في الرياض، ما قبل أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بأيام قليلة. كان يوم الجمعة، تحديدًا 31 أغسطس (آب) لعام 2001، استيقظت المملكة العربية السعودية على نبأ فريد من نوعه، تمثل في استقالة أحد أقوى أفراد العائلة السعودية المالكة، الأمير تركي الفيصل، من منصبه بوصفه مديرًا لجهاز استخبارات المملكة العام، وهو المنصب الذي شغله الأمير تركي منذ عام 1977 وحتى 22 عامًا متصلة، ليساهم بشكل أساسي في تكوين مخابرات عامة سعودية قوية، ومتغلغلة في المنطقة، جهازٌ تم اتهامه أكثر من مرة، من وسائل إعلام غربية، بإقامة علاقات وثيقة مع تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن بنفسه، واللذين كانا في أوجهما حينها. اتهامات لم تثبت بأي شكل، واستقالة قبلت في هدوء مثير للاهتمام من قبل الملك فهد بن عبد العزيز، مصدرًا مرسومًا ملكيًا بتعيين الأمير نواف بن عبد العزيز، على رأس الاستخبارات، خلفًا للأمير تركي.

على مدار الأعوام التالية وحتى 2005، خرجت تقارير تؤكد على إقالة الأمير لا استقالته، ومنها ما ذكره مؤلفا كتاب «السياسات والعقيدة: الإسلام والحضارة الإسلامية»، بروفيسور جان إيرك لان، وبروفيسور حمادي ريديسي، عندما أشارا إلى ما حدث مع الأمير تركي بلفظ طُرد. قبلها بأكثر من عشرة أعوام أشيع عن الأمير تركي علاقته الوثيقة، غير المؤكدة بشكل قاطع، بزعيم تنظيم القاعدة الشهير أسامة بن لادن، لكن المؤكد أنه قابله أكثر من مرة في نهاية العقد الثمانيني من القرن الماضي، على حد قول الأمير تركي بنفسه، واصفًا بن لادن بـ«شاب متحمس للجهاد، وديع وبسيط، قليل الكلام لا يرفع صوته عند الحديث، بصفة عامة كان رجلًا لطيفًا». وكان ذلك بالطبع في عصر «جهاد» التنظيم ضد السوفييت لغزوهم أفغانستان، وهو «الجهاد» الذي حظي بدعم الولايات المتحدة والمملكة وأغلب العالم تقريبًا.

الأمير تركي الفيصل

توترت العلاقات فيما بعد بين المملكة، ممثلة في رجلها المخابراتي الأول تركي الفيصل، وبين تنظيم القاعدة. ويختصر الأمير تركي هذا التوتر في شرحه لبدايته، بُعيد غزو العراق للكويت في أوائل التسعينات، حينها طرح بن لادن على المملكة جلب جيش خاص، على حد قول الأمير، إلى الكويت لتحريرها، وهو الاقتراح الذي رفضته المملكة فكانت نهاية العلاقات الودية بينهما، بينما يواصل الأمير تركي قائلًا، إن ما حدث «تغيير جذري في شخصيته، من إنسان وديع لطيف، يريد مساعدة المسلمين، إلى إنسان يعتقد أنه يستطيع جمع وقيادة جيش لتحرير الكويت، إنه الكبرياء والغرور». وتبنت المملكة منذ حرب الخليج الثانية موقفًا معاديًا لتنظيم القاعدة، ومر العقد التسعيني، وفي القلب منه جهاز المخابرات العامة السعودي، على هذه الوتيرة بلا تغيير، واستمرت الأمور واضحة حتى أتى يوم 11 سبتمبر (أيلول) بأحداثه الشهيرة، ليحدث هزة عالمية قلما تكررت.

بعد أحداث سبتمبر (أيلول) 2001، وانتفاضة الولايات المتحدة، بشهر واحد فقط، وفي 12 أكتوبر (تشرين الأول) أتى أول مقال يربط المملكة العربية السعودية بهذه الأحداث، ويشير إلى علاقتها بشكل ما مع القاعدة، وكان المقال لكاتب أمريكي يدعى جاستن رايموندو، مؤسس موقع «ضد الحرب» ومؤلف لبضعة كُتب، مقال بدا وكأنه أقرب لنظرية مؤامرة كاملة أتت في خضم زخم الأحداث حينها، ولم يتلقفه أحد بالطبع بجدية أو اهتمام.

