بعدما خسرت صدارة النفط أمام أمريكا.. كيف ستتأثر السعودية سياسيًّا واقتصاديًّا؟

عند ذكر اسم السعودية في أي مناسبة ربما أول ما يخطر في بال الكثيرين منا هي الآبار الضخمة من النفط التي تمتلكها البلاد، على اعتبار أن هذه الثروة النفطية هي أهم ما يميز المملكة سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي، فالمكانة التي اكتسبتها البلاد خلال العقود الأخيرة كانت بفضل ما تمتلكه من الذهب الأسود، إذ إن الطاقة بشكل عام، والنفط بشكل خاص، محور الصراعات في الشرق الأوسط، سواء السياسية، أو الاقتصادية، في الماضي والحاضر، فالنفط هو أكثر ما يميّز المنطقة عن باقي دول العالم، باعتبارها مخزنًا كبيرًا للسلعة الأكثر أهمية في العالم.

تاريخيًّا سبق أن استخدمت السعودية النفط سلاحًا سياسيًّا في حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، وهذا الاستخدام حقق نتائج مذهلة حينها، لكن يرى البعض أن السعودية لم تستخدم هذا السلاح هذه المرة فقط، إذ استخدمته أيضًا سلاحًا لمواجهة المنافسين خلال الأعوام القليلة الماضية، فبحسب ما يرى توماس ماير، الباحث في الدراسات الاقتصادية لدى «دويتشه بنك»، إن اعتماد السعودية منذ هبوط أسعار النفط في منتصف 2014 على زيادة الإنتاج كان هدفه الأساسي إضعاف المنافسين المنتجين للنفط الصخري، خصوصًا الولايات المتحدة، بالإضافة إلى العمل على ألا يصبح لإيران مكانة قوية في سوق النفط العالمية.

لكن خلال الأشهر الأخيرة أظهرت البيانات أن هذا السلاح لم ينجح هذه المرة، فبالرغم من محاولة السعودية إغراق الأسواق بنفطها، نجح النفط الصخري في الصعود، ففي بداية ديسمبر (كانون الأول) 2018، صدرت الولايات المتحدة كميات من النفط الخام والوقود أكبر مما استوردتها للمرة الأولى على الإطلاق، إذ سجلت صادرات صافية قدرها 211 ألف برميل يوميًّا في الأسبوع المنتهي في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، وهي المرة الأولى من نوعها وفقًا لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية التي يرجع تاريخها لعام 1973.

هذا الأمر يعد تحولًا كبيرًا بالنسبة للولايات المتحدة التي كانت مستوردًا كثيفًا للنفط الخام، خلال العقود الأربعة الماضية، إذ استمر حظر صادرات الخام خلال هذه الفترة، ورفعه في أواخر 2015 الرئيس الأمريكي آنذاك، باراك أوباما، فقد كانت المنتجات مثل البنزين ووقود الديزل المهيمنة على الصادرات البترولية، لكن ذلك تغير منذ ثورة النفط الصخري الأمريكي، التي سرعت وتيرة الحفر واستخراج النفط؛ مما ساهم في ارتفاع إجمالي إنتاج الولايات المتحدة إلى مستويات قياسية.

أرض الكنوز التي تشعل الحروب: كيف يسيطر الشرق الأوسط على طاقة العالم؟

وتشهد أمريكا حاليًا طفرة كبيرة في إنتاج النفط، فوفق إدارة معلومات الطاقة من المتوقع أن يصل متوسط إنتاج الخام الأمريكي إلى أكثر من 12 مليون برميل يوميًّا، خلال العام الجاري، وذلك بزيادة أكثر من 3 ملايين برميل يوميًّا في 2016، وهو ما جعل أمريكا تتفوق على روسيا والسعودية، لتكون أكبر منتجي النفط الخام في العالم خلال 2018، وبحسب «ريستاد إنرجي» للاستشارات، فإن الولايات المتحدة تتجه صوب إنتاج كميات من النفط والسوائل تفوق إنتاج روسيا والسعودية معًا بحلول 2025.

