بعد سبعة شهور من التزام الصمت من جانب مسئولي السلطة الفلسطينية والمملكة العربية السعودية، أعلن مدير دائرة الميزانيّة في وزارة الماليّة الفلسطينيّة فريد غنَّام الأسبوع الماضي

بعد سبعة شهور من التزام الصمت من جانب مسئولي السلطة الفلسطينية والمملكة العربية السعودية، أعلن مدير دائرة الميزانيّة في وزارة الماليّة الفلسطينيّة فريد غنَّام الأسبوع الماضي، امتناع السعوديّة عن سداد التزاماتها المالية للسلطة منذ سبعة أشهر، والتي تُقدر قيمتها بـ140 مليون دولار.

الإعلان الذي تزامن مع تفاقم الفجوة التمويلية في موازنة السلطة الفلسطينية، وإجراءات تقشفية تستعد لها فلسطين، التزمت حياله السعودية الصمت، ولم تصدر بيانًا يوضح أسباب هذا التوقف.

«140 مليون دولار».. مستحقَّات المملكة للموازنة الفلسطينية المُجمدة عن 7 شهور

دأبت المملكة العربية السعودية خلال السنوات العشر الأخيرة على تقديم دعم مالي شهري حصةً لها في ميزانية السلطة الفلسطينية تُقدر بـ13 مليون دولار، ارتفعت لـ20 مليون دولار في عام 2013، والذي برَّرته في بيانٍ رسميّ عنها قالت فيه إن «ذلك ينطلق من إيمانها الصادق بأن ما تقوم به من جهود تجاه القضية الفلسطينية إنما هو واجب يمليه عليها عقيدتها وضميرها وانتماؤها لأمتها العربية والإسلامية».

التزام المملكة بتقديم دعم شهري 20 مليون دولار لسد العجز في الموازنة الفلسطينية، توقف منذ أبريل (نيسان) من عام 2016، دون أن تصدر وزارة الخارجية السعودية بيانا رسميًا توضح فيه ملابسات هذا التوقف، أو يظهر مسؤول سعودي يكشف أسباب هذا التوقف الذي لم يصدر به قرارٌ ملكي، أو توضيحٌ رسمي.

حسب المنشور على موقع وزارة الخارجية السعودية، فإسهامات المملكة المالية للحكومة الفلسطينية شملت تقديـم دعـم مالـي سنـوي للفلسطينيين قـدره (1,97,300,000) مليار وسبعة وتسعون مليونًا وثلاثمائة ألف دولار لمدة عشر سنوات (من عام 1979م وحتى عام 1989م).

وخلال الفترة التي بدأت من 1 أبريل حتى نهاية سبتمبر 2004م، قامت السعودية بتحويل مبلغ (46،2) مليون دولار وذلك لدعم موازنة السلطة الفلسطينية. وذكر الموقع تبرعات استثنائية من جانب المملكة للحكومة الفلسطينية تنوعت بين مساعدات إنسانية للاجئين الفلسطينيين مباشرة أو عن طريق الوكالات والمنظمات الدولية التي تعنى بشئون اللاجئين مثل الأنروا، ومنظمة اليونسكو، والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، والبنك الدولي، والبنك الإسلامي.

كما تعهدت المملكة بتمويل برنامج إنمائي عن طريق الصندوق السعودي للتنمية بلغ حجمـه 300 مليون دولار يهتم بقطاعات الصحة والتعليم والإسكان تم الإعلان عنه في مؤتمرات الدول المانحة خلال الأعوام 94 – 95 – 97 – 1999م. بالإضافة إلى الإعفاءات الجمركية للسلع والمنتجات الفلسطينية.

ما وراء تجميد المملكة لمستحقات السلطة الفلسطينية: عودة «دحلان» لـ«فتح».. ورفض تصالح «عباس» مع«حماس»

تتباين الأسباب التي تتعلق بتجميد المملكة العربية السعودية لمستحقات السلطة الفلسطينية الشهرية، فبينما يعتقد أعضاء بمجلس النواب الفلسطيني أن توقف هذه المستحقات مرتبط بالأزمة الاقتصادية التي تعيشها المملكة المرحلة الحالية، واتجاهها نحو تطبيق إجراءات تقشفية، وخفض لحجم الإنفاق الحكومي، يرى آخرون أن المسألة تتجاوز الاقتصاد إلى السياسة، والاضطرابات بين السلطة الفلسطينية الحالية والمملكة العربية السعودية في عدد من ملفات السياسة الخارجية.

