كما هو معتاد كل عام، شهد يوما التاسع والعاشر من يوليو (تموز) الجاري لهذا العام إقامة فعاليات مؤتمر المعارضة الإيرانية في العاصمة الفرنسية باريس، لكن غير المعتاد هو توسط المشاركين الذين بلغوا أكثر من 100 ألف، غالبيتهم من الإيرانيين، حضور عربي ودولي لم يسبق له مثيل.

شاركت السعودية بحضور الشخصية الأهم في تاريخ الاستخبارات السعودية، كما يوصف، الأمير «تركي الفيصل»، كما شارك وفد برلماني مصري، يتوسطهم وكيل البرلمان «سليمان وهدانز. هذه المشاركة يُستبعد أن تكون عفوية، بل اعتبرت ضمن خطط مجابهة إيران سياسيًا، باستخدام المعارضة الإيرانية الداخلية والخارجية، كورقة ضغط لم يسبق الاهتمام بها، واعتمادًا لمبدأ المعاملة بالمثل مع النظام الإيراني، الذي دعم ـ بكل قوته ـ المعارضة في الدول العربية، وبالأخص الخليجية.

المعارضة كورقة سعودية للضغط على طهران

يبدو أن السعودية أدركت قيمة استخدام المعارضة الإيرانية في الداخل الإيراني وخارجه؛ إذ حتمت عليها الضرورات الاستراتيجية الإسراع في فتح ملف تعاون مع حركة المقاومة الوطنية الإيرانية، والاستفادة منها، خاصة بعد تدهور العلاقات السعودية والإيرانية في السنوات الأخيرة.

وبالرغم من أن النظام الإيراني يتعامل بقوة مع قوى معارضة مختلفة للدول العربية، ويقدم لها كل الإمكانات، جاء فتح خطوط التواصل مع القوى المعارضة للنظام الإيراني من قبل السعودية؛ كي تشعر إيران بأنه في إمكان السعودية أن تفعل بالمثل.

إذ أكد الكاتب السعودي المقرب من دوائر صنع القرار، «جمال خاشقجي»، أن مشاركة الأمير تركي الفيصل، وزير الخارجية السعودية السابق، تعبر عن «المزاج العام السعودي الرسمي والشعبي الذي أصبح يقبل بمخاطبة المعارضة الإيرانية، بعد أن ضاقت السعودية بممارسات إيران»، ولم يستبعد خاشقجي استقبال شخصيات إيرانية معارضة في الرياض؛ إذ اعتبر الأمر مقبولًا.

من جانبه يري المحلل السياسي «أحمد الهواس»، أن حضور السعودية مؤتمر المعارضة الإيرانية في باريس، يحمل أكثر من رسالة، منها أن «الرياض تملك الكثير من أوراق الضغط على طهران، وأنّ وجود تركي الفيصل رسالة واضحة أن الشخصية التي حضرت هي الشخصية الأهم في تاريخ الاستخبارات السعودية، وكذلك العلاقات السعودية الأمريكية».

وأضاف لـ«ساسة بوست» أن «تصريحه بالرغبة في سقوط النظام الإيراني تعد الرسالة الأوضح، لكن في مقابل ذلك السعودية لم تزج بمسؤول على رأس عمله، وبالتالي يمكن أن تقول السعودية إن الحضور والكلمة يتمثلان رأيًا شخصيًا لرجل كان مسؤولًا سابقًا».

إيران تحذر السعودية من استخدام المعارضة كورقة ضغط

بالرغم من أن مؤتمر «المجلس الوطني للمقاومة» يعقد منذ عام 1981، إلا أن إيران للمرة الأولي تظهر ارتباكها، الذي اتضح بالتهديد تارة، وبالاستخفاف تارة آخرى، فتمكن هذه المعارضة من حشد العديد من العرب في مؤتمرها الأخير فاجأ الإيرانيين، الذين اعتادوا هم ـ فقط ـ على استخدام المعارضة كورقة ضغط في إطار صراعهم الإقليمي المشتغل خاصة مع السعودية.

وسرعان ما نقلت «وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية»، عن مصدر بوزارة الخارجية الإيرانية، تعقيبًا على مشاركة الأمير تركي الفيصل، إذ قال: إنه «استمرارًا لتدخل المسؤولين السعوديين السافر ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، شارك تركي الفيصل، الرئيس السابق للجهاز الأمني السعودي، في اجتماع لزمرة المنافقين الإرهابية في باريس، وأثناء تصريحاته المعادية لإيران، أشار إلى موت (مسعود رجوي)»، وتابع القول «ذروة فشل وعجز الإرهابيين والجهات الراعية لهم في العلن والخفاء في هذه المسرحية التي اجتمعوا فيها ليعزوا أنفسهم، تجلي في الوقت الذي تحدثوا عن أحلامهم الوهمية.. إن فشل السعوديين وتمسكهم بالإرهابيين المكشوفين للجميع في هذا الاستعراض الهزلي يظهر، وكما انكشف في العراق وسوريا واليمن، وإن الإرهاب والإرهابيين أداة لتمرير أهدافهم ضد الدول الإسلامية في المنطقة».