وترى شركة أبحاث الطاقة «ريستاد إنرجي»، أن أمريكا على وشك انتزاع عرش أكبر مصدر للنفط في العالم في وقت لاحق خلال عام 2019 من السعودية، التي تتصدر حاليًا دول العالم باعتبارها أكبر مُصدرة للطاقة، ففي ذروة الوقت الذي حاولت فيه السعودية هزيمة النفط الصخري، لم ينجح النفط فقط في الصمود، بل تفوق على البلاد، وتسبب في إزاحتها من على عرش قمة الإنتاج، ويقترب من قيادة أمريكا للتربع على قائمة المصدرين.
بعد هذا العرض السريع ننتقل بالحديث حول تأثير الغياب القريب للمملكة عن قمة هرم النفط حول العالم، سواء من ناحية الإنتاج التي غابت عنها بالفعل، أو التصدير التي أصبحت قريبة من خسارتها، وذلك بعد سيطرة استمرت سنوات، وخلال السطور القادمة سنناقش تأثير تلك التطورات في المملكة سياسيًّا واقتصاديًّا.

بعد خسارة الصدارة النفطية.. هل تفقد السعودية مكانتها الجيوسياسية في المنطقة والعالم؟

كما أوضحنا، السعودية اكتسبت مكانتها السياسية من ثروتها النفطية الضخمة التي جعلتها تتربع على صدارة مصدري النفط حول العالم، وفي ظل احتياج العالم الشديد إلى النفط من البديهي أن يكون هناك حرص من مستوردي النفط على بناء علاقات سياسية جيدة مع الدولة النفطية الأهم في العالم، فلم يكن هناك بديل عن استيراد النفط من السعودية منذ سنوات، لكن الوضع تغير الآن، فالسعودية بات لها منافسون تفوقوا عليها، بعدما كانوا أهم مستوردي النفط السعودي، ما يعني تحرر سياسي أكبر للدول المستورة التي باتت لديها بدائل متنوعة من مصدري النفط.

لذا من المتوقع أن يؤثر السطو الأمريكي على الصدارة بسوق النفط في المكانة السعودية، وبالعودة إلى اتجاه السعودية بعد منتصف 2014 إلى زيادة الإنتاج؛ من أجل الضغط على إيران وروسيا بسبب تدخلهما في اليمن والعراق وسوريا، كما قال مراقبون، لكن في حال تكررت الظروف نفسها في المستقبل، مع وجود أمريكا في الصدارة، فإن هذه الورقة لن تكون مجدية بالنسبة للسعودية، إذ لن تمثل ضغطًا حقيقيًّا على روسيا وإيران في ظل أن السيطرة بيد دولة أخرى، وهي أمريكا.

وبشكلٍ عام ينذر فقدان الصدارة بعجز واضح للمملكة عن فعل أشياء كانت في المتناول سابقًا، وذلك بسبب تراجع حصتها في سوق النفط العالمية، فوفق محللين يعد النفط هو قمة الهرم في نفوذها السياسي والاقتصادي؛ عربيًّا ودوليًّا، وتراجع الحصة يعني بالتالي تراجع الإيرادات، وهو ما سيزعزع مكانة البلاد السياسية والاقتصادية سواء داخليًّا وخارجيًّا، وفي حال استمر هذا الوضع كثيرًا ستستمر معه خسائر المملكة.

هبوط الإيرادات بطبيعة الحال يقوض فكرة تمدد النفوذ السعودي من خلال استخدام أموال النفط، وهي الأموال التي لم تعد كافية الآن لتغطية نفقات الموازنة، لذلك فإن السخاء السعودي الذي عرف عنها مع بعض الدول من خلال تقديم المنح والمساعدات بالمليارات لن يكون موجودًا، فالمملكة خلال الفترة من 2007 إلى 2018 وصل إجمالي المساعدات الخارجية لها إلى أكثر من 132 مليار ريال سعودي (35 مليار دولار) لنحو 79 دولة، وهذه الأموال كانت بمثابة أرضية سياسية خصبة تساعد المملكة على تحقيق مصالحها بسهولة، لكن هذه القدرة من الصعب أن تكون موجودة في المستقبل في ظل المعطيات الجديدة.

«الإندبندنت»: نفط زائد عن حاجة العالم.. كيف تتصرف السعودية بعد أن ورطها ترامب؟

هذه الأموال هي التي تم تقديمها رسميًّا في صورة مساعدات إنسانية، لكن هناك أنواع أخرى من الأموال لا تدخل ضمن نطاق هذا الرقم، وذلك مثل تقديم النفط مجانًا أحيانًا، أو إيداع مليارات بالبنوك المركزية لبعض الدول، مثل مصر واليمن ولبنان والبحرين لمساعدة هذه البلدان في الخروج من الأزمات الاقتصادية، وهي أمور بالطبع عززت من مكانة السعودية في المنطقة والعالم.