وفيما يبرر أنور عشقي، المستشار السابق للمملكة العربية السعودية، في اتصال هاتفي مع «ساسة بوست» التوقف عن تسديد دعم المملكة الشهري للسلطة الفلسطينية بأسباب اقتصادية لها صلة مباشرة بالاستحقاقات التاريخية التي يتطلب على المملكة تنفيذها حيال المواطن السعودي ضمن رؤية 2030، والخطة الاقتصادية التي أطلقتها الحكومة السعودية، يرى عدد من المسؤولين الفلسطينيين أن التوقف له أسباب سياسية تتعلق بعدم اكتمال المصالحة بين محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية مع حركة حماس، وهي المصالحة التي كانت تحت رعاية سعودية، وكذلك تجاهل «عباس» مطلب عدد من الدول العربية بإعادة محمّد دحلان إلى صفوف «فتح»، تمهيدًا للدفع به خلفًا «عباس»، وهو الذي كان صدر بحقه قرارٌ بالفصل في مايو (أيار) من عام 2011، وأحيل إلى القضاء بتهم جنائية ومالية.

تأكدت هذه الخلافات الكبرى بين حكومة «عباس» والمملكة العربية السعودية، بتصريحات رئيس السلطة الفلسطينية التي حذر فيها العواصم التي تحاول التدخل في الشأن الفلسطيني، مهددًا بقطع الأيدي التي تحاول التدخل لمصالحها في مؤسسات وإرادة الشعب الفلسطيني.

وتطابقت تصريحات عضو اللجنة المركزية لحركة فتح عزام الأحمد، مع تحذيرات «عباس»، إذ استنكر ما وصفه «بالتدخلات العربية» في الشأن الفلسطيني، وذلك في إشارة إلى محاولات «الرباعية العربية» إعادة القيادي المفصول من حركة فتح النائب محمد دحلان إلى الحركة، ومجموعة من القيادات الذين تم فصلهم خلال السنوات الماضية.

لا ينفي «عشقي»، الذي يرأس مركز الشرق الأوسط للدراسات السياسية بمدينة جدة، التباين السياسي في السياسات الخارجية للمملكة العربية السعودية والحكومة الفلسطينية الحالية برئاسة «عباس» في عدد من الملفات الخارجية التي يتحفَّظ على ذكرها، لكنه يستدرك: «الخلاف السياسي أمرٌ وارد بين أي دولتين، لكن من غير المقبول أن تساوم السعودية فلسطين على دعمها المالي، المملكة ستظل دومًا داعمة للقضية الفلسطينية على امتداد العصور».

وكانت السلطة الفلسطينية تعرضت لوقف تمويل موازنتها خلال عهد الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بعد غزو العراق للكويت عام 1990، على خلفية مواقف فلسطين السياسية المساندة للرئيس الراحل صدام حسين، إذ أوقفت دول الخليج كافة المساعدات المالية التي كانت تدفعها شهريًا لتمويل منظمة التحرير الفلسطينية، ووقف منح التأشيرات لكافة المواطنين الفلسطينيين، وطردهم من هذه الدول التي يقيمون فيها.

بعد تجميد المنح: 386 مليون دولار فجوة تمويلية.. والإجراءات التقشفية تنتظر المواطن الفلسطيني

انعكست أزمة تجميد المنح السعودية الشهرية للسلطة الفلسطينية على حجم العجز في الموازنة التي أقرتها الحكومة الفلسطينية للعام الحالي، حيث ارتفع حجم العجز إلى 386 مليون دولار، وهو ما اضطر الحكومة لاتخاذ عدد من الإجراءات التقشفية فيما يخص الرواتب.

وكانت الحكومة الفلسطينية قد أقرت مشروع الموازنة العامة للعام 2016، بقيمة بلغت 4.25 مليارات دولار، تضمنت 3.9 مليار دولار للنفقات الجارية، و350 مليون دولار للنفقات التطويرية، فيما شكل العجز 386 مليون دولار بمعدل شهري 32 مليون دولار.

السبب الرئيس الذي أدى لتفاقم حجم العجز في الموازنة العامة للدولة، ارتبط بشكل أساسي بتقلص حجم المنح الخارجية خلال العام 2016، إذ بلغ إجمالي المنح والمساعدات الخارجية التي تلقتها الحكومة 267.6 مليون دولار أمريكي منذ مطلع يناير (كانون الثاني) حتى مايو (أيار)، مقارنة مع 417.6 مليون دولار في الفترة المناظرة من 2015.

تراجع المنح الخارجية عمومًا، ربطه وزير التخطيط السابق في الحكومة الفلسطينية سمير عبد الله، إلى اعتقاد المانحين بأن الاستثمار في القضية الفلسطينية أصبح غير مجدٍ، لعدم وجود تغيرات على الأرض، وأضاف أن الأحداث الإقليمية جعلت القضية الفلسطينية ليست أولوية على الصعيد المالي، وأن أزمة اللاجئين والصراعات الإقليمية أعادت توزيع المنح المالية إلى دول وجهات أخرى ترى أنها أكثر أهمية من الفلسطينيين.

وكان البنك الدولي قد أصدر تقريرًا في 15 سبتمبر (أيلول)، ذكر فيه أن الاقتصاد الفلسطيني يواجه أزمة في الميزانية لأن المساعدات الأجنبية للسلطة الفلسطينية هبطت بنحو 50 % خلال السنوات الثلاث الأخيرة، مما يفرض ضغوطًا شديدة على الميزانية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد