعد وفاة سلفيه الأمير سلطان والأمير نايف – إضافة إلى إصابته بالخرف – طبقًا لتقرير سايمون هندرسون الباحث بمعهد واشنطن -، إضافة إلى وجود خلافات داخل هيئة البيعة – التي يقتصر دورها على إقرار ولي العهد الذي يعينه الملك – ومطالبات البعض بنقل السلطة لأحفاد الملك عبدالعزيز آل سعود بدلاً من أبنائه الذين أصابهم المرض.

ويبدو أن رحيل الملك عبدالله ربما يفجر خلافات هي الأشد من نوعها في تاريخ العائلة خاصة في ظل شائعات عن خلافات كبيرة حول إدارة بعض الملفات الحيوية كالملف السوري وتبعات ذلك الداخلية التي تمثلت في إبعاد الأمير بندر بن سلطان لصالح محمد بن نايف – ابن أخت الأمير مقرن نائب رئيس الوزراء الحالي وأحد المرشحين الأكثر جدلاً لولاية العهد بسبب أصول أمه اليمنية – بما فسره محللون باتجاه السعودية لسياسة أكثر ديبلوماسية تجاه الملف السوري بعد إبعاد بندر أشد الديبلوماسيين معاداة لإيران.

عرض التعليقات
تحميل المزيد