فيما اعتبر  مساعد وزير الخارجية الإيراني للشؤون العربية والإفريقية، «حسين أمير عبد الله» أن هذه المشاركة بمثابة دليل على الدعم المالي والأمني السعودي لما أسماه بالإرهاب، وقال عبد الله إن لوكالة الأنباء الإيرانية «فارس»: إن «تصريحات الفيصل تؤكد على أن الدعم المالي والأمني السعودي للإرهاب بجميع أشكاله، كان مدرجًا على الدوام في جدول أعمال الرياض، فخطأ الرياض الاستراتيجي في استخدام الإرهاب في تطورات المنطقة، سيكبد السعودية، ويكبدنا جميعًا في المنطقة أضرارًا لا تعوض».

مصر..المكايدة السياسية مستمرة ومتخبطة

سعى النظام المصري للاستفادة القصوى من عدة علاقات متداخلة خاصة بأطراف الأزمة السعودية الإيرانية، فمن جهة هو مؤيد لمواقف السعودية في الأزمة السورية واليمنية، ومن جهة أخرى لا يخفي علاقته الحميمة بالنظام الروسي، الداعم للموقف الإيراني في هذه الأزمة.

وبالمرور على العلاقات الإيرانية المصرية، بعد وصول الرئيس «عبد الفتّاح السيسي» إلى سدّة الحكم في يونيو (حزيران) من عام 2014،فقد دعت الرئاسة المصرية الرئيس الإيراني «حسن روحاني» لحضور حفل تنصيب السيسي، كما أبدت إيران تأييدها ببيان الثالث من يوليو (تموز) 2013.

لكن سرعان ما عجل النظام المصري، بربط عودة العلاقات مع إيران بضوابط، أبرزها وجود تغيير في المنهج والسياسة إزاء المنطقة، واحترام استقلال الدول العربية وسيادتها على أراضيها، وعدم التدخل فيها، والكف عن السعي إلى فرض النفوذ.

ومع ذلك بقيت أبرز خدمة يقدمها النظام المصري لإيران، هو السماح بعبور سفن السلاح الإيراني عبر قناة السويس لدعم «بشار الأسد»، وهو ما دفع الدبلوماسي الإيراني «أمير موسوي» لشكر النظام المصري على دعمه السياسي والعسكري للنظام السوري.

وكتب «أمير موسوي» عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك» «أتوجه بالتحية والشكر العميق إلى جمهورية مصر الشقيقة، وفخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي؛ لموقفه النبيل والمشرف من جرائم الارهابيين في سوريا الحبيبة، لطالما كانت مصر في عهد الرئيس السيسي من أوائل دول العالم بدعم محور المقاومة في المنطقة في جميع المناحي السياسية والإعلامية والعسكرية، شكرًا مصر، ونلتقي معكم على رد الجميل بإذن الله تعالى«.

ويقرأ في تأرجح العلاقات المصرية الإيرانية حرص مصر على استخدم ورقة إيران للضغط على جيرانها، وخصوصًا السعودية التي قللت الدعم المقدم لمصر، وأيضًا كدولة تحقق مردودًا اقتصاديًا جيدًا للمصرفي ظل الحاجة الملحة لمصادر جديدة للطاقة، وجاء التخبط المصري الأبرز بمشاركة وفد برلماني مصري غير رسمي في مؤتمر دعم المعارضة الإيرانية الذي عقد الأسبوع الماضي بالعاصمة الفرنسية باريس، وهي المرة الأولى التي تدعم فيها القاهرة معارضة في بلد خارجي في عهد السيسي. وكما لا يستبعد عن موقف مصر هذا إرضاء السعودية، أيضًا لا يستبعد إرضاء النظام المصري للحكومة الإسرائيلية بعد التقارب الكبير بين الحكومتين؛ إذ تحذِّر إسرائيل مصر من التقارب مع إيران.