أمريكا لم تعد تحتاج إلى السعودية في مواجهة إيران

في 13 مارس (آذار) الجاري، قال بريان هوك الممثل الأمريكي الخاص لإيران بوزارة الخارجية الأمريكية: إن «فائض النفط العالمي يسمح للولايات المتحدة بتسريع خطتها لوقف صادرات الخام الإيرانية تمامًا»، لكن هل هناك علاقة بين هذا التصريح، ووضع النفط الجديد بالنسبة للسعودية وأمريكا؟

بالطبع هناك علاقة مباشرة، فمنذ أشهر قليلة مارست الولايات المتحدة كل أنواع الضغوط على السعودية لزيادة الإنتاج لتعويض النقص الناجم عن عقوباتها الاقتصادية على إيران وفنزويلا، لكن الآن الوضع قد اختلف، فأمريكا أصبحت هي المتحكم الرئيسي في بوصلة سوق النفط، لذلك لم تعد في حاجة كبيرة للسعودية، بينما تعتبر الرياض طهران تهديدًا كبيرًا لها في المنطقة.

بينما تأتي تصريحات هوك، بعد نحو شهرين من زيادة وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، السعودية، والتي أكد خلالها أن البلدين اتفقتا على «مواصلة الجهود الإقليمية ضد النشاط الخبيث للنظام الإيراني»، وهذا التعاون الأمريكي مع الرياض كان يعطي البلاد ثقلًا كبيرًا في المنطقة، لكن هذا الثقل بات مهددًا، فبعد أن كانت واشنطن تطالب السعودية بمساعداتها في معاقبة من تريد، بات هذا المطلب موجه لسوق النفط الأمريكية. فخلال الأيام القليلة الماضية خرج بومبيو ليحث قطاع النفط علي العمل مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ لتعزيز مصالح السياسة الخارجية الأمريكية، لا سيما في آسيا وأوروبا، ومعاقبة من وصفهم بأنهم «يسيئون التصرف» على الساحة العالمية، على حد تعبيره.

بومبيو قال إن ثروة النفط الصخري المكتشفة حديثًا في البلاد «عززت موقفنا في السياسة الخارجية»، مضيفًا: «نحن عازمون على خفض صادرات النفط الخام الإيرانية إلى الصفر؛ حالما تسمح الظروف في السوق بذلك»، هذا الموقف يوضح تمامًا كيف تغيرت البوصلة سريعًا بعيدًا عن السعودية، وهذا الأمر بالطبع لا يخدم مصالح المملكة.

من يفوز بآسيا يفوز بالسوق

قد تتساءل خلال قراءتك للسطور السابقة، عن إمكانية عودة السعودية للقمة مرة أخرى، وفي الواقع لم تعد العودة في يد المملكة كالسابق، فخلال فترات كثيرة سابقة كانت السعودية صاحبة القرار، لكن الآن في ظل المعطيات الجديدة بالسوق، بات المستوردون للنفط هم أصحاب القرار، فبالرغم من أن السعودية تمتلك احتياطيات نفطية ضخمة تكفيها عشرات السنوات، كما أن إنتاجها لم يصل إلى الطاقة القصوى -12 مليون برميل يوميًّا- لكن عودة الصدارة في الصادرات بشكل خاص مرتبطة ارتباطًا أساسيًّا بآسيا.
تشير تقديرات صادرة عن السعودية أنه في 2017 استحوذت آسيا على أكثر من 68% من إجمالي صادرات النفط السعودي، في حين أن أمريكا استحوذت على 14% فقط من الصادرات، وهو ما يوضح المكانة الكبيرة لآسيا بالنسبة للصادرات السعودية، فالصين واليابان والهند وكوريا الجنوبية ضمن أكبر البلدان في العالم من حيث استيراد النفط، فالسيطرة على الصادرات لهذه الدول تعني الفوز بالسوق، وقبل منتصف 2018 تقريبًا، كانت روسيا هي المنافس الرئيسي للسعودية على هذه السوق، لكن الآن أصبحت الصادرات الأمريكية لآسيا هي أكبر تهديد يواجه كلًّا من السعودية وروسيا.

لهذه الأسباب «لعبة» أسعار النفط في 2019 تختلف عن الماضي

ووفق تقرير لـ«رويترز» نشر بنهاية مايو (أيار) 2018، فالصين أكبر مشترٍ للخام الأمريكي بقيادة «سينوبك» -كبرى شركات التكرير- إذ خفضت الشركة وارداتها من السعودية، بينما اشترت كمية قياسية قدرها 16 مليون برميل من الخام الأمريكي، بينما جاءت الهند وكوريا الجنوبية أكبر مشترين في آسيا بعد الصين باستيراد ما يتراوح بين 6- 7 ملايين برميل في يونيو (حزيران) الماضي، بينما اشترت شركة التكرير الحكومية التايوانية «سي. بي. سي. كورب» 7 ملايين برميل هي الأخرى، بالإضافة إلى تايلاند التي اشترت هي الأخرى كميات قياسية من الخام الأمريكي.

في ظل هذا الحرص الكبير من الدول الآسيوية للحصول على المزيد من النفط الخام الأمريكي، باتت صادرات السعودية مهددة تهديدًا كبيرًا، وبحسب ما قال آر. تي دوكس، مدير إمدادات النفط في الولايات الثماني والأربعين المتجاورة لدى وود ماكنزي، فالنفط الصخري تفوق على أوبك في السنوات القليلة الأخيرة، لذلك يمكن القول إن السعودية قد خسرت هذه الجولة.

هكذا تتحكم البيانات الأمريكية في قوت السعوديين الآن

على الجانب الآخر، استفادت السعودية خلال عقود من زعامة سوق النفط في العالم، فكثيرًا ما تحركت الأسعار بسبب تلميحات لمسؤولين سعوديين، ففي السابق كان خروج وزير النفط السعودي للحديث أمام الإعلام هو أهم حدث تنتظره سوق النفط، فالجميع كان يترقب هذه الكلمات، وتخرج عشرات التحليلات لهذه الكلمات، والأسعار كانت تهبط وتصعد وفق تلك الكلمات، لكن هذا الاهتمام لم يعد كذلك، إذ يخرج وزير النفط الحالي خالد الفالح بكثير من التصريحات، ولا يتأثر السوق ولا تتحرك الأسعار.

لكن في المقابل نجد تفاعلًا كبيرًا للأسعار مع البيانات الأسبوعية التي تصدر عن «معهد البترول الأمريكي» حول مخزونات النفط الخام، بالإضافة غلى تقرير شركة «بيكر هيوز» للخدمات النفطية الذي يحظى تقريرها الأسبوعي بمتابعة واسعة، والذي يركز على عدد المنصات لدى شركات الطاقة الأمريكية خلال الأسبوع، وبعيدًا عن الخوض في مدى دقة هذه البيانات، فالأسعار تعرف الآن من المؤثر الحقيقي في السوق، ومعنى تفاعل الأسعار مع هذه البيانات يكشف عن مدى تأثير أمريكا في سوق النفط، وتقوض دور الرياض تقوضًا واضحًا.

وفي ظل اعتماد السعودية في إيراداتها على النفط أكثر من أي بلد آخر من بين الدول الرئيسية المنتجة والمصدرة له، إذ يستحوذ أكثر من 80% من إيرادات الرياض، فإن حركة السعر تعني بوضوح أن الإيرادات السعودية مرتبطة بالبيانات الأمريكية التي تؤثر في سعر النفط تأثيرًا مباشرًا.

وجدير بالذكر هنا أن تقرير «المعهد الملكي البريطاني» للشؤون الدولية عام 2011، قال إن السعوديين يستهلكون حوالي ربع النفط الذي تنتجه دولتهم بنمو يزيد نحو ثلاثة أضعاف على نمو السكان، إذ خلص التقرير إلى أن هذا الاستهلاك بهذا المعدل سيؤثر في صادرت المملكة من النفط بحلول عام 2021، بل ذهب التقرير إلى القول بأن السعودية قد تصبح مستوردة للنفط بحلول عام 2038، إذا استمر الوضع على ما هو عليه.

نعمة أم نقمة؟.. هكذا يؤثر النفط في المجتمع السعودي

ومن كل ما سبق يتضح مدى الضغوط التي قد تواجهها السعودية خلال المرحلة القادمة، وهذه الضغوط ستخلف الكثير من الآثار السلبية في البلاد سواء اقتصاديًّا أو سياسيًّا، كما أن السعودية الآن باتت مطالبة بشكل ملح بالكشف عن حجم احتياطيات النفط الحقيقية، إذ إن هذا الأمر يثار حوله الكثير من الشكوك حاليًا، خاصة مع تراجع المملكة أكثر من مرة عن طرح «أرامكو» لهذا السبب، ووفق تقرير لمجلة «فوربس» الأمريكية فإن هناك شكوكًا عميقة حول حقيقة الاحتياطيات السعودية، وهي الأزمة التي قد تستحوذ كثيرًا من الاهتمام بسوق النفط خلال الأشهر القادمة.

أمريكاأوبكاقتصادالسعوديةالطاقة الدوليةالنفطالنفط الصخريسوق النفط

المصادر