في هذا الوقت تزايدت حاجة الولايات المتحدة لحليفتها الأهم في المنطقة، ولم يكن ممكنًا العبث بأي شكل بعلاقات واشنطن- الرياض الثنائية، بخاصة بعد غزو أفغانستان التالي مباشرة لأحداث سبتمبر (أيلول)، وغزو العراق المرتقب. وأصدر مجلس العلاقات الدولية (CFR)، أحد أهم مراكز الدراسات السياسية النافذة في واشنطن، في مايو (أيار) 2002، ورقة بحثية تحث إدارة بوش على أهمية تقوية العلاقات الثنائية بين البلدين، فيما بدا وكأنه التوجه العام لواشنطن فيما هو قادم، لكن الثاني من أغسطس (آب) لعام 2003 أتى، لتنشر النيويورك تايم، تقريرًا مطولًا عن جزء سري في تحقيق الكونجرس عن أحداث سبتمبر (أيلول)، جزء يقترح تورطًا لجواسيس سعوديين في أحداث برجي التجارة العالميين.

كان تقرير النيويورك تايمز، بعد عامين فقط من أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، مفاجئًا بكل المقاييس، ذاكرًا على ألسنة مصادر مطلعة، أن سعوديين اثنين، عرفتهما الوثائق بعمر البيومي وأسامة بسنان، كانا على علاقات غير مباشرة «على الأقل» باثنين من خاطفي الطائرات، وأن هذين الاثنين يحتمل أن يكونا عميلين للمخابرات السعودية، ما يفسر سر التوتر الشديد في العلاقات بين الرياض وواشنطن في هذا الوقت، فضلًا عن خضوع هذا الجزء من الوثائق لتصنيف (سري للغاية)، بأمر رئاسي من جورج بوش الابن، مقابل نفي المملكة القاطع لما جاء في هذا الجزء إن صح، وطلبها رفع السرية عنه ليمكنها نفي الاتهامات بشكل تفصيلي أكثر، وهو ما قوبل برفض بوش أيضًا، والذي قال للسعوديين حينها، إن ذلك «سيعرض بعض المصادر الاستخباراتية الأمريكية للخطر وسيكشف جزءًا من قدراتها المعلوماتية أيضًا».

بدا وكأن الولايات المتحدة في هذه الفترة تطارد المملكة شعبيًا، وتوالت الدعاوى القضائية التي تستهدف الحكومة السعودية، والعائلة المالكة، وتركي بشكل خاص. وفي 2002 طاردت الأمير تركي دعوى قضائية، من بعض عائلات الضحايا، بمليارات الدولارات إلا أنه حكم فيها سريعًا لصالح دفاع المؤسسات السعودية ورئيس المخابرات السابق، وبعدها بعامين وفي ديسمبر (كانون الثاني)، زعمت مجلة باريس ماتش الفرنسية، في تقرير لها وجود صلة بين الأمير تركي وتنظيم القاعدة، التنظيم الذي اكتسب حينها سمعته «باعتباره مصدرا الإرهاب» في العالم، وهي السمعة التي رعتها الولايات المتحدة مباشرة، لكن المجلة فشلت بعدها في إثبات ادعاءاتها، واضطرت إلى دفع تعويض وكتابة اعتذار علني للأمير، الذي لم يثبت عليه أو على المملكة أي شيء، في الوقت الذي مر فيه تقرير الكونجرس بجزئه السري بسلام، واستمرت الأمور طي الكتمان على مدار السنوات، حتى أسبوعنا الحالي.

ما الذي حدث هذا الأسبوع؟

في فبراير (شباط) من عام 2002، وبعد خمسة أشهر على أحداث سبتمبر، قام أعضاء لجنتي الدفاع والاستخبارات، بمجلسي الشيوخ والنواب، بالعمل على تحقيق مشترك طويل خاص بأنشطة (مجتمع الاستخبارات الأمريكي) قبل وبعد أحداث سبتمبر (أيلول)، وفي وقت دقت فيه الإدارة الأمريكية ناقوس الخطر، واستمدت صلاحيات مطلقة القوة من ذلك، في وقت كهذا اصطدم أعضاء اللجنتين بعوائق كثيرة، ومعارضة شرسة وعراقيل قام بوضعها نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني، ذو الصلات بالغة القوة بإمبراطوريات اقتصادية، والذي كان يطلق عليه بسخرية «الرئيس الأمريكي الحقيقي»، كناية عن نفوذه، وشاركه وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد، وبدا وكأن التقرير يتجه إلى جدار مصمت، في ظل مواجهته للمسئولين الأمريكيين الأكثر نفوذًا بعد قاطن المكتب البيضاوي.

1 2 3
عرض التعليقات