ويقرأ الصحفي المصري المهتمّ بالشؤون الخليجية «سيد الجعفري» في مشاركة مصر في مؤتمر المعارضة الإيرانية بأنها تأتي في إطار انحسار الدور الإقليمي لمصر عقب «أحداث 30 يونيو»، وقال: «نظام ما بعد الثالث من يوليو (تموز) يحاول دائمًا إمساك العصا من المنتصف؛ في محاولة بائسة للحصول على أكبر دعم ممكن سياسيًا وماليًا. لذلك نجد الموقف المصري مذبذبًا على طول الخطّ؛ فكلما لاحت له فرصة للتقارب مع دول الخليج العربية بقيادة المملكة العربية السعودية هرول إليها، دون أن يغلق الباب أمام التقارب مع إيران؛ فتراه يفتح لها ذراعيه في قضايا أخرى«.

وأردف في حديثه لـ«ساسة بوست»: «المشاركة في حدِّ ذاتها تمثّل تقاربًا كبيرًا مع الموقف السعودي الأكثر بروزًا في هذا الإطار، بمشاركة الأمير تركي الفيصل رئيس جهاز الاستخبارات السعودية الأسبق، وإلقائه كلمةً قويةً في المؤتمر، أعلن خلالها التحامه مع الجماهير المعارضة بأنه أيضًا يريد إسقاط النظام الإيراني، وبارك جهود المعارضة الإيرانية في الخارج بقيادة زعيمتها مريم رجوي».

وأشار الجعفري أن النظام المصري يبقي في منأًى عن أيّ لوم رسمي إيراني؛ لأنه حرص على ألاّ يحمل الوفد المشارك أيّ صفة رسمية؛ فقد شارك في المؤتمر عدد من أعضاء مجلس النواب، منهم وكيل المجلس «سليمان وهدان»، وهي ذريعة جيّدة للتملّص من أيّ دعم مصري رسمي للمؤتمر.

وختم الجعفري بالقول «لم تكن مصر في حاجة إلى المشاركة في هذا المؤتمر إلا في إطار سياسة خارجية واضحة تُراعي مصالحها ودورها الإقليمي، خصوصًا أن الخارجية المصرية لديها كثير من الملفات الشائكة، وليست في فُسحة من أمرها للمكايدة السياسية لحساب طرف على آخر، وكان عليها أن تكون فاعلًا في الأحداث التي تعصف بالمنطقة، لا أن تقف على هامشها تُراقب، وتنتظر ما قد يصل إليها من هذا الطرف أو ذاك».

المعارضة الإيرانية:«نقل السلطة إلى الشعب الإيراني»

تشكل المعارضة الإيرانية أعداد كبيرة خاصة في الخارج وهي من أطياف عدة، تتضافر جهودها بهدفإسقاط النظام القائم في إيران، فكما تقول زعيمة المعارضة مريم رجوي، إن «المعارضة الإيرانية في الخارج لن تسكت ولن تتوقف إلى يوم يرفع فيه كل الإيرانيين متضافرين مهما كانت عقائدهم راية إيران حرة وديموقراطية».

أما  أبرز تحالف سياسي للمجموعات الإيرانية المعارضة فهو «المجلس الوطني للمقاومة» الذي يعمل كبرلمان إيراني في المنفى فيعقد في فرنسا سنويًا مؤتمر يهدف إلى تأكيد موقف المعارضة الإيرانية، على أن  الشعب الإيراني يعارض تدخل إيران في شؤون الدول الأخرى، وهو مجلس يضم 5 منظمات وأحزاب و550 عضو من الشخصيات السياسية والثقافية والاجتماعية والعلمية والعسكرية.

وترأس المجلس الوطني منذ أغسطس (آب) 1993 مريم رجوي وهي تتولى مسؤولية الإشراف على نقل السلطة «بشكل سلمي إلى الشعب الإيراني بعد سقوط النظام الإيراني الحالي» حسب ما جاء في لوائح المجلس. قالت رجوي في المؤتمر الأخير للمعارضة الإيرانية «إن تدخلات النظام الإيراني في المنطقة غير متأتية من موقع القوة، وإنما ناجمة عن أزماته وضعفه البنيوي، وداعش هو حصيلة قمع الشعب العراقي من المالكي والشعب السوري على يد بشار الأسد بتوجيه مباشر من النظام الإيراني».

وتابعت القول «الألم المشترك لجميع دول المنطقة هو تصدير التطرف وتأسيس مجموعات ميليشياوية والاحتلال من النظام الإيراني، عشرات المجموعات الميليشياوية العراقية وحزب الشيطان وعناصر أفغانية وباكستانية ويمنية تشكل وقوداً حربياً فرضه النظام الإيراني على الدول العربية».

عرض التعليقات
تحميل المزيد